أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

تركيا وإيران في تطور والعرب في تأخر ... زهير الخويلدي

مقالات وآراء | 2010-09-22 00:00:00

" ستكون لدينا سذاجة أكيدة إذا منحنا ثقة مطلقة للمجتمع الديمقراطي، معتقدين أنه طالما وُجد، يستبعد كل خطر يلحق بالحريات."
يتجنب الفكر الحاذق منطق التعميم والتسرع في الحكم ويحترس من الاغتراب والموقف الإيديولوجي والنظرة الضيقة ويبحث عن التحليل العلمي والحكم الموضوعي ويتسلح بالوعي النقدي والرؤية الإستشرافية والبعد الوظيفي وإذا التزم في توجهه نحو نفسه بهذه المبادئ وحاول تشخيص حال العرب في العالم ومنزلتهم بالمقارنة مع جيرانهم وبالخصوص الفرس والأتراك بعد قرب انقضاء العقد الأول من القرن الواحد والعشرين فإنه يستخلص ويا للدهشة النتيجة التالية: تركيا وإيران في تقدم والعرب في تأخر. من البين أن هذا الاستخلاص المتشائم ليس تعميما إجماليا ولا حكما مسبقا ولم ينتج عن خضوع الفكر إلى موقف متحيز ورؤية أحادية الجانب كما يتبادر للأذهان منذ الوهلة الأولى وإنما صادر عن متابعة للأحداث التاريخية والمحطات السياسية وقراءة متأنية للمواقف السيادية الحضارية والمؤشرات الاجتماعية والثقافية وإحصاء دقيق للمعدلات والأرقام في التمنية والنمو والثروات البشرية والقدرات التقنية والصناعية. فماهي العوامل التي ساعدت على النجاح النسبي للتجربتين التركية والإيرانية؟ ولماذا وجد العرب أنفسهم بعد تفجر سلسلة الحروب المتناسلة في المنطقة العدوانية الغربية من الخارج والأهلية الكارثية من الداخل خارج التاريخ؟ وهل يمكن أن يستخلصوا جملة من العبر والدروس من إحراز كل من الجار الإيراني والتركي بعض التقدم؟
"العثمانيون الجدد" كما يحلوا لبعض الكتاب تسميتهم استطاعوا بفضل التجربة السياسية الناضجة لحزب العدالة والتنمية إحداث حراك حقوقي ومؤسساتي لافت للأنظار في البلاد تمثل في إجراء جملة من الاستفتاءات رسخت التقاليد الديمقراطية لتركيا الفتية وتفكيكهم المتدرج لقلاع العلمانية الراديكالية بعد تفوقهم الباهر في الانتخابات التشريعية والرئاسية وتصويت الشعب لصالح إصلاحات دستورية الأسبوع الماضي مما ساهم في تعزيز وضعها كقوة ديمقراطية عظمى جديدة في الشرق الأوسط وبروز أسماء محسوبة على التيار التحديثي في الساحة السياسية مثل أوردغان وغول وأوغلو ذات فاعلية على الساحة. من جهة ثانية حققت حكومة العدالة والتنمية نسبة نمو اقتصادي محترمة وتحولت تركيا إلى شريك تجاري بارز لعدد كبير من الدول وخاصة الاتحاد الأوروبي التي تسعى جاهزة للانضمام إليه ودول آسيا الوسطى والدول العربية والإفريقية. كما أن قضية قافلة الحرية التي قادتها سفينة مرمرة التركية والتي سعت إلى كسر الحصار عن غزة وقوبلت بحسم عسكري همجي أعادت أحفاد الإمبراطورية التركية إلى واجهة الصراع العربي الإسرائيلي وبروزهم كأهم قوة إقليمية داعمة لحقوق الشعب الفلسطيني في مواجهة التسويفات الغربية. علاوة أن تحسن الأحوال السياسية الداخلية والإطلاق النسبي للحريات الدينية للأرمن بالسماح لهم بتنظيم قداس رسمي بعد توقف طويل تعتبر مؤشرات هامة على أهمية الإصلاحات السياسية التي حدثت في أنقرة رغم التحدي الذي مثله الصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني ورغم تصاعد القوى اليمينية الدينية والقومية الرافضة لإصرار حكومة على طلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
أما حكام إيران وبعد انتقالهم المبطئ من الثورة إلى الدولة وخروجهم بأخف الأضرار من الحرب مع العراق وعدم تورطهم في مواجهة مع الغرب أثناء حرب الخليج والعدوان الأمريكي على أفغانستان وبعد محافظتهم على العروة الوثقى التي تجمعهم بسوريا وقوى المقاومة وتمسكهم بالخيار الإيديولوجي المعادي للصهيونية وحسن استثمار العائدات المالية من الثروات النفطية والاقتصادية في تطوير بنية تحتية صناعية إنتاجية قد جعلوا من بلدهم قوة إقليمية تتمتع بحصانة سيادية وتمثل رقما لا يستهان به في اللعبة السياسية الدولية وشريكا بارزا مع القوى الكبرى يمتلك مفاتيح العديد من الملفات الساخنة.
اللافت للانتباه أن هذه المكانة التي احتلتها إيران في الساحة السياسية الدولية قد تعززت بحسن إدارتهم للملف النووي وتمسكهم بحقهم في إنتاج الطاقة النووية لأغراض سلمية وبناء علاقات دبلوماسية متوازنة مع قوى دولية مهمة خارج عن الطوق الأمريكي مثل البرازيل وروسيا والصين. هذا إضافة إلى تقوية قدراتهم العسكرية وإمكانياتهم على الردع وشروعهم في التعويل على أنفسهم في التصنيع الحربي وتطويرهم للقدرات القتالية على الصعيد البحري والجوي وذلك بالتعويل على الموارد الذاتية. أما على الصعيد السياسي فيمكن ملاحظة احتكام القوى السياسية المتنافسة إلى منظومة انتخابية تتميز بالخصوصية والتعددية داخل المرجعية الإسلامية وتتيح إمكانية التداول السلمي على السلطة بين المؤيدين لمرشد الثورة ونظرية ولاية الفقيه والرافضين لها من أنصار الخط الإصلاحي. علاوة على النمو الهائل الذي عرفته الثقافة والتعليم والفنون والشعر والفلسفة نتيجة التشجيع الحكومي على ذلك وحدوث تقدم في مجال السينما والدراما والرسم وتحول المدن الإيرانية إلى قبلة الفنانين ومكان تنظم فيه الملتقيات والمهرجانات العالمية.
في حين تاه العرب عن الوحدة الجامعة وتأجلت الثورة الثقافية وظهرت دعاوي التحريم والتكفير وتعثر مسار الإصلاح الديمقراطي وظل عمقهم الاستراتيجي العراقي ممزقا بين ملوك الطوائف وأمراء الحرب والشركات الأمنية وما تبقي من جيوش الاحتلال التي أعادت الانتشار ضمن دعاوي الانسحاب الجزئي والمناشدة بالتعويضات كمكافأة للمهمة النبيلة والخدمات الجليلة. كما تم زرع عملية انتخابية مصابة بالقصور الذاتي والشلل الهيكلي حيث استحال تحقيق الوفاق ضمن محاصصة فئوية وتأجل تشكيل الحكومة إلى وقت غير معلوم في ظل تخل قوى خارجية في الشأن السيادي الداخلي وتصاعد موجة الاحتراب الداخلي والعنف الدموي وبروز قوى معارضة ومقاومة. كما انشغلت الأنظمة السياسية بالمحافظة على الحكم وبوضع القوانين وتنقيح الدساتير حتى تلاءم واقع التشميل والتأبيد وأبقوا على خلافتهم المذهبية والطائفية والتاريخية ونسوا وحدة المصير وواجب التكتل بل فرطوا في القضايا الحيوية مثل الحقوق الفلسطينية وركبوا موجة الهدنة والتهدئة والسلم الاجتماعي والاستسلام وتراجعوا على المستوى التعليمي والصحي وشهدت اقتصادياتهم تراجعا خطيرا وصعوبات على الصعيد المالي نتيجة تأثر النظام المصرفي العربي بالأزمة الاقتصادية العالمية. ولكن الغريب أن النظام الرسمي للجامعة العربية قد واصل مسلسل التسلح العقيم وتحديث الجيوش وتكديس المعدات والأجهزة المتطورة وتضاعفت النفقات على شراء الأسلحة المتطورة وأثقلت كاهل ميزانيات الدول بالتضخم والديون وتعثرت مخططات التنمية وتعذر تحقيق الأمن الغذائي العربي وخسرت بعض الدول حرب المياه التي اندلعت مع قوى إقليمية مناوئة وعمت إجراءات الخوصصة والتفويت في القطاع العام ووقع اعتماد النهج الليبرالي في الاقتصاد في مختلف الدول العربية وغابت لليبرالية السياسية وإطلاق الحريات وبرزت الحلول الأمنية للاحتجاجات الاجتماعية التي تفاقمت نتيجة الفقر والتهميش والبطالة وانسداد الآفاق.
غير أن العيب الكبير الذي سقط فيه الملأ السياسي هو توجه البعض من العرب نحو استعداء الجار الإيراني والتخويف الدعائي من انتشار التشيع ومن عودة المد الصفوي والاستقواء غير المبرر بالغرب ضده وبث الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة من جهة والتشكيك في مدى نجاعة الاقتداء بنموذج العدالة والتنمية السياسي في المنطقة العربية من جهة أخرى والتذكير بالعثمنة والتتريك ومسؤولية الباب العالي في ضياع فلسطين والتقسيم الاستعمار للوطن العربي والاحتراز من هذا الحراك الديمقراطي محافظة على الأسلوب التقليدي في ممارسة الحكم وتنظيم العلاقة بين المجتمع والدولة.
فماذا قدمت الأنظمة الحاكمة إلى الشعوب العربية من أجل تحقيق الترقي والنهوض؟ ومتى تعطى الأولوية إلى الديمقراطية وتطوير نظم التربية والتعليم ويعود البريق إلى المعاهد والجامعات العربية وتفعل التنمية الاقتصادية واللحمة الاجتماعية وتولى حقوق الإنسان العربي بالعناية القصوى وتتحقق المصالحة بين العرب وجيرانهم الأتراك والفرس؟ وأليس في امتلاك هؤلاء الجيران وسائل المنعة والغلبة هو تقوية للأمن الحضاري في مواجهة التحدي العولمي؟ ألم يصدق فقيد الإسلام العقلاني محمد فتحي عثمان القول عندما أعلن:" إن الإسلام سيفيد من الظروف العالمية الجديدة في دعوته الإنسانية... بل سيسهم دون شك في تدعيم حياة السلام...وإذا كان القانون الداخلي قد أنهى عصر القصاص الفردي فإن الأمل أن ينهي القانون الدولي في مجال العلاقات الدولية عصر الحروب"" ؟
المراجع:
فريدريك لوبيز، الدروس الأولى في الفلسفة، ترجمة علي بوملحم، صدر عن هيئة كلمة ومؤسسة مجد، الطبعة الأولى، 2009.
محمد فتحي عثمان، الفكر الإسلامي والتطور، دار البراق للنشر، تونس، الطبعة الأولى 1990.
كاتب فلسفي
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
وزارة الدفاع تنفي مزاعم استخدام الجيش الوطني للكيماوي      أتلتيكو مدريد يواصل نزيف النقاط ويتعادل مع فالنسيا      ترامب يهدد بمقاضاة "سي إن إن" ويتهمها بالتحيز ضده      صور مبهرة... مصر تكشف تفاصيل 30 نعشا أثريا عثر عليها بالأقصر      مستشار قانوني يكشف ثغرة في اللجنة الدستورية تجعلها "فاشلة"      "قسد" تعلن رفضها لبعض بنود اتفاق وقف إطلاق النار      دعوات ليوم "الغضب المنبجي" رفضا لدخول الأسد وروسيا المدينة      الأسد وبوتين يصبان جام غضبهما على الشمال المحرر