بعد سنوات طويلة من انتظار التغيير، كان من الطبيعي أن يأمل السوريون بأن تكون مؤسساتهم المهنية من أوائل الجهات التي تعكس روح المرحلة الجديدة. فالنقابات التي تحولت خلال عقود حكم النظام السابق إلى أدوات للضبط والولاء، كان يفترض أن تشهد عملية تجديد حقيقية تعيد إليها دورها المهني وتمثيلها لأصحاب الاختصاص.
لكن ما يجري في بعض النقابات يثير تساؤلات مشروعة حول مدى جدية هذا التحول.
في فرع دمشق لنقابة أطباء الأسنان، عاد اسم الدكتور غسان مخول إلى الواجهة مجدداً ضمن التشكيلة المعينة لمجلس الفرع الجديد. ومخول ليس اسماً طارئاً على المؤسسة؛ فقد شغل عضوية مجلس فرع دمشق منذ عام 2006 لثلاث دورات متتالية، قبل أن يصبح نقيباً لأطباء الأسنان بين عامي 2020 و2025. كما أنه عميد متقاعد في الخدمات الطبية العسكرية، وكان جزءاً من المنظومة الرسمية خلال سنوات حكم النظام السابق.
وبحسب عدد من زملائه، كان يتباهى بخدمته السابقة في مشفى تشرين العسكري، الذي ارتبط اسمه خلال سنوات الحرب بملفات وانتهاكات جسيمة بحق المعتقلين السوريين
وتزداد التساؤلات عند استحضار بعض محطات تلك المرحلة. ففي عام 2013، وبعد اعتقال طبيبة الأسنان الدكتورة رانيا العباسي، جرى فصلها من النقابة. وفي ذلك الوقت كان الدكتور غسان مخول يشغل منصب أمين سر فرع دمشق، بينما كان الدكتور محمد رشاد مراد نقيباً للفرع، والدكتورة فاديا ديب نقيبة لأطباء الأسنان في سوريا.
ولم يُعرف عن النقابة آنذاك أي موقف علني للدفاع عن زميلتها المعتقلة أو المطالبة بكشف مصيرها، في وقت كانت فيه النقابات المهنية تُدار عملياً تحت نفوذ الأجهزة الأمنية التابعة للنظام.
ولم تكن النقابات في تلك الحقبة مؤسسات مهنية مستقلة بقدر ما كانت جزءاً من المنظومة الأمنية والسياسية التي أحكمت قبضتها على المجتمع السوري لعقود.
فبالنسبة لكثير من السوريين، كان الدخول إلى مبنى النقابة لا يختلف كثيراً عن الدخول إلى أحد الفروع الأمنية؛ إذ كانت القرارات الكبرى تُصاغ وفق اعتبارات الولاء والرضا الأمني أكثر مما تُبنى على مصالح المنتسبين أو حقوقهم المهنية. ولذلك ارتبطت هذه المؤسسات في الذاكرة العامة بالخوف والإقصاء أكثر من ارتباطها بالدفاع عن أصحاب المهن.
المسألة هنا لا تتعلق بشخص الدكتور مخول بقدر ما تتعلق بالرسالة التي ترسلها مثل هذه التعيينات إلى آلاف السوريين الذين كانوا ينتظرون رؤية وجوه جديدة وإدارات جديدة وأفكار جديدة. فحين تعود الأسماء ذاتها إلى المواقع نفسها، يصبح من حق الناس أن يتساءلوا: أين التغيير الذي وُعدوا به؟ وهل المقصود بالإصلاح استبدال الشعارات فقط أم إعادة بناء المؤسسات على أسس مختلفة؟
لقد دفعت النقابات ثمناً باهظاً خلال العقود الماضية بعدما فُرغت من دورها الحقيقي وتحولت إلى ساحات نفوذ سياسي وأمني. ولذلك فإن استعادة ثقة المهنيين بها تتطلب إجراءات تتجاوز إعادة تدوير الشخصيات التي ارتبطت، بحق أو بغير حق، بمرحلة لا يزال السوريون يحاولون الخروج من آثارها.
لا أحد يطالب بالإقصاء على أساس الانتماء الوظيفي السابق، لكن من حق المجتمع أن يرى مساراً واضحاً للتجديد، ومن حق المهنيين أن يشعروا بأن مؤسساتهم أصبحت مفتوحة أمام جيل جديد قادر على تمثيل تطلعاتهم.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المؤسسات في المرحلة الحالية ليس نقص الكفاءات، بل فقدان الثقة. والثقة لا تُبنى بالبيانات والوعود، بل بإشارات عملية تؤكد أن زمن احتكار المواقع والمناصب قد انتهى، وأن النقابات لم تعد حكراً على الأسماء نفسها مهما تبدلت الظروف.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل نحن أمام مرحلة إصلاح حقيقي، أم أمام نسخة جديدة من سياسة إعادة التدوير التي أتقنها النظام السابق لعقود؟
هاني الجعرور - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية