في خطوة وُصفت بأنها "محطة فارقة" في العلاقات الدولية والإقليمية، وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العاصمة السورية دمشق أمس الاثنين، في زيارة تعد الأولى لرئيس فرنسي منذ عام 2009، وأول زيارة لزعيم غربي رفيع المستوى منذ التغيرات السياسية الكبرى التي شهدتها سوريا عام 2024.
وتأتي هذه الزيارة لتطوي سنوات طويلة من القطيعة، وتدشن مرحلة جديدة في العلاقات السورية-الفرنسية، تقوم على براغماتية سياسية تتجاوز إرث الماضي نحو آفاق الشراكة المتكافئة.
ووفق مراقبين تمثل هذه الزيارة، التي استقبل فيها الرئيس السوري أحمد الشرع نظيره الفرنسي، خروجاً جذرياً عن العرف الدبلوماسي الغربي الذي ساد طوال العقد الماضي. إن أهمية هذه الزيارة تتجاوز البروتوكول؛ فهي إعلان رسمي عن انتهاء مرحلة "العزلة" وفتح قنوات التواصل المباشر على أعلى المستويات.
وباعتبارها أول دولة من الاتحاد الأوروبي تتخذ هذه الخطوة الجريئة، ترسل فرنسا إشارة قوية للمجتمع الدولي حول تغير التقديرات الغربية للملف السوري، وتقر بالواقع السياسي الجديد الذي تشكل بعد تحولات 2024. لم تكن هذه الخطوة وليدة اللحظة، بل هي تتويج لمسار من الاتصالات غير المعلنة والمشاورات التي بدأت فور تسلم الإدارة السورية الجديدة مهامها، والتي أبدت مرونة أكبر في التعاطي مع الملفات الإقليمية الشائكة.
الشراكة الاستراتيجية: من الأمن إلى الاقتصاد
تسعى باريس عبر هذه الخطوة إلى إعادة صياغة علاقتها مع دمشق بما يخدم الاستقرار الإقليمي، بعيداً عن سياسات التهميش التي أثبتت عدم جدواها.
وفي هذا السياق، لم يقتصر الوفد المرافق للرئيس ماكرون على المستشارين السياسيين، بل ضم نخبة من كبار المستثمرين الفرنسيين في قطاعات الطاقة، البنية التحتية، والتكنولوجيا.
وهذا التشكيل للوفد يشير إلى أن باريس تضع "إعادة الإعمار" والشراكة الاقتصادية في صلب أجندتها، إلى جانب ملفات أمنية حساسة، منها مكافحة الإرهاب، ضبط الحدود.
وقد أكد الرئيس أحمد الشرع خلال اللقاء على هذا التوجه قائلاً: "إن الشراكة الاستراتيجية التي نؤسسها مع فرنسا هي نموذج نرغب في أن تكون عليه علاقتنا مع أوروبا والعالم، شراكة مبنية على مصالح تخدم شعبينا، لا على شعارات جوفاء".
نحو دور سوري محوري في التوازنات الإقليمية
ومن المتوقع أن تمنح زيارة ماكرون دمشق "شرعية دبلوماسية" ذات ثقل أوروبي، ما يساهم في تعزيز دور دمشق كفاعل أساسي في ترتيبات المنطقة، خاصة في ظل سعي فرنسا لتعزيز استقرار الجوار السوري، بما في ذلك الملف اللبناني الذي يشكل أولوية استراتيجية للسياسة الخارجية الفرنسية.
علاوة على أن هذه الزيارة تفتح الباب أمام سوريا لتكون شريكاً في التحالفات الدولية الكبرى ضد التحديات العابرة للحدود، بعد أن كان يُنظر إليها كطرف معزول طوال الحقبة السابقة.
وفي هذا السياق، حملت تصريحات الرئيس ماكرون رسائل سياسية واضحة؛ إذ أكد على احترام السيادة السورية والتزام فرنسا بسوريا "ذات سيادة وموحدة"، وهو ما يعطي دمشق دفعة قوية في محاولاتها لترسيخ استقرارها الداخلي وإعادة بسط نفوذها الكامل على كامل جغرافيتها.
الرؤية الفرنسية: بين السيادة والتعددية
من جانب آخر، شدد الخطاب الفرنسي على تجاوز مفهوم "الوصاية" لصالح علاقة نديّة تحترم خصوصية كل طرف. وربطت باريس استمرار وتعميق هذه الشراكة بتبني سوريا نموذجاً سياسياً تعددياً يحترم كافة مكونات الشعب السوري، وهو ما يمثل رؤية فرنسية للمرحلة القادمة تراهن على الاستقرار عبر الانفتاح والاعتراف بالتنوع.
وخلاصة القول أن باريس قررت المراهنة على "دمشق الجديدة" كحجر زاوية لاستقرار الشرق الأوسط، مدركةً أن تجاهل دمشق لم يعد خياراً استراتيجياً قابلاً للاستمرار في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة.
وفي المقابل، تجد دمشق في هذا الانفتاح الفرنسي نافذة حيوية لتعزيز حضورها الإقليمي وتجاوز تبعات الماضي نحو مرحلة من الاستقرار السياسي والاقتصادي، مستفيدةً من الغطاء الأوروبي لترسيخ مكانتها في النظام الدولي الجديد.
فارس الرفاعي - زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية