أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

أزمة الغاز في سوريا: طوابير رمضان تكشف جراح بنية تحتية عمرها 75 عاماً

في شهر رمضان المبارك، حيث يجتمع الأهل حول مائدة الإفطار، تحوّلت أزمة الغاز المنزلي في سوريا إلى اختبار قاسٍ للسوريين. مشاهد الطوابير الطويلة أمام مراكز التوزيع، وندرة اسطوانات الطهي، أعادت إلى الأذهان أسئلة مؤلمة: لماذا تعجز الدولة عن تأمين مادة أساسية؟ وكيف وصل قطاع الطاقة إلى هذا المستوى من التدهور؟

هذا التقرير يستعرض جذور الأزمة، ويكشف بالأرقام واقع الإنتاج والاستهلاك، ويرصد خطط إعادة تأهيل أكبر معامل الغاز في البلاد.

البداية: أسئلة تقنية في قلب الأزمة
قبل الخوض في تفاصيل الأزمة، يبرز سؤال تقني مهم طرحه الكثيرون: كم مرحلة تمر حتى يتحول الغاز الطبيعي إلى غاز منزلي؟ الإجابة تكشف تعقيد المنظومة:
1. الاستخراج والتجميع من الآبار.
2. المعالجة والتنقية لفصل الشوائب والمركبات غير المرغوب فيها.
3. الإسالة (تبريد الغاز إلى 162 درجة تحت الصفر) لنقله بحراً.
4. إعادة التحويل إلى غاز في محطات الاستقبال.
5. التوزيع عبر الشبكات أو تعبئة الأسطوانات.

هذه المراحل تحتاج بنية تحتية متكاملة، وهو ما تفتقده سوريا اليوم.

معامل الغاز: بين الدمار وإعادة الإعمار
- معمل غاز حيان: من الرماد إلى الأمل
في ريف حمص الشرقي، حيث لا يزال صمت الرمال يروي حكايات الدمار، تعود الحياة تدريجياً إلى واحدة من أهم منشآت الطاقة السورية. إنها قصة معمل غاز حيان، الذي يتحول اليوم من رمز للتدمير المُمنهج إلى نموذج للتعافي عبر شراكة تقنية دولية .

دُشن المعمل عام 2011 بتكلفة 300 مليون يورو، كنتاج شراكة بين المؤسسة العامة للنفط السورية وشركة "إينا" الكرواتية. كانت طاقته الإنتاجية تصل إلى 3 ملايين متر مكعب من الغاز الجاف يومياً و180 طناً من غاز البترول المسال، مما جعله ركيزة أساسية في منظومة الطاقة الوطنية .

لكن هذا الصرح الحيوي تحول إلى هدف استراتيجي خلال الحرب. في عام 2017، نفذ تنظيم "داعش" عملية تفجير شاملة ودقيقة، زرع خلالها عبوات ناسفة في قلب المنشآت الحيوية للمعمل، ثم فجرها عن بعد، ووثق العملية إعلامياً.

اليوم، تقود الشركة السورية للبترول مفاوضات مكثفة مع الشريك التقني القديم، شركة "إينا" الكرواتية، لإعادة تأهيل المعمل. يشرح المهندس يوسف قبلاوي، الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول: "لدى الشركة الكرواتية المعرفة الهندسية الفريدة بالمخططات والتصاميم الأصلية. نحن نعمل معهم على تطوير حلول بديلة للتغلب على مشكلة المعدات الأمريكية المتضررة" .

الإنتاج المتوقع بعد إعادة التأهيل: في حال اكتمال المشروع، يمكن للمعمل أن يعود إلى طاقته التصميمية السابقة البالغة 3 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً و180 طناً من غاز البترول المسال، مما سيشكل إضافة نوعية للإنتاج المحلي .

- معمل كونيكو (الطابية): عملاق الغاز الشرقي
يُعد حقل كونكو للغاز، الواقع في محافظة دير الزور على بعد نحو 20 كيلومتراً شمال شرق المدينة، أحد أكبر حقول الغاز في البلاد، والمعروف محلياً باسم معمل غاز الطابية .

اكتُشفت احتياطيات الغاز الطبيعي في الحقل عام 2000 على يد شركة كونكو الأميركية، وأُنشئ المعمل بطاقة إنتاجية تصميمية بلغت 450 مليون قدم مكعبة يومياً (نحو 13 مليون متر مكعب) من الغاز الطبيعي .

كان المعمل يضم 3 وحدات رئيسية: وحدة التجزئة، ووحدة إنتاج الغاز المسال، ووحدة إنتاج المُكثفات. وبلغت كمية الغاز المسال المُنتجة 450 طناً يومياً تُستعمل للأغراض المنزلية، بالإضافة إلى 5 آلاف برميل يومياً من المكثفات .

الوضع الحالي: تشير التقارير إلى أن المعمل متوقف بالكامل عن العمل حالياً بسبب الأضرار الجسيمة التي لحقت به خلال سنوات الحرب . لكن في 18 يناير 2026، سيطرت القوات الحكومية السورية على حقل كونكو للغاز، وأعلنت بدء تقييم وضعه تمهيداً لإعادة تأهيله.

يعمل فريق من وزارة الطاقة حالياً على الأرض لتقييم حالة المعمل، مع خطط لتطويره بالتنسيق مع شركات الطاقة التي تمتلك حقوقاً فيه .

مراكز التعبئة: شرايين التوزيع
إلى جانب معامل الإنتاج، تلعب مراكز التعبئة دوراً حيوياً في وصول الغاز إلى المواطنين. ويعمل مركز تعبئة عدرا في دمشق بكامل طاقته الإنتاجية، حيث يتم تعبئة نحو 75 ألف أسطوانة غاز يومياً . ورغم أن تأخر وصول البواخر بسبب الظروف الجوية أثر مؤقتاً على الإمدادات، إلا أن المركز استمر في العمل بكامل جهده فور توفر الغاز .

أرقام وحقائق
- الاستهلاك اليومي من الغاز المنزلي: 1700 طن
- الإنتاج المحلي: 110 أطنان يومياً (من معملي إيبلا وجنوب المنطقة الوسطى)
- سعة التخزين في مصب بانياس: 7000 طن (تكفي 4 أيام فقط)
- عمر البنية التحتية: بعض المصبات يعود عمرها إلى 75 عاماً
- أسطوانات الغاز المُعبأة يومياً: نحو 170 ألف أسطوانة على مستوى البلاد

خطط استراتيجية للاكتفاء الذاتي
رغم التحديات، هناك خطط طموحة لإعادة تأهيل قطاع الغاز:
1. إعادة تأهيل معمل حيان بالشراكة مع شركة إينا الكرواتية
2. تطوير معمل كونيكو بعد استعادة السيطرة عليه
3. استثمارات سعودية مع شركتي "أديس" و"طاقة" لزيادة الإنتاج 25% خلال ستة أشهر
4. التنقيب في منطقة التوينان شمال دمشق بحفر بئر استكشافي بعمق 4000 متر
5. استئجار خزانات عائمة لتعزيز المخزون الاحتياطي وتفادي أزمات تأخر البواخر.

ما حدث في رمضان 2026 ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو انعكاس لتراكم عقود من الإهمال، وحرب استنزفت البنية التحتية. لكن مع عودة الاستقرار إلى مناطق جديدة، واستئناف التعاون مع الشركات الدولية، يبقى الأمل معقوداً على أن تكون السنوات القادمة مرحلة تعافٍ حقيقي لقطاع الطاقة في سوريا.

"إعادة تأهيل معمل حيان ليست مجرد إصلاح لمنشأة، بل استثمار في استقرار القطاع الكهربائي وتقليل فاتورة استيراد المحروقات. النجاح هنا سيكون نموذجاً يحتذى به في إعادة إعمار القطاعات الاستراتيجية".

زمان الوصل
(8)    هل أعجبتك المقالة (10)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي