أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

إعادة إعمار القابون وجوبر: الحقوق أولاً.. والأمزجة لا مكان لها

حي القابون

في زحمة الحديث عن إعادة إعمار المناطق المتضررة، يبرز سؤال جوهري: هل تخضع إعادة الإعمار لأمزجة المسؤولين وتصوراتهم الشخصية، أم تستند إلى أسس ثابتة لا تحيد؟ التجارب السابقة تقول إن الخلل يبدأ عندما توضع "الرؤية" فوق القانون، وعندما تصبح "أكل الحقوق" هو الثمن المقبول للتجميل. 

إعادة الإعمار في دمشق: تجربة أولى يجب أن تكون بلا أخطاء
دمشق اليوم أمام تجربة إعادة إعمار هي الأولى من نوعها بعد الحرب، وهذا يضعها أمام مسؤولية تاريخية. يجب أن تكون هذه التجربة صحيحة، متكاملة، وخالية من الأخطاء. المطلوب هو دراسة متأنية وتقليب للأمور من جميع جوانبها، وليس سرعة في التنفيذ، ولا ضجيجاً إعلامياً يثيره المحافظ عبر لقاءات تلفزيونية واستقبال بعض الإعلاميين بهدف تلميع الصورة. القضية شائكة، وتتطلب عمقاً في الطرح، وشفافية في التعامل، وإصغاء حقيقياً لصوت الأهالي. فالتسرع والانطباعات الإعلامية لا تصلح لبناء مدن، بل لخلق أزمات جديدة. 

حفظ الحقوق: حجر الزاوية في أي إعمار
قبل أن نبدأ بأي مشروع إعمار، قبل أن نرسم أي مخططات أو نوزع أي نسب، يجب أن نقر حقيقة واحدة: حجر الزاوية في إعادة الإعمار هو حفظ الحقوق. إذا كنا غير قادرين على حفظ حقوق الناس، فالأولى أن لا ندخل في موضوع إعادة الإعمار أبداً. لأن الدخول في هذا الملف بآليات مجحفة يعني ببساطة تكريس الظلم تحت عناوين براقة. 

إعادة الإعمار ليست عملية تخضع للأمزجة، ولا للتصورات التي يراها البعض صحيحة، ولا للقصص التي تُروى لتبرير ما لا يبرر. هناك من يرى أن الهدف الأسمى (تجميل المدينة، تنظيمها، تطويرها) يبرر التضحية بحقوق الناس. وهذا بالضبط ما وقع فيه النظام السابق في مشاريع مثل تنظيم كفر سوسة ومشروع باسيلا سيتي، حيث ذهبت حقوق الناس تحت شعار "التطوير"، وبقي الأهالي يرددون أن ما جرى كان نهباً مقنناً. 

الحقوق لا تقبل المساومة: نظرة شرعية وقانونية
نحن أمام مبدأ بسيط: الحقوق لا تُساوم. صاحب الحق هو أولى الناس بمكانه، كما يقال "صاحب البيت أولى بالمكان". لا يمكن أن تأتي إدارة محلية لتقول لأهالي قضوا خمسين عاماً في أحيائهم: "سنعطيكم عشرين أو ثلاثين بالمائة مما تملكون، والباقي للمصلحة العامة". أي مصلحة عامة تبيح هضم حق إنسان في منزله؟ 

من الناحية الشرعية، الملكية حق ثابت لا يسقط بالتقادم ولا يتغير بتغير التصنيفات الإدارية. سواء كانت الأرض مسجلة كـ"طابو زراعي" أو "طابو أخضر"، فالملكية قائمة وحقيقية. الشرع لا يفرق بين وثيقة وأخرى طالما أنها تثبت حقاً. فالرجل الذي اشترى أرضاً وبنى عليها منذ خمسين عاماً، وسكنها هو وأولاده، ودفع الضرائب والرسوم، هو المالك شرعاً وقانوناً. 

القوانين الوضعية أيضاً تعترف بالملكية القائمة. فالبناء موجود، والصور الفوتوغرافية وصور الأقمار الصناعية تثبت وجوده منذ عقود. الكلفة التي دفعها الأهالي لبناء منازلهم حقيقية، والضرائب التي دفعوها للمحافظة (الترابية) طوال هذه السنوات هي اعتراف رسمي ضمني بوجودهم. 

إذا أرادت المحافظة تطبيق القانون بدقة، فالحق لها أن تطالب الأهالي بدفع رسوم تراخيص بناء متأخرة، أو غرامات مخالفة. لكن أن تقوم باقتطاع سبعين بالمائة من حقوقهم لمجرد أن الأرض كانت مصنفة "زراعية" قبل نصف قرن، فهذا محض غبن وظلم لا يقبله شرع ولا قانون. إنها مصادرة لحقوق تحت غطاء قانوني، وهذا أخطر أنواع الظلم. 

المسؤولية التاريخية للدولة عن العشوائيات
لا يمكن قراءة ملف العشوائيات بمعزل عن السياق التاريخي. فالتقصير في التخطيط العمراني لم يبدأ اليوم، بل كان سائداً قبل الثورة السورية. الدولة لم تقدم مشاريع سكنية تغطي النمو السكاني المتزايد. كانت هناك أجيال جديدة تحتاج للسكن، وأسر تتوسع، ولم تكن البدائل متاحة. 

الناس لم يبنوا في الأراضي الزراعية حباً بالمخالفة، بل كانوا مضطرين. لم يكونوا ينتظرون مشاريع إسكان حكومية لا تأتي، وكان عليهم أن يؤمنوا مأوى لأنفسهم ولأولادهم. هذا التقصير الرسمي التاريخي لا يمكن تحميل المواطن ثمنه اليوم. الدولة هي التي قصرت، والمواطن الذي سد هذا الفراغ بجهده الذاتي لا يمكن معاقبته وكأنه المجرم الوحيد في القصة. 

تقصير الدولة لا يتحمله المواطن، بل يتحمله المسؤول عن التخطيط. والمطلوب اليوم هو معالجة تتحمل فيها الدولة جزءاً من مسؤوليتها، لا أن تطلب من المواطن دفع الثمن كاملاً.

مجلس الإفتاء الأعلى: دوره في حفظ الحقوق وتطبيق الشريعة
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور المؤسسة الدينية الرسمية ممثلة بـمجلس الإفتاء الأعلى في سوريا، الذي تشكل في آذار 2025 برئاسة المفتي العام للجمهورية الدكتور أسامة الرفاعي، وعضوية نخبة من أبرز علماء الشام، من أمثال الدكتور محمد راتب النابلسي والشيخ محمد نعيم عرقسوسي والدكتور محمد أبو الخير شكري وآخرين. 

هذا المجلس، الذي يهدف إلى توحيد المرجعية الدينية وتقديم الرأي الشرعي في القضايا العامة والمستجدات والنوازل، لديه دور مهم يمكن أن يلعبه في قضية شائكة كقضية القابون وجوبر . فإلى جانب مهامه في إصدار الفتاوى والإرشاد الديني، أكد بعض أعضاء المجلس أن من مهامه "الرقابة على القوانين وقرارات الوزراء" وكونه "المصوب والمرشد والموجه" للقرارات التي قد تتعارض مع الشريعة الإسلامية، إضافة إلى السعي لإنصاف كل شخص مظلوم يقدم شكوى للمجلس.

صحيح أن التفاصيل التنظيمية والنظام الداخلي للمجلس لم تُحسم بعد بشكل نهائي، وأن الصلاحيات الدقيقة قيد التحديد ، لكن المبدأ الأساسي قائم: وجود هيئة عليا مرجعيتها الشريعة الإسلامية، معنية بفحص القرارات الكبرى ومدى توافقها مع أحكام الشرع ومقاصده في تحقيق العدل وحفظ الحقوق.

فإذا كانت المحافظة تخطط لخطة تنظيمية تمس حقوق آلاف المواطنين، وتقترح نسباً تعتبر - كما وصفها الأهالي - "غبناً محضاً" لا يقره شرع ولا قانون، فلماذا لا يُستفتى هذا المجلس؟ 

لماذا لا يُطلب منه بيان شرعي واضح حول مدى جواز اقتطاع سبعين بالمائة من حق إنسان بحجة أن أرضه كانت مصنفة "زراعية" قبل نصف قرن، رغم أنه أقام عليها مسكنه ودفع الضرائب لعقود؟ 

الاستئناس برأي مجلس الإفتاء الأعلى في هذه القضية سيمنح أي حل قادم شرعية دينية وشعبية، وسيحمي القرار النهائي من أن يكون مجرد رؤية إدارية بحتة تخضع للأمزجة. الأهالي يستحقون أن يُنظر في قضيتهم بعين العدل التي لا تفرق بين وثيقة وأخرى، وبعين الشرع الذي يحفظ الحقوق ولا يضيّعها. وحضور وزير العدل في المجلس يضيف بعداً آخر لأهمية التنسيق بين المرجعية الشرعية والقضائية لضمان حلول عادلة. 

بين رؤية المحافظة وحلول الأهالي
السيد محافظ دمشق يرى في خطته "طوق النجاة" للمدينة. لكن الأهالي يرون فيها خطة لا تستند إلى شعبية، ولا إلى قانون، ولا إلى شرع. وهم يتساءلون: لماذا لا نبحث عن حلول أخرى؟ 

من هذه الحلول المطروحة:
1. التخفيف عن دمشق: عبر منح استثمارات للمستثمرين في ضواحي ريف دمشق (على أراضٍ غير مزروعة)، لتكون جاذبة للسكان، وتخفف الضغط عن العاصمة. هذا أفضل من الدخول في صراع مع أهالي المناطق المأهولة.
2. شركة مساهمة محلية لإعادة الإعمار: فكرة إنشاء شركة مساهمة بأموال وتمويل من السوريين أنفسهم، وبمساهمة من المحافظة، يمكن أن تكون الحل الأمثل. تقوم هذه الشركة بإزالة الركام، تأهيل البنية التحتية، ثم بناء محاضر سكنية جديدة. كل مالك يدفع رسوم الترخيص والخدمات مقدماً، ويتم البناء بالتعاون بين الشركة ومجموعة متعهدين (كونسورتيوم). هذه الطريقة تحفظ الحقوق، وتضمن مشاركة الأهالي في عملية الإعمار، وتخلق نهضة عمرانية حقيقية.

لابد من هذه النقاط لأي مشروع مستقبلي:
- الشفافية الكاملة في إدارة الأموال وتوزيع العقود.
- رقابة مستقلة على أداء الشركة.
- مشاركة واسعة من المستثمرين السوريين المغتربين، الذين اكتسبوا خبرات كبيرة في دول العالم.
- الفصل التام بين السلطة ورجال الأعمال، بحيث تكون المعايير الاقتصادية هي الحاكمة، وليس العلاقات الشخصية. 

السوريون في الخارج، الذين يعملون على قدم وساق في مشاريع كبرى بدول الاغتراب، يمكنهم ضخ خبراتهم وأموالهم في مشروع وطني يحفظ الحقوق ويعيد الإعمار. هؤلاء هم الثروة الحقيقية التي يجب استثمارها. 

تجارب الماضي تحذير
ما حدث في كفر سوسة وباسيلا سيتي ليس بعيداً عن ذاكرة الناس. هناك أهالٍ خسروا حقوقهم تحت شعار "التطوير"، واليوم تُباع شقق باسيلا بملايين الليرات، بينما أصحاب الأرض الأصليون لا يملكون فيها شيئاً. هذا النموذج يجب ألا يتكرر في القابون وجوبر. 

إعادة الإعمار فرصة لبناء مدن أفضل، لكن ليس على حساب حقوق الناس. إذا لم نتعلم من الماضي، فسنكرر أخطاءه. وإذا كانت المحافظة تبحث حقاً عن حل، فلتستمع إلى صوت الأهالي: نحن مستعدون للانتظار والصبر، لكننا لن نقبل بانتقاص حقوقنا. الانتظار خير من الترحيل، والحل العادل خير من حل يرضي طرفاً على حساب آخر. 

دمشق تستحق تجربة إعمار ناجحة، تكون نموذجاً يُحتذى، لا نموذجاً يُرثى له. ولعل في استنارة القائمين على أمرها برأي مجلس الإفتاء الأعلى ما يحفظ لهذه التجربة نزاهتها وعدالتها، ويجعلها نموذجاً يُحتذى في الموازنة بين حقوق الناس ورؤية التطوير.

زمان الوصل
(17)    هل أعجبتك المقالة (6)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي