بينما تنطلق قاطرة "التطوير والتغيير" في مفاصل عدة من مؤسسات الدولة، يبدو أن بوصلة وزارة النقل لا تزال تشير إلى الوراء.
ففي الوقت الذي ينتظر فيه الشارع السوري حلولاً تنهي معاناة التنقل اليومية، تتراكم الأزمات وتتحول الرحلة البسيطة إلى عبء نفسي ومادي، ومخاطرة حقيقية بالأرواح، وسط تساؤلات مشروعة عن غياب الرؤية التنفيذية وجدية الوعود المقطوعة.
فوضى المدن: "سرافيس" خارج نطاق الزمن
داخل المدن، لا تزال "المعاناة" هي السمة الأبرز. وسائل النقل العام (السرافيس) باتت تمثل نموذجاً لتردي الخدمة؛ ازدحام يفتقر لأدنى معايير الإنسانية، غياب تام للصيانة، وتهالك تقني يجعل من هذه المركبات قنابل موقوتة في الشوارع.
السؤال المطروح: هل يدرك القائمون على هذا القطاع أن ما يقدم للمواطن اليوم لا يرقى للحد الأدنى من الكرامة؟
وهل يقبل أي مسؤول أن تكون هذه الوسائل هي خيار تنقل عائلته؟
الطرق بين المحافظات: رحلات "المقامرة" بالأرواح
إذا كان النقل الداخلي سيئاً، فإن النقل بين المحافظات يدخل في دائرة "الخطر الداهم". أسطول متهالك تجاوز عمره الافتراضي، ورقابة غائبة على الشروط الفنية والميكانيكية، مما يجعل الطرقات السريعة مسرحاً لحوادث كان يمكن تفاديها بـ "صرامة القوانين".
نقطة نظام: إن السماح لمركبات "خارجة عن الخدمة فنياً" بنقل المواطنين لمسافات طويلة هو استهتار صريح بالحق في الحياة، يفرضه غياب المعايير الواضحة والتدقيق الدوري على سلامة السائق والمركبة معاً.
الوعود "الميتافيزيقية" وفخ الانتظار الاستثماري
لطالما دغدغت الوزارة أحلام المواطنين بمشاريع "مترو دمشق" والسكك الحديدية المتطورة، لكن الواقع يشير إلى أن هذه المشاريع بقيت حبيسة الأدراج، بانتظار استثمارات خارجية لم تأتِ بعد.
أين الخطط البديلة؟ لا يمكن رهن حياة الملايين بمتغيرات خارجية. المطلوب اليوم هو "إدارة المتاح" بكفاءة، ووضع خطط وطنية متوسطة المدى تعتمد على الموارد المحلية لتجديد الأسطول تدريجياً، بدلاً من بيع الأوهام الكبرى.
خارطة طريق للإنقاذ: ما المطلوب من وزارة النقل؟
إن الانتقال من مرحلة "توصيف الأزمة" إلى "صناعة الحل" يتطلب إجراءات فورية لا تقبل التأجيل:
- حملة تدقيق وطنية: إخراج كل مركبة لا تستوفي شروط السلامة الفنية من الخدمة فوراً، خاصة على الخطوط الطويلة.
- إعلان المعايير: نشر "ميثاق خدمة" ملزم يوضح للمواطن والمستثمر الشروط الفنية والخدمية المطلوبة لوسائل النقل.
- واقعية الحلول: استبدال وعود "المشاريع العملاقة" بخطط "تجديد جزئي" للأسطول عبر تسهيلات ائتمانية أو شراكات محلية ناجعة.
- الشفافية الزمنية: وضع جدول زمني محدد لأي مشروع تطويري، ليتمكن الرأي العام من ممارسة دوره الرقابي.
المواطن السوري لا يطلب المستحيل، بل يبحث عن حقه في "نقل آمن وكريم". استمرار الوضع الراهن في وزارة النقل ليس مجرد تقصير إداري، بل هو استنزاف لطاقة المجتمع وعلامة استفهام كبرى حول جدية التغيير في قطاع يمس حياة الناس في كل لحظة.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية