في خطوة اعتبرها مراقبون “تنظيمية بامتياز” وتصب في مصلحة الاستقرار المجتمعي، أعلنت وزارة الداخلية عن تعميم جديد يضبط آلية التظاهر السلمي، واضعًا إطارًا قانونيًا واضحًا يوازن بين حق التعبير وواجب الحفاظ على الأمن العام.
ويؤكد التعميم على ضرورة الحصول على ترخيص مسبق عبر لجنة مختصة تُحال بدورها إلى المحافظة المعنية، في إجراء يهدف إلى ضمان تنسيق مسبق بين الجهات المنظمة والسلطات المحلية، بما يقلل من احتمالات الفوضى أو الاحتكاك غير المحسوب. كما يشدد على الالتزام بالنظام العام ومنع حمل أي أدوات قد تشكل خطرًا، معتبرًا أن أي تجمع خارج هذا الإطار يُعد مخالفة قانونية تستوجب المساءلة.
يرى متابعون أن هذا النوع من التنظيم لا يهدف إلى تقييد الحريات، بل إلى حمايتها من الانزلاق نحو الفوضى. فالتجارب في عدد من الدول أظهرت أن غياب الأطر القانونية الواضحة قد يؤدي إلى استغلال التظاهرات من قبل مجموعات تسعى لإثارة الشغب أو العنف، ما يضر بالمتظاهرين أنفسهم قبل غيرهم.
ويقول أحد الباحثين في الشأن القانوني إن "الترخيص المسبق يمنح الجهات الأمنية القدرة على تأمين التظاهرة، من خلال تحديد المسارات وتوزيع القوى الأمنية بشكل يضمن سلامة المشاركين، ويحول دون وقوع احتكاكات أو اعتداءات".
تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع
ويذهب مراقبون إلى أن التعميم يسهم في بناء جسور ثقة بين المواطنين والسلطات، إذ يكرّس مبدأ الشفافية والتعاون بدل المواجهة. فحين تكون التظاهرة منظمة ومعلنة، يصبح من الأسهل حمايتها وتأمينها، كما يمنح ذلك المتظاهرين غطاءً قانونيًا واضحًا يجنّبهم أي مساءلة.
كما يشير مختصون في علم الاجتماع إلى أن تنظيم التظاهر يعكس “نضجًا في إدارة المجال العام”، حيث تتحول الاحتجاجات من حالة عفوية قد تكون عرضة للانفلات، إلى فعل مدني مسؤول يعبر عن الرأي ضمن قواعد تحمي الجميع.
حماية للمحتوى والرسالة
من جهة أخرى، يسهم التنظيم في الحفاظ على جوهر التظاهرات ورسالتها، إذ يحدّ من محاولات التشويش أو الاختراق التي قد تفرغها من مضمونها.
فالتظاهرة المرخصة والواضحة المعالم تتيح للمشاركين إيصال صوتهم بشكل أكثر فاعلية، بعيدًا عن الفوضى أو التصعيد غير المبرر.
تجارب دولية داعمة
وتشير تجارب دول عديدة إلى أن تنظيم التظاهر عبر الترخيص المسبق يُعد ممارسة شائعة، حيث يجري التنسيق مع السلطات لتأمين الحماية وتحديد المسارات، بما يحقق التوازن بين حرية التعبير ومتطلبات الأمن العام.
ويبدو أن التعميم الجديد لا يقتصر على كونه إجراءً إداريًا، بل يمثل خطوة نحو ترسيخ ثقافة التظاهر السلمي المسؤول، حيث تصبح الحرية مقرونة بالتنظيم، والحق محميًا بالقانون. وفي ظل هذه المعادلة، تتحول التظاهرات إلى وسيلة حضارية للتعبير، تعزز الاستقرار بدل أن تهدده، وتحمي المشاركين بدل أن تعرّضهم للخطر.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية