أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الاجتثاث بمعناه القلع لا يصلح في العمل السياسي .. مصطفى محمد غريب

الاجتثاث يعني القلع من الجذور لغير المفيد والمقيت وقد يكون مرضاً خطراً كالسرطان لا يمكن التخلص منه إلا باجتثاث ورمه في المكان المعين ، وعندما أعلن عن هيئة اجتثاث البعث في زمن الحاكم المدني الأمريكي " بريمر " قلنا على ما أتذكر وقَولنا لم يكن محاباةً أو دفاعاً عن حزب البعثصدامي ونظامه الدكتاتوري فهذه قضية مفرغ منها عندنا، إلا أننا وجدنا أن التسمية غير ملائمة وإنها لا تصلح إذا مورست سياسة عشوائية وبدون ضوابط وبدون تحديد لمن هم المعنيين بالاجتثاث ( الجزء، الكل، الفكر القومي للبعث) وفي حينها حددت المواقع الحزبية المسؤولة والمسؤولين من قادة وكوادر حزبية رفيعة لكن ذلك لم ينف أن العداء الشخصي والحزبي والطائفي لعب دوراً غير طبيعي خارجاً عن المسارات التي حددت على قاعدة " من تلطخت أيديهم بدماء الشعب " ولكن يبقى السؤال الملح
ـــ من يستطيع اجتثاث الأفكار بإصدار قوانين أو تشكيل هيئات رسمية؟ وبخاصة إذا كانت الطريقة تتشابه مع الطريقة القديمة التي انتهجها البعثصدامي مع قوى وأحزاب معروفة منها علماني وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي ومنها الإسلامي وفي مقدمتها حزب الدعوة الشيعي وغيره، ومن الأحزاب الكردية ، الحزب الديمقراطي وحزب الاتحاد الوطني وأحزاب قومية عربية بما فيها حزب البعث قيادة قطر العراق المعارض للنظام والمحسوب على سوريا، ولم يستطيع النظام الدكتاتوري وبما يملك من إمكانيات هائلة من اجتثاث هذه الأحزاب ولا أفكارها وأيديولوجياتها بسبب بسيط يعرفه الساذج قبل العالم لان هذه الأفكار والأيدلوجيات تخص طبقات وشرائح اجتماعية موجودة في المجتمع العراقي وإذا أريد اجتثاثها فيجب أولاً القضاء على الطبقة أو الشريحة الاجتماعية وهذا أمر صعب ومستحيل ولا يمكن تنفيذه بطريقة العنف بل هناك أسس سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تُسهل عملية ليس الاجتثاث ( القلع) بالمعنى المشار بل بطريقة سلمية بانتهاء دور الطبقة مثل ما كان في العبودية والإقطاعية وعدم قدرتها وفاعليتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع وفي تلك الحالة تنتهي أحزابها التي تشكلت على أسس طبقية أو تتحول إلى مصالح طبقات جديدة تختلف في المظهر ولكن تتقاسم الجوهر مع سابقاتها وهو الاستغلال والربح غير المشروع، من هذا المنطلق نعتقد أن الفكر القومي لا يمكن اجتثاثه ( قلعهُ ) بما فيه الأيديولوجية البعثية التي تمثل جزء من منظومة سياسية للقومية العربية وتمثل كغيرها شرائح اجتماعية ما زالت تلعب دوراً كبيراً في المجتمع العراقي وهي البرجوازية الصغيرة بشكل خاص ( راجع تأسيس حزب البعث ) والمجتمعات العربية بشكل عام وقد تكون الأحزاب القومية العربية غير البعثية في تلك البلدان تحتل المكانة نفسها في إطار نضالها القومي وهدفها ومشروعها المنادي بالوحدة العربية للأمة العربية ولا نريد الحديث عن مصداقيتها أو عدمها لتحقيق الهدف بالشعار أعلاه لكننا نعتقد أن الأفكار القومية لا يمكن أن تضمحل أو تنتهي بشكل آلي أو قسري بسبب بقائها في وعي الأفراد ومجريات سلوكهم المتشعب والمتشابك مع الملكية الخاصة وفي بعض الأحيان مع التوجهات الدينية، أن المشروع القومي المتعصب والمتطرف فشل تقريباً في أداء رسالته المبنية على القهر والاضطهاد وكراهية القوميات ومحاولات الصهر القومي في بوتقة القومية الأكبر، أما المشروع القومي الوطني التقدمي الواقعي المبني على أسس ديمقراطية وسياسية واقتصادية وثقافية وغيرها فهو ما زال في بداياته وقد ينفع كمشروع وطني على نطاق البلد الواحد أو عدة بلدان عربية في المستقبل وبما أن فكرة اجتثاث البعث عامة وكأنها تريد أن تقلع فكر قومية البعث والانتماء القومي وهو خطأ علمي وعدم فهم نوع الصراع الجاري في المجتمع العراقي وفي مقدمتها الصراع الطبقي ولو دقق هذا المفهوم بدون محاولة استنساخ تجارب أخرى بالشكل وليس المضمون كتجربة ألمانيا والحزب النازي لكان من الضروري عدم تسمية الهيئة باجتثاث البعث بل تغييرها إلى الوقوف بالضد من الفكر الشوفيني العنصري الإرهابي المتطرف ووفق منهجية وهو ما حصل في ألمانيا ولكن ليس عن طريق العنف والقسر بل بحل المشاكل الاقتصادية والمعيشية المعقدة بسبب الحرب والاحتلال وتقديم النموذج الديمقراطي وتحقيق روح المساواة في الحقوق واتخاذ إجراءات حقوقية شلت وحاصرت الفكر النازي القومي اليميني الشوفيني العنصري ثم منعت انتشاره بواسطة منهجية واقعية لخلق وعي جديد يناهض الفكر النازي وهنا تُبادر إلى الذهن أسئلة كثيرة
ـــ هل قامت الحكومات العراقية بدون انحياز ووفق طرق حضارية علمية بدارسة الواقع العراقي وظروف المنطقة؟ ـــ هل توصلت الحكومات العراقية إلى قناعة عندما غيرت اسم الهيئة إلى هيئة المساءلة والعدالة بضرورة تغيير الاسلوب؟ ـــ هل كانت الممارسات وإيجاد حلول واقعية للكثير من القضايا العقدية التي تهم مصلحة المواطنين وترسيخ مبادئ الديمقراطية والشفافية على أسس صحيحة في مسارها الطبيعي؟ ـــ هل توجهات الحكومات تجاه الفساد والمفسدين والحد من انتشارهما توجهات اتسمت بطابع قانوني مسؤول وإحالتهم إلى القضاء لاتخاذ ما يلزم ووفق القوانين؟ ـــ هل الدستور والقوانين الأخرى ساعدت في محاصرة أفكار الكراهية والتطرف القومي والشوفيني والعنصري والدكتاتوري وعدم تشجيع الفكر الطائفي الانعزالي الذي هو بالضد من الوطنية والمواطنة؟ ـــ هل خططت الحكومات بالحد من الفقر والبطالة والعوز وحل مشكلة البيئة الملوثة وتوفير الخدمات والسكن والتأميم الصحي والتربية والتعليم والعمل بشكل جدي لحل المشاكل المعيشية والآفات الاجتماعية ؟
وهناك العديد من التساؤلات الهادفة إلى معرفة كيف يمكن محاصرة الفكر القومي المتعصب والفكر الطائفي بشقيه السلفي والأصولي لكي نستطيع القول بعد الإجابات والتخطيط الصحيح أننا في الاتجاه المعالج وعدم تكرار تجربة الماضي وتحجيم الفكر الشوفيني المتطرف الناتج عن أيدلوجية تعكس تصورات عن " التعصب القومي والعداء والكراهية " والكفيل بالحد من انتشاره تحت واجهات أو مسميات معينة ، عند التدقيق في مجريات الأمور على الساحة السياسية وطريق المصالحة الوطنية نجد الكثير من المثالب لا بل الممارسات التي ساعدت على استمرار البعثصدامي في توجهاته المعادية للعملية السياسية والعمل إلى إحياء مشروعه القومي المتخلف والمتطرف بحجة الاحتلال والاتهام بالعمالة والمحاصصة وغيرها من المثالب التي حدثت خلال ( 7 ) سنوات بعد السقوط وقد نعترف أن الضجة الإعلامية وتخويف المواطنين بان البعثصدامي سيعود بانقلاب أو بواسطة البرلمان ساعدت على توسيع التوجس وكأنه حقيقة ستظهر بين ليلة وضحاها والمعروف أن هذا التوجه مرده التمسك بالسلطة وفرض الأمر الواقع ومن خلاله تمرير سياسة تخدم من يشجع ويساعد على انتشار هذه الإشاعة وغيرها من إشاعات مؤذية وبالضد من العملية السياسية.
هيئة اجتثاث البعث انتقلت تحت تسمية هيئة المساءلة والعدالة لكن سياستها لم تتغير وتوجهاتها بقيت تقريباً كما هي والعجيب في الأمر اتهام وجودها بالاقانوني ولا الشرعي وعدم الاستفادة من أخطاءها الأولى وتصوير عملية الاجتثاث عملية سهلة ( كن فيكن ) هو الذي أوقع هيئة المساءلة والعدالة ومن خلفها بمطبات تحتاج إلى التدقيق وتعديل مسارها والاقتناع أنه لا يمكن اجتثاث الأفكار والأيدلوجيات بمجرد وجود هيئات وإصدار قوانين خاصة بما فيها استعمال الاضطهاد الفكري والجسدي بدلاً من سياسة واقعية تظهر مدى الفرق بين الفكر الإنساني والديمقراطي الذي يؤمن بحقوق الإنسان ويعترف بحقه في الحياة واختياره الفكري وبين ذلك الفكر القومي المتطرف المكرس بالضد من الآخرين ويحمل بين طياته الكراهية والشوفينية والعنصرية وفي إظهار هذا الفرق يحتاج إلى نهج علمي وحضاري وشفاف وانتهاج سياسة واقعية وإجراءات قانونية تعتمد على تحقيق العدالة وتقديم من تلطخت أيديهم بدماء الشعب إلى القضاء ومحاسبتهم كمثال لنهج التوجه الديمقراطي وعدم تعميم الاتهام على الجميع بدون تمحيص ولا رقيب في هذه الإجراءات وغيرها من إجراءات ايجابية بالامكان حظر أي حزب أو تنظيم بما فيهم البعثصدامي بسبب تبنيه الإرهاب والعنف المسلح وفضح الفكر القومي المتطرف والفكر التكفيري والطائفي المعادي للديمقراطية وحقوق الإنسان وشلهم من الحركة بواسطة المنهج الوطني التقدمي الديمقراطي الذي يقف حاجزاً أمام التوسع بين الجماهير بواسطة التوعية المعرفية وتقديم الأدلة المادية التي تدينهم وفكرهم وترفع وعي المواطنين العراقيين.

(11)    هل أعجبتك المقالة (11)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي