أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

من نشأة السلاح إلى اختطاف الطفولة كيف تحوّل مشروع PKK إلى منظومة إجرام عابرة للحدود

أرشيف

منذ أواخر سبعينات القرن الماضي لم يولد تنظيم PKK كحركة سياسية تسعى لحقوق ضمن أطر مدنية بل نشأ كتنظيم أيديولوجي مغلق يرى السلاح وسيلة وحيدة لفرض مشروعه ومنذ حمله السلاح رسمياً عام 1984 في تركيا دخل في مسار طويل من العنف المسلح ترك خلفه عشرات آلاف الضحايا ودماراً واسعاً في القرى والمدن ولم يكن المدنيون يوماً خارج معادلة الاستهداف سواء بالقتل أو التهجير أو الترهيب وحتى تصفية المعارضين من أبناء المكون الكردي نفسه.

ومع انتقال التجربة إلى سوريا لم يتغير الجوهر بل تغيّرت الواجهة فاستُنسخ المشروع ذاته بعناوين جديدة ومع الفوضى التي فرضتها الحرب تمددت الأذرع المرتبطة بـ PKK في شمال سوريا وفرضت سيطرتها بقوة السلاح لا عبر القبول المجتمعي وتحوّلت مناطق كاملة إلى ساحات نفوذ مغلقة تُدار بعقلية عسكرية أمنية تُقصي المجتمع وتعيد تشكيله وفق سردية واحدة.

أحد أخطر أوجه هذا المشروع في سوريا كان التعامل مع الأطفال والقاصرين حيث لم يُنظر إليهم كجيل يجب حمايته بل كخزان بشري قابل للتشكيل والتجنيد فانتشرت حالات خطف الفتيان والفتيات من محيط المدارس ومن الشوارع ومن البيوت نفسها ثم يُقطع الاتصال مع العائلات ويقدم الخطف بوصفه "اختياراً ثورياً " في إنكار كامل لسن الطفل وغياب إرادته. 

بعد الخطف تبدأ عملية الأدلجة الممنهجة حيث يُمنع التعليم النظامي أو يفرغ من مضمونه ويُستبدل بمعلومات تاريخية وسياسية مشوّهة ومزورة تقدم للطفل على أنها حقيقة مطلقة يتم تلقينه أن الأرض التي يعيش عليها" مغتصبة" وأن العرب "محتلون" وأن السلاح هو الطريق الوحيد لاستعادة الكرامة وتُبنى هوية بديلة قائمة على الصراع الدائم والعدو الدائم والموت بوصفه ذروة الانتماء.

هذه الصورة لم تأت فقط من روايات محلية بل وثّقتها أيضاً وسائل إعلام أوروبية من داخل مناطق السيطرة نفسها ومن أبرزها تحقيق ألماني نُشر على موقع CRISIS تحت عنوان Kampf im Untergrund وهو تحقيق مصوّر أُنجز ميدانياً في شمال شرق سوريا وركّز على الحياة داخل شبكة الأنفاق العسكرية التابعة لوحدات مرتبطة بقسد.

أهمية هذا التحقيق لا تكمن في رأي سياسي بل في الشهادات المباشرة التي نقلها حيث ظهرت مقاتلات يتحدثن عن القتل والسلاح والحياة تحت الأرض بوصفها أمراً "طبيعيا" بل "شعوراً رائعاً" وفق تعبير إحداهن وعند سؤال إحداهن عن عمرها وتاريخ انضمامها جرى إيقاف السؤال من قبل مسؤولين ما يفتح تساؤلاً خطيراً حول مسألة القاصرين داخل هذه التشكيلات.

التحقيق أظهر الأنفاق ليس كملاجئ مؤقتة بل كنظام حياة مغلق تُعرض فيه صور "الشهداء" وتُلقى الخطابات وتُعاد صياغة الوعي يوميا وحين سُئلت إحدى المقاتلات عن إمكانية العودة إلى حياة مدنية بلا سلاح كان الجواب صادما "من الصعب أن نعيش حياة طبيعية مرة أخرى" وهي جملة تختصر حجم الضرر النفسي والإنساني الذي يُصنع داخل هذه المنظومة.

ما يعزز خطورة ما ورد في التحقيق أنه يتقاطع مع تقارير هيومن رايتس ووتش والأمم المتحدة التي وثّقت خلال السنوات الماضية استمرار تجنيد قاصرين في شمال سوريا رغم التعهدات المعلنة بوقف هذه الممارسات ووفق القانون الدولي الإنساني فإن تجنيد أو استخدام أي شخص دون 18 عامًا في النزاعات المسلحة يُعد انتهاكاً جسيمًا بغض النظر عن الذرائع أو الشعارات.

إن أخطر ما في مسيرة PKK وأذرعه في سوريا ليس فقط العمليات العسكرية أو التفجيرات أو القصف بل تحويل الطفولة إلى وقود مشروع وتحويل التعليم إلى أداة تعبئة وتحويل الهوية إلى سلاح موجّه ضد المجتمع نفسه فالقضية التي تبدأ بخطف طفل لا يمكن أن تنتهي بعدالة والمشروع الذي يحتاج إلى تزوير التاريخ كي يعيش إنما يبني مستقبله على هشاشة وكذب وعنف مؤجل.

هذا ليس صراع روايات بل صراع على الإنسان نفسه على عقله ومستقبله وحقه في أن يكبر دون أن يُدفع إلى نفق لا عودة منه.

ريم الناصر - زمان الوصل
(1260)    هل أعجبتك المقالة (9)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي