أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

تحية إلي السيدة الجليلة .. في محنتها. ... محمد عبده العباسي

مقالات وآراء | 2010-01-08 00:00:00
السيدة الجليلة .. جميلة بو حيرد اسم المجاهدة العربية الجزائرية يطاول قامات النخيل ، ويضارع هضاب الأطلس العالي ، تلك التي ضربت المثل الأعلي في فداء وطنها والكفاح من أجل تطهير ثراه من دنس المستعمر ومن أجل أن ينال حريته من بين أنياب المحتل الغاصب..

كانت السيدة جميلة ولم تزل سيدة عربية آلت علي نفسها إلا أن تظل مقاومة ، وأن تظل نبراساً يضئ السبيل في ليل الظلمات لكل سيدة عربية ، انصهرت منذ سنواتها الأولي في بوتقة عشق الوطن والجهاد في سبيل نيل حريته ، والحصول علي الإستقلال لتحقيق العزة والكرامة ..

***

ذات صباح مشرق رائع ، يوم من أيام منتصف ستينيات القرن العشرين الرائعة جاءت جميلة بو حيرد لتزور مدينتي بورسعيد ، بدت في جمال شمس حانية أضفت دفئاً في الطرقات ، وغمرت الشوارع بضوء بهي وغمرتها بسحر ..

سيدة بيضاء الوجه ، باسمة الثغر ، يبزغ من عينيها ألق خلاب ، كانت معها " زهرة " زميلتها في الكفاح ، علي الفور أمر ناظر المدرسة الأستاذ محمد يوسف خضير ـ رحمه الله ـ بأن يخرج تلاميذ مدرسة الشهيد نبيل منصور الإبتدائية عن بكرة أبيهم لأستقبال موكب البطلة التي حكي عنها الأستاذ عبد الحميد أبو الذهب مدرس اللغة العربية حكايات وحكايات ..

رسم بكلماته ملامحها الجميلة في عيون صغار تربوا متعطشين لإستقبال القصص الجميلة ، واستقبال شخصيات تاريخية ـ وهم وقوف في احترام جليل علي الرصيف المقابل لمدرسة شمس الغلوم الإبتدائية ـ شخصيات ترسخت سيرتها في الوعي وصفحة العمر ـ يومئذ ـ لم تزل بيضاء بعد أن تركت بصمة خالدة وجدان الجميع وسطرت بشرف في صفحة الوطن وسجله الخالد أنصع الصفحات لأجيال تشتاق دوماً لروعة اللحظات ..

***

مرت سيارة بيضاء يطل من نافذتها اليمني الأمامية وجه أبيض زاهٍ نشر لوناً مثل شعاع القمر في وسط الظلام الدامس ..

كان القمر مبتسماً احتضن بعينيه وبحنان أم رؤوم كل تلاميذ مدرسة حملت اسم طفل شهيد اسمه نبيل منصور استشهد في سن التاسعة برصاص جنود الأعداء وهو يلقي بيديه الجميلتين كرات النار المتقدة والتي صنعها بنفسه ويلقيها علي معسكرات الإنجليز بمنطقة أرض الجولف ببورسعيد ، فتتصاعد ألسنة اللهب لأعلي دون أن تطالها يد الإنقاذ ..

***

مرت سيارة السيدة الجميلة بوحيرد بشارع سعد زغلول " الثلاثيني سابقاً " من أمام قشلاق السواحل القديم ، فانشرح الصدر وابتهج القلب ، وتعالت من بين شرايينه هتافات ملأت كل فضاء حتي بلغ عنان سماء تزحف نحو كبدها شمس رائعة .

وجه السيدة الفضلي عربي خالص ، أضاء علي الرغم من الشمس البازغة ليصنع وحده نهاراًُ متقداً بالحماس ، تراقص قلب الطفل وهفهف ورفرف بجناحين نبتا في التو لمرآه ..

تجلس كالملكة متوجة علي كل عروش الدنيا ، لا قلق يؤرقها ولا شئ أبداً سوي أن ترد بذراع بيضاء بضة علي جماهير أطفال يبداون الخطو نحو الحياة ، وعلي حين غرة كانت الجماهير قد خرجت تستقبل سيدة وقف لها العالم احتراماً وتوقيراً لدورها البطولي ، ابتسامة وجهها القمري ارتسمت عليه كأجمل ماتكون الإبتسامة ، بطلة ومجاهدة تداول اسمها في كل المحافل الدولية ، سمع بها المرء قبل أن يراها ..

عيناها نجمتان واسعتان ، وشعرها أسود يطوق بياض الوجه النقي ، ويدها تشير لكل من وقف لإستقبالها ..

لم أصدق أنني أري بنت الثلاثين عاماً وهي أمامي علي بعد خطوة واحدة ول أتقدم للمس يدها رغم أن السيارة مكشوفة ولا يوجد جند يصنعون متراساً بينها وبين الجماهير المشتعلة حماساً ووطنية ، وعزفت الموسيقي ، وانطلقت الأغاني الوطنية تشيد بالعروبة والإستقلال والمجد التليد ..

كأنما كانت تتعمد أن يرها كل الناس ، وتري كل الناس تتملي في وجوههم التي انبثق الدم فيها وهم يهتفون بحياة جميلة بوحيرد ورفيقتها المجاهدة زهرة ..

كان معلمنا في الفصل الدراسي قد أسهب في الشرح ، والكل في صمت وكأن علي رؤوسنا الطير ، مابالنا الآن نركض من خلف الموكب ، لقد خرجنا عن المألوف ..

كانت كلمات معلمنا تفيض بالبهجة والفرح وهو يحكي سيرتها العظيمة ، وعن ميلادها في حي القصبة بأحد أحياء العاصمة الجزائرية ..

كانت جميلة بوحيرد البنت الوحيدة لأسرة جزائرية قوامها سبعة أولاد ، وككل بنت في الجزائر ذهبت للمدارس ، وكانت التعليم في الجزائر تحت إشراف الإحتلال الفرنسي ، وكان من المتبع عدم ذكر اسم الجزائر علي أي لسان ..

وكان علي كل تلميذ وتلميذة أن يهتف في طابور المدرسة الصباحي :

ـ أمنا فرنسا ..

ولكن الروح المتمردة الكامنة بين جوانح البنت الصغيرة أبت وفي إصرار ألا ترددها ، وأطاحت في هذه السن الباكرة بكل التوقعات وهي تهتف من أعماق قلبها :

ـ الجزائر أمنا ..

غلت مراجل الدم في عروق مدير المدرسة الفرنسي ، والتهبت كل جوانحه واستشري أوار الغضب في نفسه وقرر علي الفور معاقبة الصغيرة عقاباً قاسياً تتراجع أو تقر وتعترف بأن ماقالته لم يكن سوي زلة لسان ، ولكن النفس الأبية والروح المتمردة أبت ألا يسكنها وجل أو خوف ، لم تلن عريكتها ، بل صمدت بروح وثابة ودافعت عن قرارها ..

في هذه المرحلة الباكرة من عمرها الغض نما حسها الوطني وامتلأت نفسها بروح النضال ، والشوق للمقاومة ..

التحقت جميلة بوحيرد بمعهد لتعليم الخياطة والتفصيل علي غرار ماكان يحدث لمن هن في مثل سنها ، ولم تكن تلميذة عادية ولكنها أبرزت مواهبها وبما حباها الله من ذكاء وقدرة كبيرة علي الإبتكار والتجديد والبراعة في تصميم الملابس ساعدها في ذلك ذائقة فنية عالية ففاقت قريناتها ..

وإلي جانب ذلك كانت تعشق الفروسية وتمتطي صهوة الجياد الأصيلة ، فهي تنحدر من أصلاب عرب بواسل روضوا الخيل ، وأمهات عربيات تمتعن بمواهب جمة في عالم الفروسية ، عشقت جميلة ركوب الخيا كانت ككل بنات جيلها تهوي الرياضة واتصف بأخلاق الفروسية الأصيلة ..

وحين اندلعت أوار الثورة الجزائرية حتي ألقت جميلة بنفسها في أتونها المشتعل ، ولم تقف في وسط الطريق لكي تقرر بل أقدمت وبعزيمة الأفذاذ وصارت ضمن الصف الأول في مهمة عدت هي الأساس لحرية الوطن ، فلا شئ يعلو فوق الوطن ..

***

كان الإحتلال الفرنسي قد أمضي مائة وثلاثين عاماً جاثماً فوق صدر الأرض الجزائرية ، والمقاومة في كل مكان لم يهدأ سعيرها ، وفي الشدائد يحتاج الوطن لأبنائه دون ما تفرقة ليدرأوا عنه كل ظلم ..

فكان علي جميلة وهي ابنة العشرين أن تجد نفسها في خضم الأحداث منضمة لجبهة التحرير الجزائرية ، كرة متوهجة تلقي في وجه المحتل الغاصب ..

وضربت الفتاة الجميلة جميلة أروع المثل ، فكانت أولي المتطوعات لنيل الشرف العظيم في زرع القنابلها في طريق تقطعها عربات قوات الإحتلال ومجنزراتها ، وبعد سيل من الخسائر التي مني بها العدو ، وضع اسمها علي قائمة المطلوبات ولكن ذلك كله لم يبعث في نفسها أي خوف ، أو يجعل روحها الوثابة ترتد عن هدفها ، حتي شاءت الظروف أن يتم القبض عليها في العام 1957 م وأن يزج بها في غياهب السجن بعد أن أصيبت برصاصة غادرة في كتفها ..

وجاءت الفرصة سانحة للمحتل كي ينتقم ممن أقضت مضاجع قواته ، وألحقت بهم العار ، وراح زبانيته يصبون جام حقدهم وغليلهم في تعذيب بدني هائل علي جسد ابنة العشرين الجميلة ، وبدأت رحلة التعذيب بالصعق بواسطة أسلاك الكهرباء في منطقة الصدر ، وعلي الأنف والأذنين ، وظلت في محبسها الفرنسي مدة ثلاث سنوات مستمرة ..

وفي صبر وجلد تحمل الجسد الضعيف كل وسائل التعذيب التي يمهر فيها الطغاة والبغاة ومن يتشدقون بالحريات بغية الحصول علي اعترافاتها أوالإدلاء بمعلومات عن رفاق الجهاد ..

وانعقدت جلسة المحكمة، ولم يرأف قضاة العدل بصاحبة البدن الضعيف ، وأصدروا بحقها الحكم بالإعدام ..

كان الحكم قاسياً علي فتاة في مثل عمرها ، ولكنه لم يضعف فيها روح الإعتداد بنفسها ، بل صرخت في وجوههم دون خوف أو فزع ، وبصوت أصم آذانهم :

ـ أعرف أنكم حكمتم علّي بالإعدام ..

وراحت تذكرهم بإدعاءتهم الواهية ، وهي تستطرد :

ـ انكم بذلك تغتالون الحرية التي تتشدقون بها في كل مكان ، واعلموا تماماً بأنكم لن تحولوا دون أن تصبح الجزائر حرة مستقلة ..

***

ومضت سنوات الكفاح مضنية وصعبة ، ولكن مهما طال الليل فلابد أن يأتي النهار ، وسطعت الحرية بشموسها البيضاء علي الجزائر ، وخرجت بعد نجاح الثورة في العام 1962 م مكللة بنيجان الغار ، عنقها يطاول السماء بعد أن ضربت " جميلة الجزائرية كما عرفناها وقتئذ بهذا الإسم " المثل الأعلي للمرأة العربية في كل مكان ، واحتلت دائرة الضوء ونالت مجداً لا يطاوله مجد في تاريخ المرأة العربية مما حدا بالفنانة المصرية ماجدة الصباحي أن تقوم بتمثيل دورها وإنتاج فيلم سينمائي ضخم يروي قصتها ، جسدت فيه ببراعة شخصية المجاهدة جميلة وأخرجه المخرج المصري يوسف شاهين ، ولازال هذا الفيلم يعرض علي شاشات التليفزيون ويحظي بأعلي نسبة مشاهدة لما قدمته جميلة من مثال تحتذي وتشرف به كل سيدة عربية بنضالها ضد المحتل الغاصب ..

إنها السيدة الجليلة التي لا زالت تعيش في وجدان كل عربي وجزائري ، لقد أطلقوا عليها في الجزائر اسم عمة الشهداء ، نعم هي كذلك بحق وصدق ، وحري بكل عربي شريف أن يشير علي صورتها ويفخر بأنها إحدي عماته ..

لم تكن جميلة الجزائرية سوي مجاهدة تحكي عن تجربتها في تواضع جم وأدب رفيع بأنها لم تقدم لوطنها سوي الواجب عليها ، قالتها في ثقة المؤمن وصدقه .

جميلة بوحيرد ستظل في وجداننا جميعاً ، ولن تغيب ، وهي تستحق منا كل ذكر حسن وأن نعلم الأبناء دور هذه السيدة وأن نرفع لها القبعات محيين ، وأن نرفع عنها أي غبن ..

تحية من قلبي للسيدة الجليلة تلك التي كتب قيها نزار قباني :
الاسم جميلة بوحيرد
تاريخ ترويه بلادي
يحفظه بعدي أولادي
تاريخ إمرأة من وطني
جلدت مقصلة الجلاد
ثائرة من جبل الاطلس
يذكرها الليلك والنرجس..

والتي ألف عنها كامل الشناوي مسرحيته الشهيرة " مأساة جميلة" ..
ـــــــــــــــــ
بورسعيد
مصر
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
قرار من حكومة "الإنقاذ".. 150 عائلة نازحة مهددة بخسارة أماكن إقامتها في إدلب      قوات الأسد تنقلب على ميليشيا سبق وأن أمرت روسيا بحلها      روسيا: نتفادى وقوع اشتباكات بين الجيش التركي وقوات الأسد      منظمات إغاثة دولية توقف عملها شمال شرق سوريا      مظاهرة في درعا وعناصر الأسد يهربون من غضب المدنيين      واشنطن: نحن خارج مدينة "منبج"      استقالة رئيس الاتحاد البلغاري بعد إساءة عنصرية في مباراة إنجلترا      روسيا: جيش النظام سيطر على كامل منبج