أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

أحلام القيصر في أوكرانيا

بوتين - جيتي

صدقت نبوءة سيد البيت الأبيض جو بايدن أخيرا، وتحولت أطماع فلاديمير بوتين بالسيطرة على أوكرانيا من فرضيات نظرية إلى حقيقة وواقع، بعد أن دخلت فرق الجيش الروسي حدود الدولة التي يفترض أنها مدعومة من حلف شمال الأطلسي الـ"ناتو" المنعقد منذ شهور، مطلقا عشرات التحذيرات من مغبة التفكير في شن حرب على الدولة الواقعة على حدود أوروبا الشرقية والراغبة بقوة بالانضمام للحلف الأكبر والأقوى عالميا.

لم تمنع تهديدات بايدن وحلفائه الغربيين، فلاديمير بوتين من شن الحرب على أوكرانيا، كما تُمّلي عليه غطرسته وأطماعه التوسعية لاستعادة "أمجاد" الاتحاد السوفيتي، التي ما زالت مختبئة في أعماق شخصية "القيصر"، الحالمة بالتربع على سدة العالم وخوض الحروب دون رادع في سوريا والشيشان وجورجيا وليبيا حتى العمق الإفريقي.

لا شك أن حرب بوتين الجديدة ستضاعف من مآسي هذا الكوكب قتلا دمارا وتشريدا لمئات آلاف المدنيين إن لم يكن الملايين، فالصواريخ العمياء الروسية قادرة على تدمير مدن بأكملها فوق رؤوس ساكنيها، خصوصا وأن بوتين يعتبر احتلال أوكرانيا انتصارا على الغرب بأكمله، لكن بالنهاية، لن تكون هذه الحرب نزهة عابرة كما يظن البعض، ولن يكون انتصار موسكو سهلا لأنها تواجه جيشا نظاميا وإن فاقته عدة وعتادا، ما يعني خسائر بشرية واقتصادية فادحة، واتساع تصدع الجبهة الداخلية المضطربة بالأساس بسبب أزمات الاقتصاد والفساد والتضييق على الحريات وديكتاتورية حاكم الكرملين منذ 22 عاما دون أي أمل بالتغيير، وهذا شأن الأنظمة الشمولية المستبدة في العالم المدعومة منذ عقود طويلة من قبل روسيا.

كما لم ولن يجرؤ كهنته وقساوسته هذه المرة على صبغ العدوان دينيا وإلباسه رداء "الحرب المقدسة"، كما حدث إبان التدخل العسكري في سوريا عام 2015، لإخماد الثورة السورية وحماية بشار الأسد من السقوط المؤكد، ولم يجرؤ أحد على تمويل حرب بوتين حتى لو بالسر، كما فعلت أنظمة عربية في سوريا عندما جاهر إعلامها بالعهر والفجور والقول إن القصف الروسي في سوريا يستهدف التنظيمات المتطرفة الإرهابية، لم يحلم بوتين أن يتكرر كل هذا في أوكرانيا.

وبالتأكيد، لن نجد من يتسابق لشراء السلاح الروسي الذي تفاخرت موسكو بتجريب أكثر من 300 صنف منه على أجساد الأطفال والنساء في سوريا، لأن الأيام المقبلة ستشهد سباقا دوليا لفرض العقوبات على روسيا لإنهاكها اقتصاديا وزيادة عزلتها، لأنها جاءت بأقدامها إلى مستنقع لن تخرج منه إلا خاسرة حتى وإن لم تواجه جيوش حلف شمال الأطلسي، فالحصار الاقتصادي وحده كفيل بإنهاء حلم القيصر وإعادته إلى قوقعته وحجمه الطبيعي داخل حدود بلاده.

إن تكلمنا عن العقوبات الاقتصادية وحدها، والتي قيل إنها سترفع إلى مستويات قياسية، فإن بوادر التدهور بدأت اليوم مع إطلاق أول رصاصة باتجاه أوكرانيا، بتأثر سوق الأسهم وهو ما يعني هبوط مدوي للروبل، كما أن الاقتصاد الروسي يعتمد بصورة كبيرة على تصدير النفط الغاز الطبيعي، الذي يشكل 16% من الناتج المحلي و42% من إيرادات الموازنة العامة، فالعام الماضي كسبت روسيا 110 مليارات دولار من صادرات النفط، و55.5 مليار دولار من الغاز الطبيعي، كل ذلك مهدد اليوم والدليل إيقاف ألمانيا العمل بخط الغاز الروسي "نورد ستريم 2".

العام الماضي صدرت روسيا 200 مليار متر مكعب من الغاز، و29 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال، وتصدر يوميا 4.7 ملايين برميل محتلة المرتبة الثانية عالمياً بعد السعودية، وفقا لتقارير عدة، كما أنها لها 18% من صادرات القمح عالمياً وتكسب 30 مليار دولار من صادرات الغذاء، و14 مليار دولار من السلاح -الثانية عالمياً-، وتنتج 95 مليون طن سنوياً من الحديد و3.7 ملايين طن سنوياً من الدواجن –المركز الرابع عالميا-، كل هذا سيكون في مهب رياح الحرب، فالنظام الحاكم في الكرملين لا يقدر مدى التضحية بالاقتصاد تلبية لطموح بوتين. بالنهاية لابد من القول، إن المجتمع الدولي الذي صمت في السابق عن المذابح التي ارتكبها بوتين بحق الشعب السوري، يجد نفسه اليوم أمام حلقة جديدة من مسلسل الإجرام الروسي على عتبات بلاد الحرية والدفاع عن حقوق الإنسان، ولن تكفيه تصريحات الشجب والإدانة والاستنكار في حفظ ماء الوجه، فإن لم تكن المواجهة بجيوش رادعة لكبح جماح سيد الكرملين ومحاسبته، فعقوبات حقيقية صارمة قادرة على تضييق الخناق حول رقبته وتركه يتخبط في حروبه الداخلية مع شعبه الروسي.

محمد الحمادي - زمان الوصل
(56)    هل أعجبتك المقالة (48)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي