أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

عالم صغير تمزقه جدر كبيرة ... أ.د. محمد اسحق الريفي

مقالات وآراء | 2010-02-21 00:00:00
نجح الإنسان أيما نجاح في التغلب على بعد المسافات والحواجز الطبيعية التي تفصل بين الدول والشعوب، محولاً العالم إلى قرية صغيرة، عبر تكنولوجيا المواصلات والاتصالات، التي شهدت في هذا العصر تطوراً هائلاً، ولكنه أقام في الوقت ذاته جدراً عديدة تمزق هذا العالم الصغير وتعزل سكانه، بعضهم عن بعض.

وأخطر هذه الجدر، المشروع الصهيوني، أو الكيان الصهيوني، فهو أعظم جدار بين شعوبنا العربية والإسلامية وبين الشعوب الغربية. أدى هذا الجدار إلى عزلة نفسية كبيرة بين العرب والمسلمين من جهة، وبين الغربيين من جهة ثانية، والذي من أجل ضمان نجاحه، قام الغربيون، وخصوصاً بريطانيا، بتمزيق منطقتنا العربية إلى دويلات فتات، عبر حدود سايكوس-بيكو، محولين منطقتنا إلى بؤرة صراع وصدام حضاري، ومحولين بلادنا إلى بؤر للصراعات الداخلية، ولاستبداد الأنظمة الحاكمة فيها، ما أدى إلى نشوء جدر خطيرة بين الشعوب وهذه الأنظمة، وبين الأحزاب والتيارات السياسية.

ليس هذا فحسب، فالكيان الصهيوني مزق الشعب الفلسطيني إلى فئات، في فلسطين والشتات، وعزل هذه الفئات، بعضها عن بعض، عبر شتى أنواع الجدر المعنوية والمادية، مثل جدار العزل العنصري، الذي أخرج نحو مئة ألف فلسطيني مقدسي من مدينة القدس، وعزلهم عن أهلهم وإخوانهم هناك، ومثل ما يسمى خط الهدنة أو الخط الأخطر، الذي يفصل الداخل الفلسطيني المغتصب منذ 1948 عن باقي فلسطين المحتلة، ويفصل غزة عن الضفة الفلسطينية. وكذلك الجدار الفولاذي الذي تقيمه مصر، بإشراف وتمويل غربي، لعزل غزة عن العالم، خدمة للكيان الصهيوني، وإمعاناً في التنكيل بالشعب الفلسطيني المحاصر في غزة. وحتى في المنطقة الواحدة في فلسطين المحتلة، هناك جدر عديدة تمزق الشعب الفلسطيني، وتقوم هذه الجدر على أسس عنصرية صهيونية ويهودية.

ولا يزال العدو الصهيوني يقيم الحواجز بين العرب والمسلمين وبين الغربيين، عن قصد، وبمكر وخبث شديدين، ومع سبق الإصرار والترصد، لأن من مصلحة الكيان الصهيوني إبقاء الفجوة سحيقة بين الطرفين. وتأتي جريمة اغتيال الشهيد القائد محمود المبحوح في هذا السياق، حيث عمد الموساد المجرم إلى تزوير جوازات سفر أوروبية لتنفيذ جريمته، أو ربما استخدام عملاءه الأوروبيين لتنفيذها. والعدو الصهيوني أخبث مما نتصور، فهو يهدف على الأمد البعيد إلى التحريض على موجة شعبية، عربية وإسلامية، انتقامية ضد الغربيين، ليغير اتجاه الرأي العام الغربي، الذي شهد في الآونة الأخيرة تحولاً ملحوظاً وانقلاباً ضد كيانه الغشوم، ولا سيما بعد الحرب الصهيونية على غزة، وفضيحة متاجرة العدو الصهيوني بأعضاء الشهداء الفلسطينيين والعرب. ولا أستبعد أن يقوم عملاء الموساد المنتشرون في كثير من الدول العربية بموجهة اعتداءات ضد الأوروبيين والغربيين في بعض هذه الدول، والتاريخ الدموي للموساد يؤكد مقدرته على القيام بمثل هذه الاعتداءات.

وفي العالم الغربي، امتدت الجدر الصهيونية إلى الدول الغربية، فبدأت بعضها بإقامة جدر تعزل الجاليات العربية والإسلامية ومسلمي الغرب عن المجتمعات الغربية، بتحريض من الصهاينة واليمين المسيحي المتصهين، مثل جدار حظر الحجاب، وجدار منع المآذن، وجدار الدعم الغربي المستمر للكيان الصهيوني. وكذلك جدار الكذب الأمريكي، المتمثل في وعود كاذبة دأبت الولايات المتحدة على إطلاقها حول إحلال السلام في منطقتنا، وحول إقامة دولة فلسطينية. وهي وعود كاذبة، تهدف إلى إلهاء الشعب الفلسطيني عن غايته الحقيقية، وهي مقاومة العدو الصهيوني حتى إجباره على الرحيل من فلسطين، وإلى تكريس الانقسام الفلسطيني، وتمكين الكيان الصهيوني من نهب ما تبقى من الأراضي الفلسطينية في الضفة الفلسطينية وفي القدس، ومن تهويد القدس المحتلة وطرد سكانها العرب والمسلمين منها.

وكذلك جدار الإسلاموفوبيا، أو جدار الخوف من الإسلام، الذي أصبح ينظر إليه في الغرب على أنه إرهاب، والذي نجم عن الحرب الصهيوغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على ما يسمى الإرهاب الإسلامي، والذي أدى إلى تعامل الحكومات الغربية مع المسلمين على أنهم إرهابيون، وإلى عزلة المسلمين في الغرب، وتعميق الفجوة بين المسلمين والغربيين، عبر حواجز ثقافية ودينية وأمنية عديدة نشأت عن تلك الحرب الظالمة وغير المبررة، التي أذكت الصراعات في منطقتنا، وأشعلت الحروب الصهيوغربية ضد العرب والمسلمين، والتي تهدد الاستقرار والأمن العالميين.

ولن ينعم العالم بالأمن والسلام قبل هدم هذا الجدار المسمى "الكيان الصهيوني".

19/2/2010

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
ثورة لبنان... د. محمد الأحمد*      مسؤول سابق في بيت مال الأسد يطالب بفرض ضريبة 10 آلاف ليرة على كل "بصقة" في الشارع      طائرات روسية من "حميميم" إلى القامشلي لتأمين الدوريات مع تركيا      "الجنائية الدولية" توافق على فتح تحقيق بالجرائم ضد الروهنغيا      درعا.. هجوم يستهدف حاجزا للأسد في "جاسم"      إدلب.. ضحايا مدنيون في تصعيد للأسد وروسيا وإعلام الأخيرة يروج لعملية عسكرية جديدة      مجزرة ترفع عدد ضحايا القصف الإسرائيلي على غزة إلى 32 شخصا خلال يومين      "تحرير الشام" تطلق سراح الناشط "محمد جدعان"