قبل نحو أسبوعين، وتحديداً في الرابع والعشرين من نيسان/أبريل الماضي، خرج المهندس يوسف قبلاوي، الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، في برنامج "صالون الجمهورية" ليطلق تحذيراً واضحاً، قال فيه حرفياً: "مع الوزير، اتخذنا قراراً بأنه من الآن وحتى نهاية شهر 4، إذا لم تتحسن الأمور، سنضطر لزيادة السعر".
بدا التصريح حينها كبالون اختبار، أو مهلة أخيرة قبل فتح صندوق الألم على الشارع السوري. اليوم، في السابع من أيار/مايو، انتهت المهلة، وأوفت "سوريا للبترول" بوعيدها، لتبدأ بذلك موجة غلاء جديدة عنوانها العريض: "لا دعم عشوائياً... ولكن دون بديل".
منصة القفز: ماذا حدث اليوم؟
طبقت الشركة السورية للبترول، اعتباراً من اليوم الخميس، قراراً برفع أسعار المشتقات النفطية بنسب تراوحت بين 17% و29%، لتكون بذلك قد سحبت البساط فعلياً من تحت سياسة "تثبيت الأسعار" التي كانت تنتهجها الحكومة السورية منذ أشهر.
وبحسب النشرة الرسمية الصادرة اليوم، أصبحت الأسعار الجديدة على النحو التالي:
- بنزين "أوكتان 95": من 0.91 دولاراً إلى 1.15 دولاراً لليتر (ارتفاع بنسبة 26.4%).
- بنزين "أوكتان 90": من 0.85 دولاراً إلى 1.10 دولاراً لليتر (ارتفاع بنسبة 29.4%).
- المازوت: من 0.75 دولاراً إلى 0.88 دولاراً لليتر (ارتفاع بنسبة 17.3%).
- أسطوانة الغاز المنزلي: من 10.5 دولارات إلى 12.5 دولاراً (ارتفاع بنسبة 19%).
- أسطوانة الغاز الصناعي: من 16.8 دولاراً إلى 20 دولاراً (ارتفاع بنسبة 19%).
وبررت الشركة قرارها رسمياً بأنه يأتي في إطار "إدارة استدامة الخدمة وضمان استمرارية التوريد"، مشيرة إلى أن سعر برميل النفط عالمياً تجاوز 100 دولار، بينما كانت تبيع البرميل لمصافيها المحلية بـ 60 دولاراً فقط، مما أجبرها على تحمل خسائر فادحة لم تعد قادرة على استيعابها.
السؤال المطروح: "هل الشركة السورية للبترول" شركة خاصة أم قطاع عام؟
ما يكشفه هذا القرار ليس فقط أزمة أرقام وبراميل، بل أزمة هوية تعيشها "الشركة السورية للبترول". فعندما وقف قبلاوي قبل أسابيع، كان فخوراً بأنه حرر الشركة من "قيود البيروقراطية" ليحلق بها كالعصافير في فضاء الشركات العالمية. واليوم، يبدو أن هذه الحرية استُخدمت بأسلوب "القطاع الخاص" المحض: التركيز على الربحية والخسارة، دون تقديم رؤية متكاملة للدعم الاجتماعي.
أدارت الشركة الأزمة كما لو كانت "محل بنزين" على قارعة الطريق يرفع أسعاره فوراً مع ارتفاع سعر البرميل. وكأن هذه الشركة ليست "أكبر ممول لخزينة الدولة" كما صرح هو نفسه، وكأن دخلها الذي يمول 80% من ميزانية البلاد لا يحملها مسؤولية أخلاقية لإيجاد حلول وسط. لقد تبخر الحديث عن حوكمة دخل البلاد حين تعلق الأمر بتوزيع الألم على المواطن، فكان الحل الأسهل هو تمرير الفاتورة كاملة للمستهلك النهائي.
الحل الغائب: أين البطاقات الذكية للقطاعات الحيوية؟
في غمرة هذا الرفع، يقف المواطن السوري عاجزاً. كل السيارات، كل المهن، كل شرائح المجتمع تشتري الوقود بنفس السعر. سائق التاكسي الذي تعتبر سيارته مصدر رزقه الوحيد، وسائق سيارة الإسعاف الذي ينقل المرضى في حالات الخطر، كلاهما يدفع الثمن نفسه كأي شخص يقود سيارة فارهة للترفيه!
أين هي "البطاقة الذكية للنقل العام" التي تحمي شريحة العمال والطلاب والموظفين الذين يواجهون مصاعبهم اليومية في المواصلات؟ أين هي "بطاقة التكاسي" المدعومة التي تضمن عدم انهيار قطاع النقل الذي يمس حياة الناس مباشرة؟ والأهم، أين هي "بطاقة المشافي وسيارات الإسعاف" التي تضمن أن حياة المرضى لن تكون رهينة تقلبات سوق النفط العالمي؟
هذا ليس عدلاً، هذا غياب للرؤية الاجتماعية. كان على قبلاوي وفريقه، وهم يتباهون باستقطاب كفاءات من "أرامكو" و"شيفرون"، أن يستوردوا معهم أيضاً أنظمة الدعم الذكية التي تنتهجها هذه الشركات في بلدانها. فالسعودية وقطر لم ترفعا الدعم هكذا بعشوائية، بل صنفتاه ليصبح وقوداً مخصصاً لفئات بعينها.
ختاماً: المهلة انتهت.. والأسئلة بدأت
اليوم انتهت مهلة الشهر الرابع التي حددها قبلاوي بنفسه، ونفذت الشركة قرارها. لكن ما حدث ليس مجرد ارتفاع في أسعار البنزين والمازوت، بل هو اختبار حقيقي لماهية هذه الدولة الجديدة: هل ستتعامل مع ثروتها كشركة تجارية تبحث عن هامش الربح، أم كمؤسسة سيادية تبحث عن تحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع هذه الثروة؟
بينما يقف قبلاوي فخوراً بأنه أوقف خسائر شركته، يقف السوريون على محطات الوقود، يسألون: إذا كانت هذه بداية الشركة السورية للبترول SPC، فكيف سيكون الحال حين تعود الأسعار للارتفاع أكثر؟ الإجابة قد تكون في بطاقة ذكية غائبة، لا تزال حتى الآن مجرد حبر على ورق في قاموس المسؤولين.
زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية