الوزيرة هند قبوات بحثت أول أمس الاثنين، مع ذوي الأطفال المفقودين آخر مستجدات التحقيقات حول مصير أبنائهم، بحسب "سانا"، لكن مصادر من داخل الاجتماع أكدت أنه لا جديد في كلام الوزيرة، سوى استعراض وتكرير جملة "توثيق 314 حالة لأطفال من أبناء المعتقلين أُودعوا في دور الرعاية التابعة للوزارة، أُعيد منهم 194 طفلًا إلى عائلاتهم، بينما لا تزال بقية الملفات قيد البحث والمتابعة"، علمًا أن الأطفال الـ 194 المعنيين كانوا في دور الرعاية يوم سقوط النظام وتم تسليمهم من قبل دور الرعاية.
ماهي القصة؟
كشفت وثائق أولية وصور صادرة عن مؤسسات النظام السوري البائد عن جريمة دولة ممنهجة استمرت ست سنوات، تورط فيها وزراء ومحافظون وضباط أمن كبار ومؤسسات خيرية دولية ومحلية، تمثلت في فصل الأطفال قسراً عن ذويهم المعتقلين، ونقلهم إلى دور الأيتام مع إخفاء هوياتهم وأصولهم، في سياسة ترقى إلى جريمة الإخفاء القسري بحق الطفولة السورية.
شبكة التورط: من الوزراء إلى ضباط السجون
لم تكن هذه الممارسات أعمالاً فردية أو إهمالاً رعوياً، بل خيوط جريمة منظمة امتدت من قمة الهرم الوزاري والأمني إلى أدنى مستويات إدارة دور الأيتام.
ففي وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، تورطت ريما القادري (وزيرة 2015-2020) في قضية أطفال عائلة أبو غليون عام 2020، تلتها سلوى عبد الله (وزيرة 2020-2021) التي سهّلت إخفاء طفلة فرنسية ووافقت على إعادة طفلة من جمعية خيرية إلى المخابرات. أما محمد سيف الدين (وزير 2021-2023) فتضاربت الوثائق حول تورطه عام 2024 بنقل طفلتين من زنازين المخابرات رغم انتهاء ولايته الرسمية.
وفي محافظتي دمشق وريف دمشق، برزت أسماء بشر الصبان (محافظ دمشق 2006-2018)، وعلاء منير إبراهيم (محافظ ريف دمشق 2016-2020)، وأحمد إبراهيم خليل (محافظ ريف دمشق 2024)، الذين تعاونوا بشكل مباشر مع المخابرات الجوية لتحويل أطفال المعتقلين إلى دور الأيتام.
أمّا الجهاز الأمني فكان الحاضن الأول لهذه الجريمة، حيث تورط اللواء علي مملوك (رئيس مكتب الأمن الوطني ثم نائب الرئيس للشؤون الأمنية) في قرارات متعلقة بأطفال غير سوريين، بينما وقع العقيد هشام شحم (رئيس سجن النساء بريف دمشق) واللواء نزار حسن (قائد شرطة ريف دمشق) عام 2022 على كتب رسمية لنقل أطفال من السجن إلى مراكز الأيتام. كما لعبت المخابرات الجوية (خاصة فرع التحقيق) وشعبة الأمن السياسي دوراً محورياً في تسليم وإخفاء الأطفال طوال السنوات.
أما ياسر عبد الأحمد، معاون وزير الشؤون، فظهر اسمه عامي 2020 و2021 في دعم الوزيرة القادري وتوقيع أوراق نقل أطفال من المخابرات الجوية إلى دور الأيتام.
مؤسسات خيرية تحت المجهر: قرى الأطفال SOS في قلب الفضيحة
الوثائق لا تتهم مؤسسات الدولة فقط، بل تشير إلى تورط منظمات رعاية أطفال محلية ودولية، وفي مقدمتها جمعية قرى الأطفال SOS، حيث تبدأ سمر دعبول، رئيسة الجمعية، منذ عام 2018 التنسيق مع المخابرات الجوية ووزارة الشؤون لإخفاء أطفال المعتقلين، وتتلقى وترسل كتباً رسمية بهذا الشأن.
كذلك تورط مجمع لحن الحياة لرعاية الطفولة الذي شهد عام 2021 تنسيقاً كبيراً لنقل أطفال، بينهم أطفال روس، بينما استقبلت دار الرحمة للأيتام أطفال معتقلين على مدى سنوات (2015-2024) وأعادت بعضهم إلى ذويهم فقط بعد سقوط النظام.
التسلسل الزمني لجريمة مستدامة (2018-2024)
- عام 2018: بدأ المحافظ بشر الصبان وفاطمة رشيد (مديرة الشؤون بريف دمشق) وسمر دعبول عمليات النقل والتنسيق مع المخابرات الجوية.
- عام 2020: تورط الوزيرة ريما القادري ومعاونها ياسر عبد الأحمد في قضية أبو غليون، والوزيرة سلوى عبد الله في إخفاء طفلة فرنسية، والمحافظ علاء إبراهيم في التنسيق مع فرع التحقيق، بل وظهر اسم رئيس النيابة العامة لدى محكمة قضايا الإرهاب متورطاً في إخفاء أطفال.
- عام 2021: تصعيد خطير حيث أرسلت الوزيرة سلوى عبد الله بدعم من وائل البدين (مدير مكتب المعاون) أعداداً كبيرة من الأطفال إلى دور الأيتام، بينما وقع ياسر عبد الأحمد أوراق نقل أطفال من المخابرات الجوية، ونشط مجمع لحن الحياة في استقبال أطفال منقولين.
- عام 2022: وثّقت الوثائق توقيع عقيد سجن النساء وقائد شرطة ريف دمشق على كتب نقل أطفال.
- عام 2023: انضمام شعبة الأمن السياسي رسمياً، حيث أرسلت أطفالاً إلى دور الأيتام بالتنسيق مع "مديرة السياسات الاجتماعية" في وزارة الشؤون.
- عام 2024: في عملية هي الأكبر من نوعها، تعاون المحافظ أحمد إبراهيم خليل ونائبه جاسم محمد الحمود مع المخابرات الجوية لتحويل 8 أطفال دفعة واحدة، فيما ظهر اسم الوزير محمد سيف الدين متورطاً في نقل طفلتين رغم انتهاء ولايته.
مآسي بأسماء: أطفال تحولوا إلى أرقام ضائعة
خلف هذه الأسماء والتواريخ، وقفت مآسي حقيقية: أطفال عائلة أبو غليون الثلاثة الذين دخلوا الملاجئ بأمر وزاري بينما أهلهم في السجون، الطفلة الفرنسية التي سهلت وزيرة إخفاءها، أطفال روس في مجمع لحن الحياة تورط بتقدير مصيرهم اللواء علي مملوك، أطفال رانيا العباسي التي اعتقلت عام 2011 وأرسل أطفالها إلى قرى الأطفال SOS ومصيرهم لا يزال مجهولاً – وهي الحالة التي تؤكد أن جذور هذه الجريمة أعمق مما كشفته وثائق السنوات الأخيرة.
بعد السقوط: اعترافات ووثائق سرية
مع سقوط النظام، بدأت بعض الحقائق تتكشف. فقد أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في حكومة تصريف الأعمال العثور على وثائق سرية تؤكد إحالة أطفال من الأفرع الأمنية إلى دور الأيتام.
واعترفت "إدارة قرى الأطفال SOS" بأن النظام السابق أرسل إليها أطفال معتقلين دون إيضاح نسبهم. كما اعترفت "دار الرحمة للأيتام" باستقبالها أطفال معتقلين وإعادة بعضهم إلى ذويهم بعد سقوط النظام.
السؤال الكبير، أين الأطفال الآن..؟!
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية