بداية سلسلة استقصائية تحليليّة تُسلط الضوء على ملف قضية الاختطاف والاحتيال المالي المعقدة في منطقة جرمانا بريف دمشق، وصولاً إلى مستجداتها الراهنة.
نفتح اليوم الملف الكامل للقضية التي شغلت الأوساط القانونية والإعلامية، مستندين إلى وثائق رسمية وضبوط تحقيقات ومحاضر رسمية (وعلى رأسها ضبط ناحية جرمانا رقم 889 لعام 2025). نكشف في هذه الحلقة الأولى التفاصيل الحقيقية للواقعة، والملابسات التي رافقت إجراءات التوقيف، والفوارق المالية الضخمة، والقرارات القضائية المفاجئة الصادرة عن قاضي التحقيق الثاني بجرمانا.
أولاً: وقائع ضبط ناحية جرمانا رقم 889 (التفاصيل والملابسات الرسمية)
1. البلاغ والادعاء الأولي:
حضر إلى مركز شرطة ناحية جرمانا الوكيل محمود الفندي بموجب وكالة رسمية عن المواطن الكويتي (يوسف عيسى العلي)، الموكل بالدفاع عن المخطوف الكويتي (خالد محمد البلوشي). وتضمن الادعاء تعرض المواطن الكويتي للاختطاف بعد قدومه إلى سوريا بقصد الزيارة واستدراجه تحت غطاء الرعاية الطبية، ومن ثم طلب فدية مالية تجاوزت 300,000 دولار أمريكي، إضافة إلى ابتزاز ذويه بمبلغ 50,000 دولار أمريكي إضافية مقابل إعادة أوراقه الثبوتية وجواز سفره، مع التهديد بنقله إلى محافظة إدلب في حال عدم الدفع.
2. المداهمة والشبهات والقبض على المشتبه بهم:
بناءً على التنسيق مع النيابة العامة بريف دمشق، تم اقتحام منزل المتواري (محمد عبد الرحمن الملقب باسل / أبو يزن) وزوجته المتوارية (ملك يحيى البلو). وأسفرت العمليات عن ضبط كميات من الأسلحة (مسدس، بندقيتي صيد، أصفاد)، وسيارتين (كيا سبورتاج)، وثلاث دراجات نارية، وكتاب مزور، إضافة إلى توقيف عدد كبير من الأشخاص المتواجدين أو المرتبطين بالشبكة:
• المقبوض عليهم الأوليون: (ندى البلو، مريم عبد الرحمن، فطوم عبد الرحمن، أحمد عبد العزيز البدوي، محمد رضوان صوان، خالد عبد الحميد درويش، محمد محي الدين درويش، حسام السكافي، جلال عضمية - سائق التاكسي، ياسين محمد خير، محمد عبود، نور شيخ القصير، عمر خطاب عميري).
3. إفادات المتهمين والشهود في الضبط:
• ندى البلو: رغم أنها أنكرت أي علاقة باختطاف المواطن الكويتي، وأكدت أن شقيقتها المتوارية (ملك) وزوجها (محمد عبد الرحمن / الملقب باسل) هما من استخدما اسمها وانتحلا شخصيتها، وأن علامات الثراء الفاحش (شراء السيارات والذهب) ظهرت عليهما فجأة، إلا أن ذلك ينفيه ويؤيد عكسه المقاطع الصوتية المرسلة منها عبر تطبيق واتساب (WhatsApp)، مما يؤكد علاقتها المباشرة بالجرم.
• مريم وفطوم عبد الرحمن وأحمد البدوي: اعترفوا باستلام عشرات الحوالات المالية (أكثر من 25 حوالة) بمبالغ ضخمة عبر مكاتب الصرافة والسوق السوداء بتكليف من المتوارية ملك وزوجها.
• باقي الموقوفين (سائق التاكسي، الميكانيكي، تجار السيارات، الجيران): تصادف وجودهم أو كانت علاقتهم تنحصر في معاملات تجارية أو تصليح سيارات أو اتصالات عابرة.
ثانياً: الفوارق المالية الضخمة (الواقع الحقيقي مقابل المسجل)
من أهم الثغرات التي يكشفها هذا الملف وجود تباين صارخ بين المبالغ المذكورة في المحاضر والمبالغ الفعلية التي تم التحفظ عليها وضبطها:
• المحرر رسمياً في الضبط: تم تسجيل مبالغ بالليرة السورية ومبالغ متفرقة (مثل 450 مليون ليرة كأمانة، و35 مليون ليرة داخل الخزنة الحديدية، و400 دولار أمريكي، وقطع ذهبية متعددة تم وصفها بالكامل).
• الحقيقة والواقع الفعلي: إن المبالغ المالية الحقيقية والتدفقات النقدية التي تم ضبطها والتحفظ عليها في مواقع المداهمات والتفتيش تفوق بكثير المبالغ المالية المسجلة والموثقة رسمياً في أوراق الضبط رقم 889، وهذا بناءً على اعتراف أفراد العصابة الذين تم إلقاء القبض عليهم لاحقاً أمام إدارة المباحث الجنائية، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول مصير تلك الفروقات المالية الضخمة وأين ذهبت أثناء عمليات التفتيش وتحري المنازل.
ثالثاً: القرارات القضائية وإخلاءات السبيل أمام قاضي التحقيق الثاني بجرمانا
على الرغم من خطورة الجرم (تشكيل عصابة خطف وسلب وابتزاز مالي دولي وتزوير):
1. ترك الشرطة الأولي: قام مدير الناحية بناءً على قرار رئيس النيابة العامة في جرمانا بترك عدد من الموقوفين (مثل شقيقة المتهمة الأساسية المدعوة ندى البلو رغم ثبوت علاقتها المباشرة بالجرم وورود اسمها بشكل صريح في التسجيلات الصوتية، إضافةً إلى سائق التاكسي، والمارة، والميكانيكي) لعدم ثبوت أي صلة لهم بالشبكة.
2. قرارات قاضي التحقيق الثاني بجرمانا: عقب إحالة الملف والموقوفين الخمسة الأساسيين (محمد رضوان صوان، أحمد البدوي، عمر عميري، مريم عبد الرحمن، فطوم عبد الرحمن) إلى القضاء:
• أصدر قاضي التحقيق الثاني في جرمانا قرارات بإخلاء سبيل عدد من المتهمين الموقوفين وترك الآخرين.
• أثار قرار إخلاء السبيل استغراباً واسعاً، لا سيما أن المتهمين المقبوض عليهم اعترفوا صراحة باستلام عشرات الحوالات المالية الضخمة التي استُحصلت من أموال الفدية والابتزاز، وأن المتهمين الأساسيين (رأس الشبكة) ما زالا متواريين عن الأنظار.
• وما زاد الطين بلة (أو ما زاد في الطنبور نغماً) قيام السيد قاضي التحقيق الثاني في جرمانا لاحقاً بفك احتباس السيارات المحجوزة والدراجات النارية وتسليمها لزعيمة العصابة ملك البلو وزوجها محمد أحمد عبد الرحمن، وهذا ما سنوضحه لاحقاً وبشكل مفصل ودقيق.
ما تنتظرونه في الحلقات القادمة من السلسلة:
• الحلقة الثانية: التحقيقات لدى فرع المباحث الجنائية بريف دمشق والأيادي الخفية التي قامت بتهريب المطلوبين إلى مدينة السويداء.
• الحلقة الثالثة: تدخل السفارة السورية في دولة الكويت والتحقيقات لدى إدارة المباحث الجنائية في دمشق.
• الحلقة الرابعة: وصول الضبوط إلى القضاء وفشل النتائج القضائية وسرقة أدلة من الملف.
زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية