أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

المدونات وسيلة تكنولوجية حديثة للتعبير الحر عن الرأى والإبداع والموقف

الكل يدرك أن شبكة الانترنت استطاعت احتواء العديد من الأصوات المكبوتة، عبر عدة وسائل إلكترونية وبرامج رقمية وسّعت دائرة البوح بكل شئ يتصوره الإنسان.

ومن بين هذه الوسائل، المدونات بكل أشكالها، فقد نزلت بكل ثقلها إلى الساحة الرقمية لتشكل قوة ضاربة ضد السلطة القمعية. هذا الكائن الرقمى الجديد الذى حير الخبراء والمتتبعين، واحتاروا فى تصنيفه. إذ أصبح ينحو منحى آخر غير الذى خلق لأجله، عبر المساهمة فى تطوير المشهدين الثقافى والإعلامي.

حقيقة المدونة

المدونة هى صفحة ويب، تعتمد على بعض التقنيات البسيطة، التى يستطيع أى شخص أن يتعامل معها بسهولة دون أى تعقيد برمجي. ومن خلالها يقوم المدونون بنشر أفكارهم وانطباعاتهم وتعليقاتهم الشخصية وذكرياتهم اليومية. والتفاعل المباشر بينهم وبين القارئ. إلا أن المدونات، وخصوصا فى اجواء الحرب الراهنة ضد العراق، خطت خطوات مهمة نحو الانتشار والتوسع، وأصبح لها ملايين القراء والمستعملين، مما جعلها تتخذ لنفسها حيزا أوسع ذا طابع إعلامى وثقافي، يعتمد عليه للوصول إلى المعلومة المحجوبة. حيث أضحى المدونون يشاركون فى صياغة أهم الأخبار الصحفية. كما اعتمدت عليهم مؤسسات إعلامية محترفة كمصدر أساسى للخبر. خاصة وان هناك اصحاب مدونات يكونون شاهد عيان على الحدث او انه يقع بالقرب منهم ويستطيعون الحصول على معلومات وتفاصيل اسرع من أى وكالة أنباء. وإذا أخذ فى عين الاعتبار ان أفضل المؤسسات الصحافية تعتمد مراسلا واحدا او بضعة مراسلين يقيمون "غالبا" فى عواصم الدول المعنية، فان تغطية أحداث تقع بعيدة عنهم غالبا ما يجعلهم يعتمدون على المصادر الرسمية فى نقل الخبر، بصيغته الأولى على الأقل، كما انهم يحتاجون الى السفر الى أماكن قد تكون بعيدة ويتطلب الوصول اليها عدة أيام قبل ان يكون فى وسعهم نقل صورة حية للحدث، فى حين ان كتاب المدونات، يستطيعون نقل هذه الصورة، فورا تقريبا. فاذا أضيف الى ذلك حقيقية ان المراسلين الأجانب قد لا يستطيعون الذهاب الى كل مكان، لأسباب أمنية، كما هو حاصل فى العراق او افغانستان او غيرها من الدول التى تعيش أوضاعا أمنية استثنائية، فان كتاب المدونات سيكونون أضافة إعلامية لا بد منها. بل الكثير منهم يتحولون الى "مراسلين" معتمدين إذا اتسمت مدوناتهم بالصدق والأمانة والموضوعية فى نقل الصورة.

من جهة أخرى ساهمت المدونات رغم محدوديتها التقنية، فى نشر الإبداعات الأدبية. فظهرت مجموعة من المدونات الأدبية التى تقوم على نشر إنتاجات فردية أو جماعية. وبذلك خرجت المدونة من وظيفتها الكلاسيكية، لتساهم فى تشكيل النشر الرقمي، وترسيخ مفهوم المدونة الثقافية وذلك من خلال الشراكة بين المدونة والثقافة.
وعلى غرار الدول الغربية، قام العديد من دور النشر بالبحث عن كتاب جدد، أصبح لهم تأثير مباشر على قراء مدوناتهم. وهذا اعتراف صريح يخدم المدونة كوسيلة للتأثير الثقافي.

المدونة فى نظر البعض فرصة حديثة متكافئة، للتعبير عن الرأى الآخر، الذى ظل حبيس الذات لسنوات طويلة، فعملت التكنولوجيا أخيرا على إخراجه والجهر به، ليصبح مسموعا بعدما كان مقموعا. والتحديات التى واجهتها المدونات خلقت منها منبرا إعلاميا وثقافيا مهما، يعبر عن وجهات نظر مختلفة. وبذلك نجحت فى استبعاد الجدل القائم حول نجاعة المدونين، فى التأثير المباشر على القرارات المهمة والأحداث الرئيسية.

وقد اهتمت شخصيات هامة عالمية بالمدونات، إلى درجة إنشاء مدونة خاصة بهم، تعكس أفكارهم وتوجهاتهم، من بينها مدونة الرئيس الإيرانى محمود أحمدى نجاد الذى حققت نسبة عالية من الزوار.

دعامة إضافية للنشر الرقمي

شكلت شبكة الإنترنت تغييرات أساسية على الصعيد الثقافي. والمدونة كتطبيق من تطبيقات الانترنيت ، شكلت بدورها عنصرا حيويا فى البيئة الثقافية، حيث أصبحت وسيلة متعاظمة الأهمية للنشر الإبداعي. إذ من الصعب تفادى أهميتها المباشرة فى تطوير النشر الرقمي. وقد قام العديد من الكتاب والمبدعين بتحويل مدوناتهم، إلى مجلات صغيرة قادرة على استيعاب كم هائل من النصوص والمقالات الإبداعية، مساهمين بذلك فى الترويج للمادة الأدبية على نطاق واسع. وهذا أخرج المدونة عن مفهومها التقليدي، وأصبحت عبارة عن كتاب أو مجلة إلكترونية مستعدة للمنافسة. وقد ساعد على ذلك ما تمتاز به المدونة من تقنيات بسيطة. كالتفاعل المباشر مع النص عبر حيز يتسع لتعليقات الزوار، فضلا عن التقنيات الأخرى التى تخدم القارئ. هذه المحاولات تركت صدى طيبا لدى الفئة المثقفة، التى وجدت فيها ضالتها. فالكثير من الكتاب أصبح لديهم مدونات خاصة تحوى جل إبداعاتهم.

وبخلاف المدونات الشخصية التى تعتمد على الذكريات والخواطر، كمادة أساسية لمحتواها. ارتكزت المدونات الثقافية على المادة الأدبية الإبداعية، لتتسم بالجدية التى تحقق هدفها المنشود، وهو مخاطبة الفكر العقلي، بدل الثرثرة بيوميات غالبا ما تسقط فى فخ الأخطاء اللغوية والأسلوب الركيك، الذى يجمع بين العربية الفصحى واللهجات المحلية، ولا يستفيد المتلقى منها شيئا.

ويسعى الكثير من الكتاب العرب لوضع ضوابط أدبية، تفعل الخطوات الإيجابية التى تنحتها المدونات الثقافية، حتى لا تخرج عن النسق السليم للكتابة، وتكمن الأهمية المحورية لهذه الخطوات في:

- الوقوف جنبا إلى جنب مع المواقع والمنتديات الثقافية لنشر لغة سليمة، فى زمن أصبحت كل مؤشراته تنذر بإمكانية انهيارها.
- توسيع الحقول المعرفية عبر الإنترنت.

وهذا نوع من النضال لا بد من مباركته ودعمه. لقد أخذ الكاتب على عاتقه رسالة أدبية شاقة، سعى لعصرنتها عبر مدونته، وذلك بإخراج ممتلكاته الأدبية للتعريف بها ونشرها، فى وقت أصبح فيه النشر الرقمى يتحقق بسرعة قياسية، بالإضافة إلى تعريض نفسه للمساءلة الأدبية المباشرة، مما يدفعه للتفكير وغربلة إبداعاته مرات عديدة، قبل إطلاق سراحها لتصبح مادة قابلة للتداول السليم. إذا فالمدونات سيكون لها دور كبير فى الحركة الثقافية المعاصرة، وتأثير إيجابى على الثورة الثقافية الرقمية . لذا وجب تشجيعها وإلقاء الضوء عليها ليكون لها بروز مميز على الساحة الثقافية.

الرهانات الثقافية للمدونات المغاربية

ما زالت المدونات المغاربية تعانى ضعف البنية التحتية، حيث اتجه العديد منها إلى الاعتماد على قنوات لغوية بسيطة تفتقر فى أغلبها إلى الأسس اللغوية المتينة. واتجهت أخرى إلى التخاطب بلغة موليير، بينما بقيت لغة الضاد محصورة فى بعض المحاولات المحتشمة، التى لا تعكس بأى حال من الأحوال المشهد الثقافى المغربى والقفزة النوعية التى يشهدها النشر الرقمي.

علما أن بعض الكتاب والصحافيين المغاربة بادروا إلى الوقوف بمحاولاتهم أمام الموجة العارمة من المدونات الشرقية. ورغم أنها مجهودات فردية محتشمة، فإنها تستحق منا كل التشجيع والتنويه، ويستحق منا أصحابها كل شكر. من بين المدونات المغربية التى وقفنا على تجربتها مثلا:

- مدونة الناقد الأدبى محمد معتصم التى تتضمن عددا من المقالات، دراسات، أخبار ثقافية، آراء شخصية حول المقروء والمنشور والمتداول فى الساحة الثقافية.
- مدونة الأديب عبد النور إدريس التى أنشأها خاصة بإنتاجاته الأدبية المنشورة ورقيا وغير المنشورة. والتى تعتمد على التقنيات المتوفرة فى المواقع الحديثة، من قسم للأرشيف إلى حيز خاص بالتعليقات.

- مدونة الباحث الميلود عثمانى وقد عرفها بقوله: "هى فضاء للتواصل والبوح والسفر والتعليق الحر" وقد أودع فيها بعض إنتاجاته الأدبية وآراءه فى بعض الأحداث والأخبار المغربية والعربية.

وتبقى الملاحظة الوحيدة فى هذه المدونات هى اعتمادها اللغة اللاتينية فى العناوين الرئيسية لأقسامها على الأغلب.
انطلاقا من هذه التجارب المذكورة، نستشف أن واقع المدونات الثقافية المغاربية، يبشر بتحرك مستقبلى يدعو إلى التفاؤل.

زويريق فؤاد
كاتب مغربي مقيم في هولندا

(30)    هل أعجبتك المقالة (31)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي