أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

إرهاب الديمقراطية ـ إغلاق القنوات الفضائية نموذجا ... محمد جمول

مقالات وآراء | 2010-01-29 00:00:00
ما يريده أي نظام شمولي مستبد من شعبه هو أن يتحول إلى قطيع يمشي وراءه أو حسب تعليماته حتى من دون تفكير. وهذا يقتضي إسكات كل أشكال الاحتجاج والتساؤل والتفكير. والسبيل إلى ذلك إسكات كل صوت معارض ومصادرة أي أداة للتعبير، وحظر أي شكل من أشكال التنظيم سوى تلك التي تخدم المستبد أو النظام الشمولي. وفي مراحل متقدمة من نجاح المستبد في فرض إرادته يصبح الأخ مخبرا على أخيه والزوجة جاسوسة على زوجها. ويصبح حتى الحديث العادي أمرا غير محبذ لأنه يمكن في أية لحظة أن يحمل تأويلات غير محمودة العواقب.
الأنظمة الغربية الرأسمالية بصورتها الاستعمارية القديمة و" الاستحمارية" الحديثة استثمرت هذه العلاقة بشكل ذكي في تعاملها مع بلدان العالم الثالث وفي قمع كل من لا يعمل على خدمة مصالحها، وسحق كل من يعاديها. وبات واضحا مع سهولة انتشار المعلومة وتوافرها أنها تتعامل مع الجميع بقبضة استبدادية لا تعرف الرحمة، ولكن بغلاف ديمقراطي مخملي ناعم يحمل كثيرا من المسميات التي يصبح من لا يؤمن بها كافرا مأواه جهنم وبئس المصير، تماما كمن يعترض على أي نظام شمولي أو جماعة دينية متطرفة.
واعتمادا على آلتها الإعلامية الضخمة وجيوش من علماء النفس والاجتماع والبروباغندا تمكنت من تصوير كل ما تقوم به على أنه الحق الذي لا يرقى إليه الشك، وأنه يمثل كل الخير للبشرية جمعاء، وأنه الخيار الوحيد الصحيح وكل ما سواه باطل وشرير ومدمر للإنسانية. وإذا بنا أمام استبداد أصولي بامتياز يضعنا أمام انهيار، تبدو ملامحه واضحة، للقيم والبيئة والاقتصاد دفعة واحدة. ومع ذلك يصر على أنه الحق الوحيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تماما كما يفعل أي أصولي ديني متشدد.
يمكن القول إن هذه الممارسات التي تلبس لبوس الديمقراطية بدأها الأميركيون مع المكارثية التي وجدت أن من حقها محاسبة وسجن وملاحقة كل من لا يرضخ ويمجد القيم الرأسمالية بحجة انتمائه للشيوعية. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية ليجد العالم نفسه مطالبا، ونزولا عند رغبة العالم الحر الديمقراطي المتحضر بقيادة الولايات المتحدة، بتنصيب نفسه خصما وحكما وعدوا لكل من وقف في صف النازية وهتلر باعتبارهما أعداء للبشرية( وبالطبع لا أقصد الدفاع عن النازية. فقد تكون شريرة كفكر مثلما يقول عنها الأمريكيون وأتباعهم، ولكن ما أريد قوله إن الأمريكيين لم يكونوا أقل سوءا من النازية، ولا يتوقع أن يكون النازيون أكثر منهم إساءة وتدميرا للعالم عبر ما فعلوه في هيروشيما ونغازا كي وفيتنام، وما يفعلونه الآن في العراق وأفغانستان وفي العالم كله). ما أريد قوله إن مسألة تجريم الفكر قد تكون مقبولة حين تواجهه بفكر أفضل منه، أما أن تلاحق أتباعه ومعتنقيه بالسجن والتضييق والقتل لأن بعض أتباعه قد ارتكبوا جرائم، فهذا يعني ملاحقة الديانات الكبرى لأنه ما من ديانة إلا واقترف بعض رموزها جرائم بشعة. وهذا يعني أيضا ضرورة "اجتثاث" الثقافة الأمريكية المسؤولة عن إبادة الهنود الحمر وتدمير بلدان كثيرة مثل العراق وفيتنام وأفغانستان، تماما كما أصدر الحاكم العسكري في العراق بول بريمر قانون اجتثاث البعث لأن أشخاصا سفاحين من أمثال صدام حسين تسلطوا على الشعب العراقي وشعوب المنطقة.
والمشكلة أن المسألة لا تتوقف هنا. فالعالم يبدو محكوما بعقلية أمثال بريمر الذين أعطوا لأنفسهم الحق في إصدار القوانين والأحكام على كل العالم من خلال مجلس الشيوخ. فهم يقررون من هو الصالح ومن هو الطالح. وهم الذين يعرفون الحق من الباطل. ويحددون ما ينفع الناس وما يضرهم. ولذلك يصدرون قوانين معاقبة الدول ومحاسبتها حين لا يستطيعون توجيه المنظمات العالمية لتقوم بهذا الدور.
لقد باتت مفاهيم حرية التعبير وحرية الاستماع محكومة بأمزجة هؤلاء النواب الذين فرضوا أنفسهم على العالم كممثلين له وكأنه هو الذي انتخبهم. ويتصرفون على أنهم يعرفون مصلحة الجميع أكثر من معرفة هؤلاء لأنفسهم. وبناء على ذلك يعملون لوقف بث بعض القنوات الفضائية( مثل قناة المنار والأقصى) التي لا توافق هواهم وهوى إسرائيل بحجة دعم الإرهاب والحض على كراهية أمريكا والغرب، وفي الوقت ذاته لن يكون لديهم ما يمنع من خوض حرب على الصين لأنها تحاول الحد من حرية شركة غوغل بالشكل الذي ترى أنه يحفظ أمنها. وفي مرحلة لاحقة لا يمكن استبعاد إغلاق أية قناة لا تمجد الصهيونية والعم سام وتسبح بحمدهما . أما كان الأجدر بأمريكا ومن معها أن يقوموا بأفعال تجعلهم محبوبين من الجميع، بدلا من مطالبة الذين دُمرت أوطانهم وقُتل أبناؤهم على يد الأمريكيين والإسرائيليين بمحبتها؟ هل ننتظر أن يطلع علينا الكونغرس الأمريكي قريبا بقانون اجتثاث الإسلام والعروبة لأن صنيعتهم أسامة بن لادن وأتباعه ممن كانت الولايات المتحدة ذات يوم تسميهم " المقاتلين من أجل الحرية" ينتمون للإسلام والعروبة؟
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
مهجر مصاب بــمتلازمة "داون" وزوجته كفيفة وله طفلة... قصة من الوجع السوري      السجن 14 يوما للممثلة فيليستي هوفمان في فضيحة غش لدخول جامعات أمريكية      الجزائر.. 12 ديسمبر موعدا لانتخابات الرئاسة      لأول مرة وعلى استحياء.. "قسد" تعترف بالثورة السورية نكاية بالنظام      الأسد يبدأ باعتقال عرابي مصالحات درعا      هل تضاءلت حظوظ "المنطقة الآمنة".. واشنطن تتحدث عن مزيد من التفاصيل و"بعض التحصينات"      وزير أردني سابق يكشف عن تحذير أمريكي من مغبة التعامل مع نظام الأسد      الأسد يساعد موظفيه بقرض قيمته 100 دولار