أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

(الفصل الثالث).. 35 قرية بلا أبواب: كيف تحول الخابور إلى سجن مفتوح تحت اسم الحماية

نهر الخابور في الحسكة

بعد اغتيال داود جندو وتفكيك ما تبقى من حرس الخابور، دخلت القرى الآشورية على ضفاف النهر مرحلة مختلفة كلياً، مرحلة لم تُعلن رسمياً لكنها فرضت على الأرض بهدوء: السيطرة الكاملة دون إعلان احتلال، والحصار دون حواجز معلنة، وتحويل القرى إلى جيوب بشرية تدار أمنيا لا مجتمعات حية. منذ منتصف 2015، بدأت وحدات حماية الشعب الكردية، ولاحقاً مظلة قسد، بترسيخ وجودها داخل القرى الآشورية نفسها، لا على أطرافها، متجاوزة الادعاءات المتكررة بالانسحاب إلى المناطق ذات الغالبية الكردية.

خمسة وثلاثون قرية آشورية على امتداد نهر الخابور، من تل تمر وصولاً إلى القرى المحيطة بها، وضعت عمليا تحت وضع يشبه الاحتجاز الجماعي. لا قرار أمني يتخذ من دون موافقة القوة المسيطرة، ولا حركة مسلحة حتى لو كانت دفاعية تسمح بها، ولا تمثيل حقيقي للأهالي في أي ترتيبات تتعلق بمصيرهم. في المقابل، استخدم وجودهم كورقة سياسية جاهزة: عند التفاوض يستحضرون كـ«أقليات بحاجة للحماية»، وعند التصعيد يتركون في مرمى النيران.

تقارير صحفية وشهادات محلية، من بينها ما نشر في صحف آشورية معروفة، تحدثت بوضوح عن واقع القرى المحاصرة. السكان أنفسهم وصفوا الوضع بأنه احتجاز فعلي، حيث لا يملكون القدرة على طرد القوة المسيطرة، ولا ضمانة حقيقية بألا يتحولوا إلى ضحايا جانبية إذا اندلع القتال. هذا الخوف لم يكن نظرياً، بل قائما على تجربة قريبة: اجتياح داعش، نزع السلاح، الانسحاب المفاجئ، ثم ترك المدنيين لمصيرهم.

في تلك الفترة، بدأ نمط جديد من الانتهاكات بالتراكم. لم تعد المسألة مرتبطة فقط بالسلاح، بل بالهوية والتعليم والدين. مدارس مسيحية أغلقت بالقوة، إداراتها طردت ، ومناهج فرضت دون أي اعتبار لخصوصية المجتمع المحلي. في مناطق أخرى، جرى تحويل كنائس إلى مقار عسكرية، أو استخدامها كنقاط لوجستية، في سابقة لم يعرفها الخابور حتى في أكثر مراحله اضطراباً. كل ذلك جرى تحت شعارات الديمقراطية والتعددية، بينما الواقع اليومي كان يقول عكس ذلك تماماً.

الأخطر من كل ما سبق، هو إجبار شبان آشوريين على حمل السلاح ضمن تشكيلات لا تمثلهم، والزج بهم في صراعات لا علاقة لهم بها. من يرفض يضيق عليه، ومن يحاول البقاء خارج المعسكرات يتهم بالتهرب أو عدم الولاء. هكذا تحولت القرى إلى ما يشبه السجن المفتوح: بيوت قائمة، كنائس قائمة، لكن القرار مسلوب، والمستقبل معلق.

في مواجهة هذا الواقع، برز موقف واضح من ممثلي المجتمع الآشوري أنفسهم. تصريحات علنية صدرت عن شخصيات قيادية في المنظمة السريانية الديمقراطية أكدت أن المسيحيين، وخصوصاً السريان الآشوريين، يؤيدون منطق الدولة وسيادة الدولة، ويرفضون تحويل مناطقهم إلى ساحات صراع أو أدوات ضغط. هذه التصريحات نسفت الادعاء القائل بأن القوة المسيطرة تمثل إرادة الأقليات أو تحميها، وأظهرت الفجوة العميقة بين الخطاب الإعلامي والواقع الميداني.

القرى الآشورية في الخابور لم تطلب امتيازات، ولا حكما ذاتياً، ولا حماية خاصة، بل الحد الأدنى من الأمان والحق في تقرير شؤونها المحلية دون وصاية. لكن ما فرض عليها كان العكس: وصاية مسلحة، إدارة أمنية، واستثمار دائم في الخوف. ومع كل جولة توتر جديدة، كانت هذه القرى تعاد إلى الواجهة كدليل على الخطر القادم، بينما الخطر الحقيقي كان حاضراً داخلها منذ سنوات.

هكذا، بين 2015 وما بعدها، لم تُحتل القرى الآشورية بقرار معلن، بل أفرغت تدريجياً من قدرتها على الصمود. بقيت البيوت، لكن غاب الشعور بالأمان. بقيت الأسماء، لكن تقلص الوجود. ومع كل ذلك، استمر تقديم المشهد للعالم بوصفه نموذجاً لحماية الأقليات، في حين كان الخابور يتحول، قرية بعد قرية، إلى سجن بلا جدران.

ريم الناصر - زمان الوصل
(10)    هل أعجبتك المقالة (9)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي