أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

دبلوماسية الاقتصاد: ماكرون في دمشق ورسم خريطة المصالح الفرنسية الجديدة

لا شك أن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق في يوليو 2026، كحدث استثنائي في المشهدين السياسي والاقتصادي، كونها الزيارة الأولى لرئيس فرنسي منذ 17 عاماً، والأولى لزعيم غربي منذ التحرير أواخر عام 2024.

وهذه الزيارة لم تكن مجرد بروتوكول سياسي، بل دشنت مرحلة جديدة من "الشراكة الاقتصادية" الهادفة لترسيخ نفوذ فرنسي استراتيجي في عملية إعادة الإعمار.

وشهدت الزيارة توقيع حزمة واسعة من اتفاقيات التعاون ومذكرات التفاهم التي غطت قطاعات حيوية، مما يعكس طموح باريس في أن تكون "الشريك الأول" لدمشق في المرحلة القادمة. 

وتضمنت الاتفاقيات قطاع البنية التحتية والنقل حيث تم توقيع "إعلان شراكة استراتيجية" يركز على النقل البحري والجوي والخدمات اللوجستية، بتمثيل بارز لمجموعة CMA CGM التي تهدف لإدارة وتطوير عمليات الشحن في مطار دمشق والموانئ السورية.

وعلى صعيد القطاع المالي والمصرفي تم إبرام مذكرة تفاهم لتقديم مساعدة فنية للمصرف المركزي السوري، تهدف إلى دعم الإصلاحات النقدية ومحاولة دمج النظام المصرفي السوري في الأنظمة المالية الدولية، وهو حجر الزاوية لجذب الاستثمارات الأجنبية.

وعلى مستوى قطاع الخدمات العامة والطاقة جرى توقيع بروتوكول تعاون لتنفيذ حلول مياه وطاقة معيارية في مدينة حمص، بالإضافة إلى مذكرات تفاهم لتأهيل المستشفيات الجامعية عبر شركة Ellipse Projects SAS.

دور الوكالة الفرنسية للتنمية والقطاع الخاص
وتعد عودة الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) إلى سوريا، مع إدراج وكالة "خبراء فرنسا" (Expertise France) ضمنها، الأداة التنفيذية الأهم لهذه الزيارة. ستقوم هذه المؤسسات بتقديم الخبرات الفنية لتطوير الإدارة العامة والقدرات الحكومية السورية، وسيجري التركيز على المشاريع التنموية التي تخلق فرص عمل وتساهم في الاستقرار الاقتصادي المحلي.

وتحفيز القطاع الخاص من خلال تشكيل مجلس أعمال فرنسي-سوري مشترك، يمهد لعقد "منتدى أعمال" في خريف 2026، مما يمنح الشركات الفرنسية "أفضلية دخول" للأسواق السورية قبل المنافسين الدوليين.

انعكاسات الاتفاقيات على الاقتصاد السوري
وبحسب محللين اقتصاديين فإن هذه الاتفاقيات تؤسس لخارطة طريق تهدف إلى تحويل الاقتصاد السوري من اقتصاد "حرب" إلى اقتصاد "تنمية" عبر عدة محاور منها إعادة الإعمار إذ تفتح الاتفاقيات الباب أمام الشركات الفرنسية للمشاركة في مشاريع إعادة البناء الكبرى، مما يخفف من أعباء التمويل عن الحكومة السورية عبر جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

والتشغيل والتنمية عبر التركيز على قطاعات مثل الطيران، الشحن، والصحة، الذي يُعد توجهاً مباشراً لخلق فرص عمل حقيقية ورفع كفاءة البنى التحتية اللازمة للنمو الاقتصادي طويل الأمد.

وتمثل الزيارة، وفقاً لوسائل إعلام عربية وغربية مثل "رويترز" و"الأناضول" و"العربي الجديد"، شهادة ثقة دولية ببدء تعافي الاقتصاد السوري، مما يقلل من مخاطر الاستثمار في الدولة ويشجع تدفق رؤوس الأموال الإقليمية والدولية.

مصالح متبادلة
إن زيارة ماكرون هي إعادة تموضع استراتيجي لفرنسا في المنطقة عبر بوابة الاقتصاد. وبالرغم من التحديات السياسية، فإن التقارب الاقتصادي يعتمد على منطق "المصالح المتبادلة"؛ حيث تسعى دمشق للخبرة الفرنسية في إعادة الإعمار، بينما تبحث باريس عن حصة سوقية وازنة في بلد يمثل ركيزة جغرافية واقتصادية في المشرق العربي. إن نجاح هذه الاتفاقيات مرهون بمدى استقرار الأوضاع الأمنية وقدرة المؤسسات السورية على تنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي اشترطتها الشراكة.

وبينما تراهن فرنسا على "الدخول المبكر" لضمان مكانة متميزة في السوق السورية، تحاول الحكومة السورية تقديم نفسها كـ "جسر آمن" للاستثمارات الأوروبية، وهو تحدٍ جيوسياسي واقتصادي ستتضح ملامحه بشكل أكبر بعد انتهاء المرحلة الانتقالية السياسية. 

فارس الرفاعي - زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي