أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

هل هي بداية تآكل النظرية الصهيونية؟ ما معنى أن يقو مسؤول إسرائيلي" إنهم يريدون سحب الشرعية عن دولة إسرائيل"؟

مقالات وآراء | 2010-06-13 00:00:00
محمد جمول
الجيل الذي عرف قادة إسرائيل في مراحل سابقة لا يزال يتذكر كلام وزير الدفاع الإسرائيلي موشي دايان في 1967 حين قال إن حدود إسرائيل يحددها المكان الذي يصله أي جندي إسرائيلي. والجميع يتذكر أن أي تصرف إسرائيلي كان يحظى بالتهليل والتشجيع والإعجاب من قبل غالبية شعوب العالم، وتحديدا في البلدان الغربية. كانت إسرائيل قادرة على إقناع العالم أنها تمثل النموذج الذي يشكل الطموح الإنساني من حيث كونها دولة ديمقراطية ناجحة وأعجوبة التقدم والبناء وسط صحراء من الاستبداد العربي. ولأنها تمكنت من هزيمة عدة دول في ساعات قليلة في حرب حزيران رغم صغرها، دُهش العالم، الذي استطاعت ابتزازه بحجة المحرقة، بهذه القدرات الاستثنائية التي صرفت انتباهه عن كل ما تمارسه وما مارسته من جرائم بحق شعوب المنطقة. ووسط هذه النجاحات التي نالت إعجاب كثير من دول العالم استطاعت الصهيونية بدعايتها المسيطرة تقديم المشهد العربي بأقبح أشكاله وبما يساهم في إظهار صورة إسرائيل كدولة استثنائية تستحق الإعجاب والدعم.
ساهم ذلك في تسهيل عملية تقديم الجرائم الإسرائيلية على أنها شكل من الدفاع عن النفس، وحماية النموذج الذي يجب على العالم كله أن يحميه ويدعمه. ولذلك كان بوسعها أن تتوسع كما تشاء بدعم غربي مريح عبر احتلال الجولان وسيناء والضفة الغربية، وفي فترة لاحقة استطاعت احتلال العاصمة اللبنانية. وخلال تلك الفترة كانت قادرة على احتلال ما تشاء بتغطية أمريكية غربية وحماية ما يسمى " الشرعية الدولية" التي لا تزيد عن كونها عصا أمريكية وسخة تستخدم لتأديب أي شعب مظلوم في العالم حاول الدفاع عن حقوقه. فقد أثبتت التجارب أن الولايات المتحدة كانت الدولة الأكثر استخفافا بهذا المجلس حين تعجز عن استخدامه بما يخدم مصالحها كما حدث عند احتلالها للعراق من دون أن توليه أي اهتمام إلا بعد تدمير ذاك البلد لتعود وتطالبه لاحقا بالإشراف على تنظيف أعمالها الوسخة.
منذ بدأت الحكومة الإسرائيلية ببناء الجدار العازل، بدا وكأنها سلمت باستحالة التمدد أكثر في المنطقة وبالعجز عن احتلال المزيد لتكتفي بقوتها العسكرية التي تمكنها من الوصول إلى أية نقطة وضرب من تشاء في أي وقت كما فعلت في الضربة التي وجهتها إلى منظمة التحرير الفلسطينية في تونس والقيام بغارات جوية على مناطق بعيدة في أكثر من بلد عربي.
لكن تحولات مهمة طرأت على العالم والمنطقة في السنوات الماضية القريبة جعلت كلام دايان يفقد قيمته. ولعل بناء جدار الفصل العنصري الذي بدأ منذ سنوات يمثل أول اعتراف ملموس على الأرض بأن الحدود الإسرائيلية لم تعد تصنعها قوة جيشها، بل قوة وارتفاع الأسوار التي باتت من بين وسائل تأمين الإحساس بالأمان لمجتمع أراد أن تكون دولته من الفرات إلى النيل. وفي الوقت الذي رأى الجيل القديم من العرب لأول مرة سكان دولة إسرائيل يركضون إلى الملاجئ ويسمع صراخهم وبكاءهم تماما كما كانت الحالة المألوفة في المدن العربية في كل حرب تشنها إسرائيل، تجدد الأمل بأن ما فعلته المقاومة اللبنانية في 2006 يشكل وخزة أول دبوس في هذا البالون الكبير الذي ساهم عجزنا في صنعه.
ولذلك نشاهد إسرائيل الآن معنية بالدفاع بقدر ما تتشهى الهجوم. ومن هنا تصرف الملايين على بناء القبة الفولاذية في حين تحصن حدودها بالجدران الفولاذية وبعض الأنظمة العربية المجاورة التي تحالفت معها ووضعت نفسها في خدمة أمنها عبر القضاء على كل من يمكن أن يشكل خطرا عليها. لكن التطور الأهم في ذلك أن العالم بدأ يتحرر من كذبة المحرقة والابتزاز الصهيوني ليفتح عينيه على الجرائم الإسرائيلية لأول مرة.
فلم يكن الهجوم على أسطول الحرية في عرض البحر أهم من مجزرة دير ياسين وجنين في فلسطين المحتلة أو مجزرة صبرا وشاتيلا في بيروت ومدرسة بحر البقر في مصر. ففي كل هذه الجرائم كانت إسرائيل في نظر العالم دولة بريئة حضارية وجدت نفسها في وضع كان لا بد معه من استخدام القوة للدفاع عن نفسها في نظر العالم ذاته الذي بدأ الآن يرى جرائمها على حقيقتها. فما الذي تغير؟ العين ذاتها هي التي كانت ترى ما قامت به إسرائيل في الماضي، وترى ما تقوم به الآن. ما تغير أن العالم بدأ يرى ما يجري بعينيه على حقيقته، لا كما ترويه وتنقله له إسرائيل. وربما ساهم التقدم التكنولوجي وثورة المعلومات في تسهيل نقل الحدث والمعلومة إلى الناس في كل مكان. وبالتالي لم يكن من السهل على إسرائيل إقناع العالم بأن النشطاء على متن الحرية هم الذين هاجموا قواتها على بعد أكثر من مائة ميل في عرض البحر. فليس كل الناس على استعداد للتخلي عن عقولهم وضمائرهم، ولم يعد كل الناس محكومين بعقدة الذنب تجاه اليهود إلى درجة يقبلون معها التضحية بشعب بكامله للتعويض لشعب محتال عما فعلته أوروبا به.
ما حصل على متن سفن أسطول الحرية أكثر من مجرد حادث قتل عادي أو جريمة كبيرة بحق الإنسانية. فعلى الرغم من محاولة إسرائيل والولايات المتحدة إعادة رواية الأحداث بطريقة مختلفة وإعطائها معنى يعيد تقديم الجرائم الصهيونية على أنها أعمال بطولية تهدف للدفاع عن الحرية والديمقراطية، ساهمت هذه الجريمة في التذكير بمسائل حساسة كاد العالم ينساها. وعلى رأسها قضية شعب محاصر منذ سنوات وبلاد اغتصبها الصهاينة منذ عقود.
لقد أخذ الحصار اتجاها مختلفا حين نسمع مسؤولا إسرائيليا يقول إن تركيا وسوريا ومن معهما يحاولون سحب الشرعية عن دولة إسرائيل. فمن يؤمن بشرعية دولته لن يخطر بباله القول بأن هناك من يمكن أن يسحب الشرعية عنها. لسنا هنا أمام شرعية حكومة، وإنما شرعية دولة موضع شك في نظر أبنائها. لا يمكن لشخص هندي أو صيني أو سوري أو تركي أن يفكر أن أحدا يمكنه سحب الشرعية عن دولته لأنها من المسلمات التي لا شك فيها، ولأنه يعرف أنها ليست مسروقة، ويؤمن أنها ابنة التاريخ والجغرافيا وليست ابنة وعد بلفور واحتضان القوى الاستعمارية والتقاء قطعان من مختلف أصقاع الأرض. ولا يخطر بباله أنها مسروقة من أحد كما يحس الإسرائيلي ويعرف.
قد يكمل هذا الموقف ما صرحت به كبيرة الصحفيين، التي أُجبرت على الاستقالة، في البيت الأبيض حين صرحت أن على الإسرائيليين أن يعودوا إلى بلدانهم الأصلية في بولندا روسيا وغيرها. مثل هذه المواقف، على الرغم من قلة ما يُعلن منها، تشير إلى أن العالم مستعد أن يتفهم قضيتك حين تدافع عنها. وأهميتها تأتي من تزامنها مع تراخي قبضة الإمبريالية الأمريكية وإحساسها أن الأثمان التي يمكن أن تدفعها لحماية إسرائيل قد تصبح أكثر من المكاسب المتوقعة إذا ما استمرت الشعوب في الدفاع عن حقوقها، وأن هذه الأثمان سوف تصبح باهظة أكثر حين ينهار طوق الحكام الذين تطوعوا لحماية إسرائيل وتنفيذ أوامر الولايات المتحدة.
ما نشهده هذه الأيام يؤكد أن الإمبريالية لم تتمكن من القضاء على إرادة الخير عند الشعوب التي يمكن أن تعمل ذات يوم على تدمير الأصنام الأمريكية في المنطقة وخارجها. وعندها ستنهار الجدران الفولاذية والإسمنتية وتنهار الأنظمة الخشبية. قد لا يكون ذلك قريبا، لكن هناك ما يشير إلى أن هذا سيحدث ذات يوم. لقد بدأت قطرات المطر بالتجمّع، وليس صعبا أن تتحول إلى سيل جارف.
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
الاتحاد الأوروبي يقدم نحو 100 مليون يورو لدعم اللاجئين السوريين في الأردن      مسلحون يهاجمون حاجزا للميليشيات الروسية في درعا ويوقعون قتلى وجرحى      "ما بدنا الخمسين".. أغنية ثورية ترد على تصريحات بشار      أتليتيكو يكتفي بالتعادل في فياريال      روسيا: سنرد بالمثل على أي انتشار صاروخي أمريكي جديد      شركة طاقة تتعهد بدفع 13.5 مليار دولار لضحايا حرائق كاليفورنيا      البيت الأبيض يعلن أنه لن يشارك في جلسات عزل ترامب      أنا الزعيم..ألم تعرفوني؟... د. محمد الأحمد*