أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

شطارة ملء الفراغات بفراغات أكثر!... د. فاضل الخطيب

مقالات وآراء | 2010-04-25 00:00:00
يقول المثل: "الطاقة (الفتحة) اللي بيجيّك منها الريح سِدّها واستريح!" أي القضاء على الريح غير المُريح بالقضاء على منافذ دخوله..

انتهى بناء سد (سور) الصين العظيم بوضع آخر حجر له في النهاية الشمالية. وكان قد بُدئ العمل في بنائه من جهة الجنوب الشرقي ومن جهة الجنوب الغربي للسور بنفس الوقت. وقد قام الفريقين الكبيرين للعمل باستخدام نفس الطريقة في الشرق والغرب عند بناء الأجزاء التي يتشكل منها السور أو الجدار. وتمّ ذلك من خلال تشكيل مجموعات تتألف كلٍ منها من عشرين فرداً، وتقوم كل مجموعة ببناء جزء بطول حوالي خمسمائة متراً من السور، وبنفس الوقت تقوم المجموعة المجاورة ببناء حوالي خمسمائة متراً بالاتجاه المقابل. وبعد تلاقي المجموعتان لم يقوما ببناء ألف متر جديداً في نفس المكان، بل انتقلتا إلى مكان آخر بعيداً نسبياً عن المكان الأول وهناك بدأوا العمل من جديد وبنفس الأسلوب. وبهذه الطريقة بقي كثيراً من الفراغات بين أقسام الجدار، والتي قاموا لاحقاً ببنائها وإملاء تلك الثغرات، وقد حدث ذلك بعقلانية واعية. وحتى بعد الانتهاء من العمل بقيت بعض الفراغات بدون بناء. هذه إحدى التصورات أو الأساطير عن كيفية بناء الجدار العظيم.
يطلب المدرس من الطلاب قياس طول وعرض وارتفاع قاعة الدراسة بشكل دقيق، ثم يطلب منهم قياس طول وعرض وسماكة كتاب الحساب بدقة كبيرة، ويكون السؤال الذي يطرحه بعد ذلك هو عدد كتب الحساب التي يجب وضعها بجانب بعضها وبشكل دقيق كي تملأ قاعة الدراسة من الأرض حتى السقف وبدون ترك فراغات!..

مليءٌ هذا العالم بالغرابة. أكثر أصحاب لون الجلد الأبيض يرغبون أن يكون لون بشرتهم برونزياً، والأسود يتمنى لو كان أبيضاً نجمياً!، السمين يريد أن يصبح نحيفاً، والنحيف أحياناً يرغب ببضعة كيلوغرامات من السمنة، والقصير يتمنى في ليلة القدر بضعة سنتمترات زيادة..إلخ. أي أن البعض يريد أن يكون غير ما أعطته إياه أمنا الطبيعة.
في الشتاء والصيف أو الربيع والخريف يذهب الناس إلى أماكن أخرى، أبناء الساحل تبحث عن الجبال، وسكان الجبال ترغب التمتع بالشواطئ والمنتجعات المائية، وآخرون يبحثون عن أماكن التزلّج على الثلج أو قضاء وقت بالقرب من مسابح وبحرات المياه المعدنية...إلخ. طائرات وسيارات وقطارات تنقل يومياً مئات الملايين من البشر من أماكن سكنهم إلى أماكن أخرى، لكنهم يعودون للأصول والجذور. هناك من يولد سميناً وأحياناً يصبح نحيفاً، وهناك من يولد نحيفاً ويصبح بعدها سميناً..إلخ. لكن المسألة ليست بهذه البساطة. وكيف يمكن معرفة هذا أو ذاك؟!
الحقيقة أنني راقبت نتائج أكثر من وصفة طبية للتسمين وللتنحيف وحتى التشميس الصناعي، ووجدت أخيراً -وكان قد سبقني كثيرون- أن الأساس هو في تربية الإنسان والأسرة وثقافتها القِيَمية التي نشأ فيها، وكذلك نظام الحياة الذي يعيشه في فترة الشباب، أو ما يمكن قوله مختصراً- وفي الغالب صحيحاً أن "من شبّ على شيءٍ شاب عليه"، وكل تلك العوامل تحدد المجموعة التي ينتمي إليها هذا أو ذاك الإنسان. ولا تنفع طويلاً محاولات التصنع وصبغ الشعر. وفي النهاية كل شيء يعود إلى الرأس وما يحويه من وصفات حسابية وفراغات جدارية.
وهذا يدعونا للقول أنه هناك علاقة وثيقة بين السلوك والتعامل الشخصي وبين طريقة الخطابة والتعبير، وعدم الخطابة يعتبر مؤشر أيضاً عن التعبير. وأحياناً تحاول الخطابة تغطية الدوافع الرئيسية لهذا أو ذاك الموقف.
إن لحظات تسريع أو إبطاء عمليات "التاريخ" تحتاج إلى الحذر والانتباه أكثر، تحتاج إلى عمق المعرفة. التاريخ وأحداثه ليست فقط مجموعة علاقات ونشاطات الأفراد في فترة زمنية محددة، وإنما هو أيضاً نتيجة لتراكمات مرتبطة بدوافع "منطقية" وزمنية. ولا شكّ أن هناك علاقة ديالكتيكية بين إسراع وتسريع تلك العمليات في لحظة ما وعلاقة الدافع الشخصي الحقيقي غير المُعلّن. وهي مرتبطة بثقافة الشخص الذي يلعب ذلك الدور أو يحاول اللعب به، أي أنها مرتبطة بالرأس وما يحمله. وهنا يمكن استحضار مثلاً شعبياً يقول: "ما فيه ولا بصقة تحت حجر بتختفي!" أيّ أنه لا توجد هناك أسراراً، وبقاء السر سراً هي مسألة وقت ليس إلاّ، والشطارة تحمل فضيحتها في داخلها وبدون شطارة!.
ومن يحاول الشطارة وخلطها مع القيم الوطنية، وخلطها ثانية مع الشطارة والتجارة ربما تعود عليه بالخسارة والضياع القِيَمي نهائياً، وفي تجربة السيد خدام أكبر عبرة.
مقاربة المشكلة الوطنية ليست ترفاً أو رفع عتب لإراحة بقايا ضمير، وملامستها المثيرة في الخارج والداخل ليست سهلة وبدون فراغات في الجدار، فراغات تفرض حركة تتراءى بين الفراغات المتحركة أيضاً، والتي تفرض فرضيات قد لا تكون دائماً ذات خلفية بريئة!
ونطرح سؤالاً يترنح في جهة أخرى، أو نرفع سؤالاً مطروحاً على الأرض منذ زمن: هل أن وجود القائد "الكاريزمي" هو الذي يعطينا الشجاعة لمعرفة أنفسنا وخطابنا وعلاقته بما نقوم به؟ وبدون ذلك الزعيم لا نستطيع ملء تلك الفراغات الموجودة في الجدار، بدون وجود مثل هذا الزعيم الواحد، يصبح كل زعيم مجموعة يغني على "ليلاه وبثيناه" ويعتقد أنه يبني الفراغات، يَسدّ ثغرات ليفتح أكثر منها وفي اتجاهات مختلفة، وفي هذه الحالة تتبعثر وحتى تضيع بعض معارفنا الأخلاقية والحسابية الأولية أيضاً، ونصبح نبحث عن مكتب زعيم محاولاً التسلق على جدارِ هوائيٍ افتراضي ليس أكثر. طبعاً أنا لا أعرف الجواب الدقيق بكل جوانبه. والأرجح أنه هناك أجوبة كثيرة ومن وجهات نظر مختلفة، ولكن قد يمكنني القول أنه لا يستطيع الكثيرون تحمل مسئولية الجواب الصريح بشفافية ومصداقية، أو لا يُريدون ذلك!.
للمسئولية بشكل عام عدة وجوه، منها مسئولية الفرد تجاه قضية أخلاقية عامة، أو شخص هو يتحمل المسئولية ويتعهد بها تلقائياً، والجانب الأخلاقي للمسئولية السياسية أكثر أهمية من الجانب القانوني.
أما الإنسان الذي يملك دائماً الحقيقة، فإنه يتصرف دائماً بشكل مصيب، ولهذا لا يمكن التشكيك بما يقوم به أو محاسبته على أية مسئولية. وخير مثال على ذلك "الورثة" العظام للقادة العظام والوباء الذي نشروه وأصاب البعض في بلادنا!.

بعد أكثر من سبعين عاماً على صعود نجم هتلر، هناك الكثير من الأوروبيين الذين يعتقدون اليوم أن تساهل القادة الأوربيين آنذاك تجاه توّسع خطر النظام الهتلري يُحمّلهم مسئولية أخلاقية وسياسية. وأعتقد أنه يتكرر اليوم ذلك التساهل مع النسخات الموجودة في منطقتنا أيضاً، إن هذه المسئولية الأخلاقية ستبقى موضع تساؤل واستفهام، وأعتقد كذلك أن هذه المهادنة ستفرز نتائج قد تكون أخطر من غيوم الرماد البركاني والذي لا يقف عند حدود أوربا الحرة!

ماذا يستحق هذا الـ... والذي يسمح لنفسه السير كقطيع غنم؟ ماذا تستحق هذه الـ... والتي "تتنافس" بأساليب فارغة على سدّ الفراغات باسم الشعب المُضطهَد؟ ماذا يستحق هذا "المناضل" الذي يستجدي الاستقامة و "الاستدانة" في دوائر مغلقة منحنية متعرجة ويزمع أنها خطٌ مستقيم نظيف؟.. وهل يستحق هذا الكمّ المناضل من المعتقلين المدافعين عن كرامتنا وحريتنا كلنا- أن يدافع عنهم أخلاقياً وشكلياً مثل بعض هذا وذاك الذي ورد أعلاه؟.
إن جوهر الأخلاق وتركيبتها هي العلاقة بين الموجود وبين ما يجب أن يوجد.
في هذا العصر لا يُستحبُ أن تذكّر أحداً بالأخلاق، وخاصة مَن يرفع راياته وشعاراته باسم الأخلاق، ولا يُستثنى من ذلك الذين يحبون العمل في الظِلال أو ما يُسمى بلغة التلفزيون "الذين خلف الكاميرا"!. إن علاقة الإنسان وموقفه من الأخلاق العامة وقيمها تُشكّل أخلاقه الشخصية وهي ثروته التي يَدّخرها للمستقبل أو التي يدّخرها المستقبل له ولأبنائه وبناته.
وأخيراً لابدّ من تأكيد أنه "للعمل السياسي رائحة!" وليست دائماً مريحة، ومن لا يُصدّق ذلك عليه التبحر، أو التأمل في بعض لوحات "الفسيفساء" وبعد أن يفتح شباك غرفته!...

بودابست، 24 / 4 / 2010،

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
البدري مدربا للمنتخب المصري لكرة القدم      وفاة الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي      بحجة كتابات على الجدران.. الأسد يعتقل 30 شابا في الزبداني      أنباء عن تورط جماعة من "حزب الله" باختطافه.. الإفراج عن رجل الأعمال السوري مرهف الأخرس في لبنان      دي ماريا يقود سان جيرمان لانتصار كاسح على ريال مدريد      الفيفا يبلغ إيران بأن الوقت حان للسماح للنساء بدخول الملاعب      تدوير الكتابة.. قبل سقوط أخير ومرثية جديدة عن الوطن*      الأمم المتحدة: 10 ملايين سوري يعيشون في مناطق مليئة بالألغام