أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

بين النقد البنّاء والتخريب المقنّع

في أي بيئة وطنية حيّة، يبقى النقد ضرورة لا غنى عنها. هو الأداة التي تُبقي المسار تحت المراجعة الدائمة، وتمنع تراكم الأخطاء، وتفتح الباب أمام التصحيح. النقد الصادق، حتى لو كان قاسياً، يعبّر عن حرص على الفكرة وعلى المشروع، ويهدف في جوهره إلى البناء لا الهدم.

لكن المشكلة لا تكمن في النقد بحد ذاته، بل في الجهة التي تمارسه والدوافع التي تقف خلفه. فخلال السنوات الأخيرة، برزت أصوات تدّعي الانتماء إلى الخط الوطني أو الثوري، لكنها في الواقع تحمل تاريخاً مثقلاً بالتناقضات أو الارتباطات المشبوهة. هذه الأصوات لا تمارس النقد بوصفه وسيلة إصلاح، بل توظّفه كأداة للهجوم المستمر، ليل نهار، سراً وعلناً، دون تقديم بدائل أو حلول.

الفارق بين النقد البنّاء وهذا النمط من الهجوم واضح. الأول يحدّد الخلل ويقترح المعالجة، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار. أما الثاني، فيركّز على التشكيك، ويعمل على تقويض الثقة، ويغذّي الانقسامات داخل الصف الواحد. هو نقد بلا بوصلة، تحرّكه حسابات ضيّقة، أو رغبة في تصفية حسابات، أو حتى خدمة أجندات لا تمتّ للمشروع الوطني بصلة.

الأخطر من ذلك، أن هذه الفئة تحاول الاحتماء بوسائل إعلام أو منصّات تحمل تاريخاً ثورياً، لتضفي على خطابها قدراً من المصداقية. لكنها في الحقيقة تستخدم هذا الإرث كغطاء، لترويج خطاب يضرب في عمق هذا التاريخ، ويعمل على تفكيك رمزيته ومعناه. وهنا يتحوّل الإعلام من أداة وعي إلى ساحة صراع، تُستثمر فيها الكلمات لا لكشف الحقيقة، بل لإرباكها.

إن حماية المسار لا تعني رفض النقد، بل على العكس، تعني التمسّك بالنقد الحقيقي وفتح المجال له. لكنها في الوقت ذاته تفرض التمييز بين من ينتقد بدافع الإصلاح، ومن ينتقد بدافع التخريب. فليس كل صوت مرتفع صوتاً صادقاً، وليس كل من يرفع شعار الوطنية والثورة مؤمناً بها.

المطلوب اليوم ليس إسكات الأصوات، بل رفع مستوى الوعي تجاهها. على الجمهور، كما على الفاعلين في الشأن العام، أن يدركوا أن المعركة لم تعد فقط في الميدان، بل في الخطاب أيضاً. وأن الكلمة قد تكون أحياناً أكثر خطورة من أي سلاح، حين تُستخدم لهدم الثقة وضرب وحدة الصف.

في النهاية، يبقى الرهان على وعي الناس وقدرتهم على الفرز. فالنهضة والاستقرار والوحدة لا تُهزم فقط بالقوة، بل أيضاً حين يُترك المجال مفتوحاً لمن يفرغها من مضمونها من الداخل. 

ياسين أبو رائد - زمان الوصل
(7)    هل أعجبتك المقالة (6)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي