أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

واقع المرأة العربية بين الدين والعولمة ... زهير الخويلدي

مقالات وآراء | 2010-03-08 00:00:00
" من لا تدافع عن نفسها تنتهي إلى القعود أمام الموقد"
استهلال:
ما يلفت الانتباه ويمكن ملاحظته في عصر العولمة هو إعادة تعريف الإنسان كرجل ومعاملته كرقم رياضي ومادة معدة للاستعمال وما يحدث هو سحب النساء بقوة إلى أماكن عمل ليست مؤهلة لها وإجبارهن على إتباع أساليب معيشية تغير قيم حياتهن وتقلبها رأسا على عقب. إن العولمة مارست قوة تأثير كبيرة على عوالم الحياة والعمل بالنسبة إلى النساء، وان اتجاهات التصنيع وزحف الثورة الرقمية ومتطلبات العيش المشطة كثيرا ما كانت متعارضة مع آمال المرأة وتطلعاتها.
الإشكال الذي يطرح هاهنا هو التالي: هل أن خروج المرأة إلى العمل في زمن العولمة هو دفعة قوية نحو التحرير أم أنه عمل قسري أوقعها في الاغتراب والعبودية الجديدة؟ هل تطالب المرأة بالمساواة والحرية أم بالكرامة والحقوق؟ وما الحل للخروج من هذه المفارقة : "تحترم النساء من جهة ككاسبات للنقود ومن جهة أخرى يحتقرن لأنهن خرقن القواعد والأخلاق"؟ ألا ينبغي أن نميز بين المرأة العاملة والمرأة المائعة؟ ألا يحمي العمل المستقر واللائق المرأة أبد الدهر؟ هل أسندت العولمة الراحة للرجال والعمل للنساء؟ كيف نقضي على الفوارق بين الجنسين في التشغيل؟ وهل يمكن أن تساعدنا الأديان وخصوصا الإسلام على رسم صورة جميلة للمرأة؟ من هو أفضل صديق للمرأة؟ هل هو المجتمع أم الدولة؟ هل هو القانون أم الدين؟ كيف ارتبط تحرير المرأة في الإسلام بتجديد النظر الفقهي إلى الإنسان وتحريك مسألة الاجتهاد والتأويل العلمي؟ وما السبيل إلى إنهاء كافة أشكال التمييز ضد النساء وتتحقق المساواة الكاملة التي لا تتجزأ؟ هل النسوية حركة حقوقية أم حركة سياسية؟ وهل هي معطى طبيعي أم مسألة ثقافية؟ وما سر تعرض الحركات النسوية للهجوم من قبل الحركات اليسارية والجماعات الدينية على السواء؟
ما نراهن عليه هو تفادي التفاوت والتمييز والتوظيف بالنسبة لقضية المرأة والعمل على تغيير الذهنيات وتحقيق الثورة الثقافية بتحقيق الاعتراف التام بالمساواة والكرامة للجنسين.
1- وضعية المرأة في زمن العولمة:
"ليست العولمة بالنسبة للنساء في كل أنحاء العالم عملية تجريدية على مسرح مرتفع، انها حاضرة وملموسة" .
لقد تبين بالكاشف أن العولمة زادت من أشكال اللامساواة والتفاوت بين الرجل والمرأة، فالسوق المالية العالمية هي رجالية وبيضاء ولم يقتحمها سوى ثلة من النساء، كما أن الأعمال الشاقة والقذرة مثل النسيج والتنظيف والطبخ والفلاحة والصناعة والرعاية والإدارة تقوم بها في معظمها المرأة وبأجور منخفضة وظروف عمل غير إنسانية.
تلخص الكاتبة الألمانية كريستا فيشتريش مأساة المرأة زمن العولمة كما يلي:
- زيادة التشغيل الهش ضمن علاقات إنتاج منخفضة الأجر وتحولها إلى أداة للخدمة في جميع أنحاء العالم.
- معايشة عالم استهلاك مفرط وعدم القدرة على تلبية الحاجيات.
- تنامي الواجبات الاجتماعية والبحث عن هوية جديدة ضمن إطار اجتماعي تزداد فيه الفوارق
- التعرض إلى أشكال من العنف المرتبط بالجنس وتزايد المنافسة والطلب عليهن من طرف الشركات.
- استعمال جسد المرأة وصورتها في الدعاية والإشهار في ترويج وتسويق المنتجات الرأسمالية.
- تشغيل المرأة يتم بشكل نمطي وفي أوقات الحاجة وحسب المزاج وتحرم من إجازات الحمل والولادة والأمومة.
- عودة محافظة إلى الوراء بإسنادها الأدوار التقليدية والمطالبة بتكثيف الرقابة الأبوية.
ما تدفعه المرأة من ثمن هو ظروف عمل بائسة ورتيبة تفقدها الطاقة والصحة مع غياب الرعاية الاجتماعية وتتمتع بحقوق ضئيلة وأجر لا يضمن عيش كريم وتدخلها في تبعية جديدة وابتزاز المؤجر.
إن ما يطلبه السوق العالمية من المرأة هو فقط أن تكون "رخيصة ونشطة ومرنة" لكي تحصل على مركز عمل في قطاع الخدمات ولكن الغرض الحقيقي هو انجاز خطة تكاملية نيوليبرالية تكسب النساء ككتلة سوق لا غير وتسطو على مكانتها القديمة وتقوم بتحويلها السريع نحو عالم الإنتاج والتبادل والاستهلاك.
إن العولمة تقذف بالمرأة إلى الخارج وبسرعة دون ضمانات وبلا رحمة ولا شفقة والمهم هو الاستفادة منها وتوظيفها في جعل الاقتصاد يزدهر والاستمتاع بمحاسنها في أروقة عروض الأزياء بدل الاكتفاء بدورها التقليدي وتحميلها مسؤولية اجتماعية والمحافظة على قيمتها ضمن ملامحها التربوية القديمة.
إن "المرأة المعولمة" تبحث عن هوية جديدة لها ضمن عالم ذكوري أشد ضراوة وتستخدم كاحتياطي متحفز بالنسبة إلى منطق رأسمال وتتجاذبها آليات الإنتاج والاستعراض والترويج والاستهلاك. لقد عاد التقسيم القديم في العمل بين مهن للرجال ومهن للنساء ولكن ضمن منظور معولم جديد حيث تقوم المرأة بكل شيء ويجلس الرجل في مقعد الإشراف واتخاذ القرار بالطرد التعسفي وحصاد المحصول وجني الأرباح والمتع. لقد ارتفعت نسب تشغيل النساء في المصانع ومراكز التركيب والتوظيف إلى معدلات ضخمة ووجدت مهن نموذجية للنساء ونظر إليهن كجهاز تسخين نمو الاقتصاد إلى درجة أن البعض بدأ يتحدث عن تأنيث التشغيل لكونهن يمتلكن أصابع حاذقة.
الغريب أن دخول المرأة إلى العمل في المصنع جعل رأس المال خفيف الحركة أكثر من ذي قبل لأن قوى الإنتاج هن شابات مرنات نشيطات ومطيعات صبورات مستعدات لقبول أي أجر والقيام بساعات عمل إضافية ولا يكترثن بالإنهاك والتعب وينتظرن حصة الاستقلال وزمن الراحة بعيدا عن العائلة والذي أحدث لديهن "تحولا ثقافيا كبيرا". كل ذلك يحدث والمرأة لا تقدر أن تتحول إلى معيلة للعائلة بل تكتفي فقط بجلب دخلا إضافيا لا يسد الرمق وذلك لأن الأجر الذي تتقاضاه لم يبارح الحد الأدنى. تعاني المرأة من الحط من الكرامة وذلك عن طريق الاستقطاع من الأجر والشتم عند الخطأ المهني والطرد التعسفي والإجراءات التأديبية في حالة تعرض موقع عملها إلى أزمة أو الإفلاس وغالب ما تجد نفسها كائنا غير مرغوب فيها وعبئا ثقيلا على المشغل أو المصنع. لقد وقع تفقير المرأة من الكرامة في سبيل إخراج المجتمع من حالة الفقر ولكن الرابح هو دوما شركات وهمية بارعة في الاحتيال والمتاجرة بآلام النساء.
"هكذا تتحول النساء إلى عاملات مؤقتات أو ثانويات لأسواق بعيدة دون حقوق" . فهل ترضى الشرائع والأديان بهذا الجرم الذي اقترفته العولمة بحق النساء؟
2- المرأة والمساواة في الإسلام:
" يا فاطمة أحسني سلوكك لأن مكرماتك هي التي تشفع لك عند الله وأن أبك لا يغني عنك من الله شيئا"
يعتقد البعض خطآ ،ذكورا وإناثا، أن القول بالمساواة بين الجنسين يؤدي إلى الإخلال بقواعد الإيمان وأن الانتماء إلى الإسلام على أي جهة كانت لا يؤدي بالضرورة إلى تبني خيار المساواة وينطلق أصحاب هذا الرأي من فكرة خاطئة عن نظرة الأديان إلى المرأة ويستندون إلى تصورات تقليدية من الإسلام تقلل من دور الأنثى وتجعله في مكانة منقوصة بالمقارنة مع الذكر. وهذا كله جهل في جهل لأن التعامل المستنير مع الإسلام والنظر إليه بتبصر وعقلانية يؤدي إلى استنتاج معاكس ويفضى إلى القول بأن مكانة المرأة مرموقة في حضارة اقرأ ودورها طليعي وحيوي وعلاقتها بالرجل هي علاقة ندية سوية وتشاركية تفاعلية. إن النساء شقائق الرجال في الإسلام وتركيز البعض على نصيب الضعف في الميراث ومسألة القوامة يحتاج إلى تدبر وتأويل. لاسيما وأن حقوق النساء بما في ذلك المساواة جزء من حقوق الإنسان في الإسلام. ماهي المسلمات الذهنية عن الناس في حضارة اقرأ التي دفعتهم إلى تبني نظرة نفعية أداتية للمرأة؟ ما سبب تشكل الصورة الزائفة للإسلام عن المرأة؟ هل أن السبب هو التقاليد الفلسفية الماورائية الموروثة عن الإغريق والشرقيين أم أن الفتاوي الفقهية الظنية والتآويل الحرفية هي التي تقف وراء ذلك؟ كيف السبيل إلى نحت صورة ايجابية مساواتية في الإسلام؟
إن العودة إلى كتاب الثعالبي روح التحرر في القرآن تمكننا من الرد على هذه الإشكاليات والإقرار بأن استبعاد النساء وتحريم الظهور بين العموم على النساء واشتراط وضع ستار على الجسد باسم تجنب ارتكاب الفواحش وهتك الأخلاق قد كانت له أسوأ العواقب وأشد النتائج العكسية مثل التبديد وسوء التدبير عند الرجال والحرمان من الجمال والحصول على نماذج من النساء قاصرات غير قادرات على التصرف في بعض المكاسب الذاتية مثل ما ترثه من ثروات ، يقول الثعالبي:" فهذه المرأة التي لم تعرف لأي شيء قط من الحياة، هل يمكنها أن تحسن التصرف؟ وهل يمكنها أن تعرف أي شيء عن العالم الخارجي؟ وهل يمكنها أن تدرك قيمة أو أهمية شيء ما؟"
هكذا يدعو الثعالبي إلى تحرير "المرأة المسلمة" ويرفض الانزواء وشرط انفرادها بصحبة أحد المحارم ويحمل على منطق الوكالة والوصاية القانونية التي يمارسها عليها الرجل ويتناقض مع وجوب الستر والإخفاء والحجب تفاديا للفتنة والشذوذ وسوء الآداب ويربط ذلك بالكشف عن الوجه وحسن تربيتها وإعدادها إذ يصرح حول هذا الموضوع:"لو كان التعليم الإجباري واقعا مكتسبا لتمتعت المرأة بكامل حقوقها ولأدركت أنه لا وجود لأي نص يفرض عليها ستر وجهها ولا لأي نص يحكم عليها بالانزواء في بيتها كأنها في سجن ولعلمت أن من واجبها رعاية مصالحها ومصالح أبنائها والتفكير في مستقبلهم ومراقبة تعليمهم وتربيتهم وأنه من الضروري أن تتمتع بحقها في احتلال مكانتها في البيت وأن تأخذ نصيبها من حقها في الحياة ونور الشمس على قدم المساواة مع الرجل" .
يستدل الثعالبي على ذلك بأمور خمسة:
- آيات الحجاب تنطبق على نساء النبي وتفيد الاحتجاب عن الأنظار وليس ستر الوجه وبالنسبة إلى سائر النساء لا توجد أية آية تفرض عليهن الخروج محجبات.
- عادة ذم المرأة وستر الوجه عند النساء دخيلة على العرب والمسلمين وقد جاءتهم من الفرس واليونان والروايات الشرقية المنقولة إليهم عن الأمم الغابرة.
- الحالة البيولوجية والنفسية تعرف بعض التوتر عند الحمل والمحيض والنفاس وتستوجب الانزواء المؤقت والعناية بالذات تصديقا لقول الحبيب الكريم:"يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا" أي الوجه والكفين.
- لا وجود لأي حكم شرعي يحرم على المرأة المسلمة إظهار وجهها بل انه يحل لها أن تظهر بين العموم وتشتغل شرط التزام العفة وحسن الهيئة وإظهار الزينة للزوج .
- إجبار المرأة على التربية والتعليم وسيلة حاسمة لتثقيفها وتوعيتها وشرط كاف لتمكينها من سلاح تدافع به عن حقوقها وتنهض بواجباتها،لاسيما وأن "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة".
النتائج التي انتهى إليها الشيخ الثعالبي تتمثل في ما يلي:" إن خلع ذلك الحجاب معناه تحرير المرأة المسلمة وإشهار الحرب على التعصب والجهالة ونشر أفكار التقدم والحضارة وصيانة المصالح العليا للأسرة والتراث العائلي." ثم بعد ذلك يجوز أن تكون المرأة إمامة على المسلمين وآيته في ذلك قول الرسول عليه السلام:" أيها المؤمنون خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء".
كما تطرق هذا المصلح الزيتوني إلى حرية المعتقد عند المرأة وإمكانية زواج الرجل بغير المسلمة وذلك بقوله:" آية قرآنية تبيح أيضا الزواج باليهوديات أو المسيحيات دون أن ينجر عن ذلك الزواج إرغامهن لا فحسب على الارتداد عن دينهن واعتناق دين أزواجهن بل أيضا على عدم ممارسة واجباتهن الدينية. أضف إلى ذلك أن الرسول صلعم قد أمر المسلم في أحاديثه الشريفة باحترام ديانة زوجته ومساعدتها على إقامة شعائرها الدينية بكل حرية ومصاحبتها" إلى أماكن العبادة إن اقتضى الأمر ذلك.
فهل يجوز لنا القول بأن الحجاب بالنسبة إلى المرأة هو مسألة شخصية وهو رمز ثقافي يرتبط بالهوية وليست له أية إيحاءات دينية؟ وألا ينبغي أن نرفض نزعه بالقوة وفرضه بالقوة كما يحدث اليوم؟ وهل من المشروع التأويل بأن الإسلام ينتصر إلى فكرة المساواة الاجتماعية والقانونية بين الذكر والأنثى في إطار التكامل والتساكن القائم بينهما؟ إلى أي مدى يكون مشروع قيام حركة نسوية إسلامية أمرا ممكنا؟
يؤكد خليل عبد الكريم هذه الفكرة بقوله:"إن المرأة مخلوق سوى كالرجل لها كافة الجوانب مثله تماما: العاطفية الوجدانية والعقلية والنفسية والروحية..الخ، ومن حقها أن تعيش حياتها كالرجل مع مراعاة الفروق البيولوجية بينهما ولا يتصور أن مجتمعا يخالف ذلك يكون مجتمعا صحيحا" .
ينتصر شيخ الأزهر الأحمر إلى الرأي التجديدي في الإسلام الذي يمكن المرأة من أن تتمتع بكامل حقوقها ويركز على الزواج والعبادة والتفقه في الدين ويبحث في تجويد النظرة إليها وإعطائها مكانة تليق بها في المجتمع مما يساعدها على أداء وظيفتها على أحسن وجه بخلاف التفسير التقليدي الذي يحط من شأنها. يرفع الإسلام عن المرأة كل أشكال الضغوطات والتحرشات ويخفف عنها التكاليف وييسر لها أركان الدين ويمنحها حقوق وحريات في إطار آداب العشرة مع زوجها تبدأ بأخذ رأيها في الزوج بحرية تامة وحقها في رؤية خطيبها قبل عقد القران وتعرج على شرعية مقابلتها و ضيافتها للرجل في غياب زوجها وتنتهي بحقها في الاعتراض على طريقة مباشرة زوجها لها وطلب الطلاق وفصم عروة الزوجية إن كرهت الارتباط به ووجدت عنده عنة.
إن المرأة في الإسلام موضع تبجيل واحترام يصل إلى حد تمتعها بحق الدلال وإظهار الحسن والجمال ولكنها في الآن نفسه تقف جنبا إلى جنب مع الرجل في طلب العلم وفي ممارسة العمل وفي زمن الحرب والدفاع عن الأوطان ووقت السلم وتنمية المجتمعات وترافقه في السراء والضراء.
إن الأخطاء التي وقع فيها المفسرون والتي جعلتهم يشكلون صورة دونية عن المرأة في الإسلام هي:
- المماثلة بين وضع المرأة بالنسبة للرجل ووضع العبد المملوك بالنسبة إلى سيده.
- المشاكلة بين نساء الدنيا ونساء الجنة كما يرسمهن القرآن والأحاديث في صورة حسية ودنيوية.
- الحكم عليها من منظور المجتمع البطريوركي ومكانتها من جهة منظومة القرابة بمركز السلطة .
فمتى نتوقف عن اعتبار وظيفة المرأة هو مجرد إرضاء رغبات الزوج وخدمة أولي الأمر في المجتمع ؟ وألا ينبغي أن نؤهلها لكي تكون قادرة على الرفض والمقاومة وزعزعة أركان التصورات التقليدية والمجتمع البطريوركي؟
هناك فرق شاسع بين تكريم المرأة في النصوص الأصلية ومنزلتها في عهد التأسيس وفي التجربة النبوية وبين تحقير المرأة من طرف بعض الفقهاء والتقليديين ووضعها القانوني والاجتماعي المتدني في عصور الانحطاط وينتهي خليل عبد الكريم إلى القول:"إن الإسلام ليس مسؤولا عن تلك غير الصحيحة التي تشكلت عبر مصادر لم تستمد منه مباشرة، حتى الكتب التي يؤلفها مسلمون يوصفون بالحماس لدينهم فإن ما تحفل به لا يكون بالضرورة ملزما للإسلام أو حجة عليه، لأننا نعتقد أن مشكلة المرأة في الوطن العربي هي جزء من مشكلة هذا الوطن كله والذي يتناول مشكلة المرأة بالحديث أو حتى بالبحث والتمحيص لا يكون في تناوله بعيدا عن الأزمات التي تحيط بهذا الوطن حتى وان حاول أن يبدو موضوعيا أو محايدا" .
خاتمة:
"القرآن يحرر المرأة فيتحدث عن الوضع المتدني للمرأة في الجاهلية وكيف نهض بها القرآن فاعترف بإنسانيتها. وأنها ليست مجرد أنثى، ولكن إنسان لها كالرجل- حقوق وعليها واجبات فهي بهذا تتساوى معه في التكاليف والثواب والعقاب، كما أن الآية الفريدة [والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله] تفتح آفاق المجتمع، والعمل فيه أمام المرأة كالرجل سواء بسواء" .
مجمل القول أن الإسلام يدعو إلى احترام خلقة الطبيعة وسنن الكون ويدعو الى الاحتشام والعفة وينفي وجود صراع وجودي في التكوين بين الذكر والأنثى لأنهما ينتميان إلى النوع البشري ولكنه يلعن الفجور و تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال ويجعل العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة تكاملية تعادلية لاسيما وأنه سكن لها وهي سكن له ويعطي للمرأة كامل حقوقها بشكل متساو مع الرجل وخاصة الحياة والحرية والملكية والمسؤولية القانونية وإدارة الأعمال. لكن العولمة وما حملته من مآسي أثرت على وضعية المرأة تأثيرا كبيرا وجعلتها تتساوى أو تفوق الرجل في المعاناة ومعايشة أوضاع بائسة على مستوى الأجر والحقوق المدنية مثل الرعاية والسكن والتنقل. ألم يقل الرسول عليه السلام:"الجنة تحت أقدام الأمهات" وذكر في المأثور أن المرأة نصف المجتمع إن أعددتها إعدادا حسنا فكأنك أعددت جيلا كاملا.
اللافت للنظر أن خروج المرأة للعمل ضاعف العبء الذي ينبغي أن تتحمله وزادها مشقة جديدة إلى جانب مشقة تدبير شؤون المنزل والعناية بتربية الأطفال وهو ما عقد وضعية العائلة ودفع الرجل إلى تقاسم هذا الانشغال معها دون أن يوفق هو في الداخل وأن تحقق هي انجازات كبيرة في الخارج. وما نلاحظه أن وجه المرأة العربية يوحي بالتحديث ولكن ساقها مازالت غاطسة في وحل التقليد وأن هموم الوطن والأمة ومشاكل الاستبداد والاستعمار والفقر والمرض والبطالة تؤثر بشكل كبير في وضعيات النساء العربيات وتجعلهن يكابدن العديد من الصعوبات التي تمنعهن من الحلم بنيل ابسط الحقوق.
إن مصادرة حقوق النساء يحدث عند العرب باسم الأولويات: أولوية التحرير والتنمية والديمقراطية وحتى عندما يقع تبني مطالب المجموعات النسوية فإن ذلك من أجل التوظيف السياسي والاستثمار كقوة بشرية في العملية الانتخابية ومن أجل تجميل المشاريع الإيديولوجية الفاشلة يمينا ويسارا.
إن نضال المرأة في سبيل تمتعها بكامل حقوقها لا ينبغي أن يكون على حساب استضعاف الرجل والمس من حقوقه أيضا وإنما يقتضي احترام كرامته والتعامل معه كحبيب وشقيق وابن وزوج وأب وصديق.
إن الإنسان هو الذي يحدد ماهيته ومصيره وذلك بسبل اختياراته ونوعية أعماله وان المرأة هي ما تصنعه بنفسها ،فإن أرادت لنفسها الضرر والدونية تكون سببا للفساد وان سعت إلى الصلاح والنماء كانت مهجة الحياة وفردوس الوجود المشرق على الدوام وأم الإنسان معمر الكون والمستخلف في الأرض. فهل ينبغي تأهيل النساء من أجل الاندماج مع المحيط الخارجي أم يجب تأهيل الرجال من أجل الاعتراف بالمساواة والمشاركة الوجودية مع النساء؟ ألا ينبغي أن تتأسس حركة نسوية إسلامية من أجل عولمة بديلة تعمل على إنهاء كل أشكال التمييز والعنف والاستغلال؟ كيف يتحول خروج المرأة إلى قوة تغيير للمجتمع؟
فلنعمل معا في سبيل تخليص الذهنيات من النظرة الدونية إلى المرأة ولنفسح لها المجال حتى تساهم في التقدم والسمو بالوطن والإنسانية إلى أعلى مراتب المجد والتحضر.
المراجع:
خليل عبد الكريم، الإسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية، نحو فكر إسلامي جديد، دار مصر المحروسة، القاهرة 2004.
جمال البنا، المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء، عن موقع دعوة الإحياء الإسلامي في القرن 21.
كريستا فيشتريش، المرأة والعولمة، ترجمة سالمة صالح، منشورات الجمل، كولونيا- بيروت،2002.
عبد العزيز الثعالبي، روح التحرر في القرآن، ترجمة حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى 1985.
كاتب فلسفي
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
"الابتزاز" والاستثمار بقوة الشعوب... حسين الزعبي*      هذا الوزير من ذاك الأسد      مشاريع إيرانية صينية بقيمة 400 مليار دولار      هجوم أرامكو.. ترامب يبتزّ السعودية مجددا      ضربات جوية تستهدف ميليشيات إيران في البوكمال      أحد المشتبه بهم في قتل الحريري.. لاهاي تتهم سليم عياش بهجمات استهدفت 3 سياسيين لبنانيين      الشبكة السورية تؤكد تطبيق نموذجي "غروزني" و"الغوطة" في "خان شيخون"      لندن.. سنعمل مع شركائنا للرد على الهجمات ضد أرامكو السعودية