بعد ثلاثة عشر عاماً من التهجير والتشريد ومصادرة الأملاك، صدر مرسوم عودة القضاة المنشقين. فرحة لم تكتمل. ما حدث لاحقاً يكشف أن المشكلة لم تكن في النص، بل في التطبيق. وما تعرض له القاضي أحمد النعيمي ليس استثناءً فردياً، بل نموذج يختصر مأساة عدد كبير من القضاة المنشقين الذين أعيدوا إلى وظائفهم ليجدوا أنفسهم تحت سلطة من حاكموا الثوار بالأمس.
القاضي أحمد النعيمي ليس قاضياً عادياً. خدم في سلك القضاء السوري خمسة وثلاثين عاماً. شغل منصب رئيس النيابة العامة في حلب. وفي العام 2012، حين كان الانشقاق عن منظومة النظام البائد فعلاً محفوفاً بالمخاطر، كان من أوائل القضاة الذين أعلنوا رفضهم لتسييس القضاء وتوظيفه أداة للقمع. دفع الثمن كاملاً: ضغوط نفسية وجسدية ومادية في رحلة لجوء قاربت ثلاثة عشر عاماً، ومصادرة أرزاقه وبيته، وتدمير مستقبل عائلته.
سقط النظام. صدر مرسوم العودة. عاد القاضي النعيمي إلى سوريا. لكنه عاد ليجد نفسه مجرد "مستشار" في محكمة لا يقدم فيها ولا يؤخر. ليس هذا مربط الفرس. المأساة الحقيقية أن رئيس هذه المحكمة هو قاضٍ من منظومة النظام البائد!
السؤال المباشر الذي تطرحه هذه الحالة: كيف يُعاد قاضٍ منشق، من أوائل المنشقين وأقدمهم، ليجد نفسه أدنى مرتبة من قضاة النظام البائد الذين انشق عنهم أصلاً؟ كيف يُوضع في موقع "مستشار" تحت سلطة قاضٍ كان جزءاً من آلة القمع القضائي؟
هذه ليست مكافأة. هذا عقاب مقنع. بدل أن يُكرّم القاضي النعيمي على تاريخه وموقفه وتضحياته، يُوضع في موقع لا يليق بتاريخه ولا بخبرته. يجد نفسه غريباً في محكمة يرأسها من يمثلون كل ما انشق ضده.
هذه الحالة تكثف مأساة عدد كبير من القضاة المنشقين. لقد عادوا إلى وطن "النصر المبين" ليكتشفوا أن النصر ما زال منقوصاً في أروقة القضاء. أن مرسوم العودة لم يرافقه تطهير حقيقي للمؤسسة القضائية من رموز العهد البائد. أن الإنصاف المنشود تحول، في تطبيقه العملي، إلى إهانة متجددة وإيذاء نفسي لا يقل قسوة عن الإيذاء المادي الذي عانوه في المنفى.
إن جوهر العدالة الانتقالية لا يتحقق بمراسيم العودة وحدها.
يتحقق حين يوضع كل ذي حق في موقعه الصحيح. حين يُستثمر القاضي المنشق صاحب الخبرة الواسعة في موقع يليق بتاريخه وكفاءته، لا أن يُهمّش تحت سلطة من كانوا جزءاً من منظومة الظلم. يتحقق حين تكون رسالة الدولة واضحة: نحن نميّز بين من خدموا العدالة ومن خدموا الاستبداد.
ما يتعرض له القاضي أحمد النعيمي، وما يتعرض له عدد كبير من القضاة المنشقين معه، هو جرس إنذار. هو دليل على أن عملية إصلاح القضاء السوري ما زالت تراوح مكانها، ترقّع شكلياً بدل أن تعيد البناء من الأساس. هو اختبار حقيقي لإرادة الدولة الجديدة في القطيعة مع إرث النظام البائد.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية