أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

من معبر "إيرز" إلى الزنزانة (3) .. ا.د. محمد اسحق الريفي

مقالات وآراء | 2010-04-24 00:00:00
سألني المحقق عن انتمائي التنظيمي وعن علاقات شخصية تربطني بعدد من أصدقائي وزملاء الدراسة في الجامعات الأمريكية، ثم سألني عن الغرض من دورة الحاسوب التي تحدثت عنها وعن إمكانات غزة في مجال تكنولوجيا الاتصالات عبر الإنترنت. ثم وجه لي عدداً من التهم المتعلقة باستخدام الإنترنت للاتصال بشخصيات إسلامية فلسطينية تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى رأسهم الدكتور موسى أبو مرزوق، الذي كان معتقلاً لدى الأمريكيين في ذلك الوقت، وكانت الحكومة الصهيونية تبحث عن أدلة إضافية تمكنها وفق القانون الأمريكي من اعتقاله في سجونها والتحقيق معه.

وبعد نحو ساعة من التحقيق، أعادني المحقق إلى الشبح مرة أخرى، وبقيت مشبوحاً حتى الغروب، حيث نقلني الشرطي إلى زنزانة خالية كريهة الرائحة، وعلمت فيما بعد أن الأسرى يضطرون للتبول على جدران الزنزانة بسبب حجزهم فيها لأيام دون السماح لهم بالذهاب إلى دورات المياه. وبعد لحظات فتح الشرطي باب الزنزانة الداخلي وألقى قطعة من الخبز على الأرض وطبقاً من شوربة العدس، وطلب مني تناول وجبة المساء. لم أستطع الأكل بسبب القلق الشديد وشعوري بالإهانة والإذلال. حاول الشرطي إجباري على الأكل دون جدوى، ثم أخبر المحقق بما حدث، فأمره بتجاهل الأمر وبنقلي إلى زنزانة أخرى. وبعد ساعات نقلني الشرطي إلى زنزانة رقم "7"، وكان فيها أسيران، أحدهما من الخليل، والآخر من رفح. وكانت الزنزانة لا تتسع لثلاثتنا، فكانت أبعادها تقريباً 220 سم طولاً و180 سم عرضاً و240 سم ارتفاعاً. وفي إحدى زوايا الزنزانة دورة مياه مساحتها متراً مربعاً ولها حائط قصير يبلغ ارتفاعه نصف متر تقريباً. ولا يوجد في الزنزانة ورق ولا صابون، وكان هناك قنينة بلاستيكية يستخدمها الأسرى عند الاستنجاء. ويوجد للزنزانة كومة مغلقة في بابها الداخلي وأخرى في الجدار مغلقة بلوحة حديدية سميكة تتخللها فتحات لدخول الهواء، ولا يمكن لذرة من الضوء الدخول عبر الكوة إلى الزنزانة، فإذا أطفأ السجان الضوء لا يستطيع أحد أن يرى إصبعه، وكنا لا نعرف الليل من النهار إلا من خلال حركة السجانين وانطفاء الضوء.

وكانت الحرارة في الزنزانة مرتفعة لحد أن العرق يتصبب دون توقف من أجسادنا. وجدران الزنزانة خشنة يميل لونها إلى الأسود، وكانت الحشرات تعيش على الجدران، ولا سيما البق والصراصير، التي كانت تتساقط علينا من السقف. وكانت تفوح روائح كريهة بسبب الفراش المتعفن ودورة المياه. ينطبق هذا الوصف على معظم زنازين التحقيق في سجن عسقلان، التي يبلغ عددها نحو واحد وعشرين زنزانة، وهي مصنفة إلى أصناف ثلاثة: زنازين للأسرى الجدد ويدخلها عملاء (أو عصافير)، زنازين لمن تعرض للعصافير وانتهى من التحقيق، زنازين لها كوات مشتركة مع زنازين أخرى تستخدم للتجسس.

استقبلني الأسرى في الزنزانة بنوع من الاستغراب، ربما لأنني أكبر منهم سناً، وكنت أرتدي ملابس يختلف عن ملابسهم المكونة من قطعة واحدة. واستغربت جداً من شكلهم والطريقة التي رأيتهم عليها، وخاصة أنهم أخبروا السجان الذي أتى بي أن الزنزانة لا تتسع لثلاثة. بادروني بالسؤال عن اسمي وبلدي وعدد الأيام التي قضيتها في الزنازين، فأجبتهم وسألتهم أنا أيضاً. كنت أظن أنني سأعود إلى أهلي بعد يوم أو يومين على الأكثر، ولم أتوقع أن أقضي في الزنازين نحو ثلاثة أشهر. سألت أحدهما عن الأيام التي قضاها في الزنازين، فقال عشرين يوماً، وقال الآخر إنه قضى تسعة وعشرين يوماً. عندها اشتعلت النار في صدري، وازداد قلقي، وبدأت أفكر في الأهل. لم أستطع النوم برغم النعاس الشديد، وقضينا ساعات طويلة في الحديث والمزاح. وعند النوم تطوع أحدنا بالنوم مقابل الدورة، فاضر إلى ثنى ركبتيه طول الليل، بسبب ضيق الزنزانة. وفي الصباح، أتى السجان إلى زنزانتنا بأسير رابع!

علم الأهل بأنني خطفت، فقد أخبرهم مكتب الارتباط التابع للسلطة الفلسطينية بأنني في سجن عسقلان، وربما لا يعرف كثير من الناس وخصوصاً خارج فلسطين أن السلطة لم يكن لها الحق حتى في الاعتراض على خطف العدو الصهيوني للفلسطينيين، وكان أكثر ما يمكنها فعله الاتصال بالجانب الصهيوني والسؤال عن المختطفين. تماماً كما كان يحدث عند التوغل والاجتياح الصهيونية، فقد اكتفى دور الأمن الوطني والسلطة عموماً بإخبار أصحاب البيوت عن نية الجيش الصهيوني بنسفها، ولم يكن بوسع الأمن الوطني سوى إخلاء المناطق المجتاحة والابتعاد عن الجيش الصهيوني، باستثناء عدد قليل من أفراد الأجهزة الأمنية للسلطة الذين انتصروا لشعبهم ووطنهم، فتصدوا للعدو وأصيب واستشهد بعضهم.

بعد يومين قضيتها في الزنزانة "7"، أعادني السجان للشبح مرة أخرى، واستمرت عملية الشبح لعشرين يوماً متواصلاً، وتخلل الشبح التحقيق والتعذيب النفسي والجسدي، دون نوم إلا لأقل من ساعتين متواصلة مرة واحدة كل أسبوع. وسأروي إن شاء الله عن التعذيب والإذلال الذي يتعرض له الأسرى أثناء الشبح، إضافة إلى ممارسات العصافير الذين يستخدمهم العدو في التجسس وانتزاع الاعتراف من الأسرى.

23/4/2010

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
تلفزيون "عون" يروج للحشيشة.. سعرها محروق وعلى الدولة تشريعها لأنها مقدسة      غارديان: أزمة الخليج تشتد وتزداد قوتها على التدمير      ثلاثي هجوم باريس سان جيرمان يغيب عن لقاء ريال مدريد      مدرب ليفربول.. مانشستر سيتي أفضل فريق في العالم      "الابتزاز" والاستثمار بقوة الشعوب... حسين الزعبي*      هذا الوزير من ذاك الأسد      مشاريع إيرانية صينية بقيمة 400 مليار دولار      هجوم أرامكو.. ترامب يبتزّ السعودية مجددا