أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

بين "حكواتي" الطاقة وواقع الغاز الشحيح: هل يعيش يوسف قبلاوي في سوريا أخرى؟

في الوقت الذي كانت فيه قاعات مؤتمر "CERAWeek" في مدينة هيوستن الأمريكية تضجّ بلغة الأرقام الصاعدة والوعود البراقة، كان المواطن السوري في الداخل يصارع العتمة ذاتها وأزمات الوقود المزمنة. 

هذا التضاد الصارخ رسمه يوسف قبلاوي، المدير التنفيذي للشركة السورية للبترول، حين قدّم لوحة "وردية" لمستقبل الطاقة السوري، متحدثاً عن قفزة في الإنتاج بنسبة 40% وشراكات مرتقبة مع عمالقة مثل "توتال" و"شفرون". 

لكن، وبالنظر خلف الستار التسويقي لهذه التصريحات، نجد أنفسنا أمام تساؤل نقدي ملحّ: هل نحن أمام "نهضة طاقة" حقيقية أم مجرد حملة "علاقات عامة" تستهدف تلميع صورة الاستثمار على حساب واقع معيشي متهالك؟ 

فخ الأرقام: "إنجاز ورقي" في مواجهة أعطال الواقع
من الناحية التقنية، يبدو رقم الـ 40% الذي ساقه قبلاوي كزيادة في الإنتاج خلال ستة أشهر رقماً "استعراضياً" بامتياز. فالحقول النفطية في الشمال الشرقي، التي عانت من الاستخراج الجائر والنهب الممنهج لسنوات، لا يمكن استعادة طاقتها القصوى بـ "كبسة زر". 

إن إعادة التأهيل الهندسي لهذه الحقول تتطلب سنوات من العمل المعقد، مما يجعل الحديث عن قفزات كبرى في وقت قياسي يفتقر للمصداقية الميدانية. يبدو أن الخطاب هنا لم يكن موجهاً لشارع سوري يبحث عن ليتر مازوت، بل كان "رسالة غزل" للمستثمر الغربي، محاولاً إقناعه بأن الأرض باتت خصبة، رغم أن الاستقرار التشريعي والأمني الذي توفره "هيئة الاستثمار الجديدة" لا يزال في طور الاختبار ولم ينتقل بعد من خانة "مذكرات التفاهم" إلى حيز "العقود التنفيذية". 

الجدران الأربعة: لماذا يغيب النفط عن موائد السوريين؟
لا يمكن قراءة الفجوة بين "بشائر هيوستن" و"أوجاع الداخل" دون الوقوف عند العوائق البنيوية التي تحول دون وصول عوائد الذهب الأسود إلى جيب المواطن:
- أولويات الإعمار المادية: اعتراف قبلاوي بأن الإيرادات تُستخدم كـ "محرك لتمويل إعادة الإعمار" يؤكد أن الدولة اختار ت توجيه الفائض نحو الحجر والبنية التحتية والمباني الحكومية، بدلاً من دعم السلع الأساسية أو تحسين القوة الشرائية المنهارة.
- ثقب "الفجوة التقنية" الأسود: تعاني الصناعة النفطية من فجوة تكنولوجية عمرها 14 عاماً. واقعياً، تبتلع تكاليف استيراد التكنولوجيا ودفع مستحقات الشركات المشغلة "صافي الربح"، مما يحول الفوائض المالية إلى نفقات تشغيلية لا يشعر بها الاقتصاد الكلي.
- فاتورة الأمن الباهظة: إن الاعتماد على أنظمة حماية متطورة (درونز وألياف ضوئية) لتأمين الحقول يمثل استنزافاً مباشراً لميزانية الثروة. نحن أمام مفارقة قاسية: يُدفع من "قوت" الجيل الحالي لتأمين "استقرار" شركات أجنبية قد لا تضخ أرباحها في المدى القريب.
- عطالة التكرير: إن زيادة إنتاج الخام لا تعني شيئاً لمواطن ينتظر دوره في محطة الوقود، طالما أن المصافي المحلية (حمص وبانياس) تعيش حالة من التقادم الفني الذي يجعلها غير قادرة على استيعاب تلك الزيادات المزعومة. 

شرعية "رغيف الخبز"
يُحسب للشركة السورية للبترول محاولتها إعادة سوريا إلى الخارطة الدولية للطاقة، وهو جهد دبلوماسي-اقتصادي لا يمكن إنكاره. لكن هذا النجاح الخارجي يصطدم بمأزق أخلاقي وسياسي في الداخل. 

إن استمرار الرهان على "مذكرات التفاهم" في الفنادق الفخمة، دون أن تترجم هذه الأرقام إلى "رغيف خبز" أو مدفأة في شتاء القهر السوري، سيحول خطاب الطاقة إلى مجرد ضجيج إعلامي. الإنتاج الحقيقي لا يُقاس بالبراميل فوق المنصات، بل بالقدرة على إضاءة منزل مواطن لم يعد يؤمن بالأرقام بقدر إيمانه بما يلمسه في واقعه اليومي.

زمان الوصل
(8)    هل أعجبتك المقالة (10)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي