أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

التوقعات الفلكية للنائب الاقتصادي ... سعاد جروس

مع اقتراب العام من نهايته ونشاط التوقعات الفلكية للعارفين والعارفات بشؤون العالم والبشر المخبأة في علم الغيب، وصدور أهم التوقعات لسائر الأبراج العادية منها والصينية والخنفشارية، سارع نائبنا الاقتصادي دام ظله إلى إصدار توقعاته لاقتصادنا خلال السنوات الخمس المقبلة، وبشرنا إذ بشر بأرقام تثلج الصدور، وتشيع أجواء من التفاؤل والحبور، وقال معتمداً على الأرقام التي يستهويه قذفها بالهواء كساحر متمرس يخرج من جيبه المناديل والأرانب إن اقتصادنا سيكون من «أهم الاقتصادات في شرق المتوسط وقطب النمو الرئيس فيه» وأن الجهود تبذل بسخاء منقطع النظير «لإيصال الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 100 مليار دولار»!! ورأى فيما يرى النائم المرفوع عنه الحجاب أن الناتج الإجمالي السوري سيصل إلى « 55 مليار دولار في نهاية الخطة الـ11»!!


وبدورنا نتمنى عليه وعلى كافة أركان حكومتنا أن يسارعوا إلى شنشلة الخطة الـ11 بمليار خرزة زرقاء في خطوة استباقية لفقء عين الحاسد المبتلاة بالعمى جراء الخطط السابقة. خصوصاً وأن «عدد سياح سوريا سيبلغ 12 مليون سائح في العام 2012 »!! ربنا من عالي سماه يبعث الخير والسياح. كذلك بعزم الفريق الاقتصادي وعضلاته سيتم تنزيل معدل البطالة إلى «7.1% في العام 2015 وخفض معدل الذين يعيشون دون خط الفقر ورفع حصة النقل لتنفق في استثمارات حكومية تتجاوز 5.5 مليارات دولار وجذب استثمارات خاصة بـ5 مليارات دولار بإجمالي 10 مليارات دولار في الخطة المقبلة» أي أن المواطن السوري بعد تطبيق الخطة 11 سيصبح سورياً مزوداً بالأجنحة، يطير فوق سحب الرفاهية والعيش الرغيد، تعوضه عن الذل الذي ذاقه مع الخطة 10 .
ما يجنن ويضع العقل بالكف هو إصرار المسؤولين الاقتصاديين في سوريا على ذر رماد الأرقام في عيوننا، فلا نعرف على أي أساس يتوقع النائب الاقتصادي أن عدد السياح سيبلغ 12 مليونا، مع أنه لو شاء بإمكان وزير سياحتنا وبحساب بسيط من حساباته المعروفة أن يمده بضعف هذا الرقم عن عدد السياح اليوم وليس بعد عامين، طالما وزارة سياحتنا تعتبر كل داخل إلى البلاد بمن فيهم العمال السوريون في الدول المجاورة واللاجئون وغيرهم سياحاً... هذا إذا لم تكن تعتبر أن كل مواطن سائح كونه يشتري كل احتياجاته بأسعار سياحية فلكية.
لماذا إذن ورط النائب الاقتصادي نفسه في توقعات يُعد وزير السياحة أشطر منه في تطريزها على تقاريره، هذا إذا لم نقل إن السياحة بالذات لا يمكن التكهن بمستقبلها وأرقامها فعدا ما قد يحصل لا سمح الله من ظروف طارئة تجعل من تلك التوقعات ضرباً من بيع الأحلام والأوهام؛ مثلاً، زيارة مفاجئة لسمكة قرش مجنونة تقضم أرقام السياح وأرباح السياحة، فما بالنا بمنطقة لم تعرف الاستقرار منذ أكثر من ستين عاماً ولن تعرفه طالما إسرائيل جاثمة على صدورنا بكل ممارساتها وجرائمها. فمنطقة (شرق المتوسط) كما يسميها نائبنا الاقتصادي وكما يطيب للسياسات الدولية تسميتها لغرض في نفس يعقوب، لن تكون ميداناً آمناً للسياحة قبل تحقيق السلام، ولا نظنه سيتحقق في الأمد المنظور. فهل يرى الاقتصاديون المنجمون ما لا يراه غيرهم من عتاة الساسة وجهابذة المحللين؟
لسنا ضد التفاؤل ولا ضد تنمية القطاع السياحي، لكن كلاماً من ماركة الضحك على اللحى، لم يعد ينفع في الترويج الدعائي ولا التغطية على واقع زيادة العجز الاقتصادي، وفشل خطط وقف تزايد البطالة، وتراجع الزراعة والصناعات المحلية الصغيرة، ولا يعمي الأبصار عن ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه للتجار دون رقيب أو حسيب، أو يستر على تجيير غالبية القرارات من فرض ضرائب ورسوم لمصلحة فئة معينة من الناس، وزيادة شهية الفاسدين للاستمرار في النهب، فماذا يعني أن تفتتح عشرات الفنادق والمطاعم الفخمة فيما يتزايد عدد الشحاذين على أبوابها؟ فهل هذا هو اقتصاد السوق الاجتماعي؟ بناء أبراج على أكتاف البشر وسحقهم!!
لا ندري لماذا نتطيّر عندما يعلنون عن عقد النية على «استكمال عملية الإصلاح الاقتصادي في إطار اقتصاد السوق الاجتماعي»، أو كلما قرأنا خبراً عن توجهات للحكومة للتركيز على البعد الاجتماعي للتنمية، فنتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ونروح نضرب أخماساً بأسداس حول ما يقال عن «زيادة الاستثمار في قطاع التنمية البشرية ودعم قطاعات الصحة والتعليم وشبكات الحماية الاجتماعية وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين وتوفير فرص العمل والحد من الفقر وتمكين المرأة وتعميق مفاهيم العدالة الاجتماعية» فمثل هذه الوعود سبق وسمعناها منذ خمس سنوات تحت عنوان اقتصاد السوق الاجتماعي ومن يومها ونحن نتقلب على جمر رفع الدعم والرسوم وارتفاع الأسعار، وإذا كنا قبلها نحلم بشيء من الرفاهية، صرنا نحلم بيوم نضع فيه رؤوسنا على الوسادة دون أن تؤرقنا الديون، وحسابات أقساط المدرسة والجامعة والبيت والسيارة وفواتير الهاتف والكهرباء والماء والتدفئة... ومن دون أن تثير وساوسنا الأرقام التي تطيرها التقارير الحكومية عن تكاليف باهظة لبناء وإصلاح البنية التحتية، التي كلما زادوا في ميزانيتها زادت تهلهلاً وضعفاً... لا ندري لماذا! كما لا ندري على سبيل المثال كيف تبلغ تكاليف محطة لتصفية مياه العاصي في محافظة حمص 51 مليون ليرة سورية، قام رئيس الحكومة بتدشينها الشهر الجاري، وفي الوقت ذاته تجاوزت تكلفة تحسين مدخل مدينة صغيرة في المحافظة ذاتها لا تزيد مساحته عن كيلومتر واحد الـ35 مليون ليرة مع فترة عمل تكاد تبلغ عاماً كاملاً، هذا بالنسبة الى البنية التحتية أما غيرها من مشاريع تنموية، فلا نفهم المقصود بهذا التعبير حين نرى مواطناً باع ما فوقه وتحته وغيّر مهنة توارثها أبا عن جد، من أجل إنشاء مشروع لحفظ وتغليف الفواكه، تماشياً مع الخريطة الاستثمارية لوزارة الزراعة، وقد باءت مساعيه بالفشل لعدم منحه ترخيصا بحجة عدم ملاءمة المشروع للمخطط الإقليمي!! والمخطط الإقليمي هذا أيضاً مصطلح لا يعلم من معانيه التنموية لغاية الآن سوى تبرير تعطيل أحوال العباد.
حيال تنبؤات نائبنا الاقتصادي وواقع حالنا، ليس لنا سوى متابعة سلسلة التوقعات الفلكية التي نتلهف لمعرفتها بداية كل عام .. نتفاءل بها يوما لننساها باقي الأيام.

الكفاح العربي
(8)    هل أعجبتك المقالة (8)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي