أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

على خلفية فضيحة "أجنحة النظام".. هل تعيد النرويجية "هوف" سيرة البحرينية "مطر"؟

منذ سنوات طويلة يتساءل السوريون بمرارة ممزوجة بالدهشة عن سر مساندة الأمم المتحدة بأذرعها ومنظماتها المختلفة لنظام بشار الأسد، دون أن يجدوا لسؤالهم جوابا، لا بل إن السؤال كان يكبر ويتعقد، كلما كُشف جزء من جبل التعاون بين الطرفين، وهو "تعاون" دفع السوريون فاتورته من دمائهم وأمنهم ومعيشتهم، بل حتى كراماتهم.

فبعد سلسلة غير قصيرة من "فضائح" التعاون الأممي-الأسدي، جاء الدور على معلومة جديدة وملغومة، كشفت عنها صورة نشرتها منظمة الصحة العالمية (التابعة للأمم المتحدة)، مع خبر يفيد بوصول أطنان من المساعدات الطبية للشعب الليبي إلى مدينة بنغازي، تم شحنها من مطار دبي.

بدا الخبر أقل من "روتيني" فمنظمة الصحة العالمية اليوم، ومنذ نحو سنة، تتصدر المشهد الدولي بوصفها رأس الحربة في التنسيق لمواجهة "كورونا"، ولكن الصورة المرفقة به، باحت بشيء لا يمكن السكوت عنه ولا المرور عليه "روتينيا".

فقد ظهرت في الصورة التي نشرتها منظمة الصحة، إحدى طائرات "أجنحة الشام" الخطوط الرئيسة لنظام بشار الأسد، والتي حلت بشكل شبه كامل مكان "السورية للطيران" بعد تهاوي الأخيرة وتآكل أسطولها.

ولـ"أجنحة الشام" تاريخ طويل من الانتهاكات التي استدعت فرض عقوبات أمريكية عليها، بدءا من نقل المرتزقة الطائفيين من سوريا والعراق، وانتهاء بنقل المرتزقة من سوريا إلى ليبيا ليقاتلوا بجانب الجنرال "خليفة حفتر"، مرورا بكونها –أي أجنحة الشام- الشركة المعتمدة والموثوقة إيرانيا ومن النظام لنقل كبار المجرمين بين دمشق وطهران، عبر بغداد، وفي مقدمتهم السفاح "قاسم سليماني" الذي قتل بعد وصوله مطار بغداد على متن إحدى رحلات "أجنحة الشام" بدايات العام الفائت.

وإذا ما أردنا أن نعدد كمّ الانتهاكات التي لعبت فيها "أجنحة الشام" دورا محوريا، فإن ذلك سيستغرق تقريرنا المخصص أصلا للتنسيق والتعاون المريب والمستمر بين "الأمم المتحدة" ومنظماتها من جهة، وبين نظام بشار الأسد من جهة أخرى... ولهذا سنركز على معطيات الحلقة الجديدة من الدعم الأممي للأسد، ونحاول ربطها بمعطيات أخرى، سبق أن كشفت "زمان الوصل" عنها.

ومن المهم قبل الدخول في صلب الموضوع أن نذكر –وللأمانة الصحفية- أن "أجنحة الشام" قالت قبل ساعات، وفي بيان رسمي إنها "تدحض وتنفي جملة وتفصيلا جميع المزاعم والاتهامات التي تداولتها بعض وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا بخصوص رحلاتها إلى بنغازي، وتؤكد الشركة من جديد بأن جميع هذه الرحلات الجوية إلى بنغازي كانت وما زالت تشغل بهدف نقل مدنيين وبعضها إنساني وهي مخصصة فقط لنقل الرعايا السوريين المقيمين في ليبيا بغيةً وصلهم مع وطنهم الأم سوريا".. وقد جاء هذا النفي في وقت لا يزال خبر المساعدات الطبية لبنغازي مع صورة طائرة أجنحة الشام، موجودا على الحساب الرسمي لفرع "الصحة العالمية" في ليبيا، ولم يجر عليه أي تعديل.. ما يعني أن "أجنحة الشام" اختارت تكذيب خبر المنظمة الأممية وصورتها، دون أن تقدم –أي الشركة- دليلا واحدا يدحض الخبر أو الصورة!

*ليست الأولى
أول ما يلفت في خبر منظمة الصحة العالمية في حديثها المرفق بصورة طائرة لـ"أجنحة الشام"، أن المنظمة استخدمت عبارة: "منظمة الصحة تواصل تزويد الشعب الليبي بالمساعدات الإنسانية"، وتشير كلمة "تواصل" إلى أن الشحنة الأخيرة المرفقة بصورة لطائرة من أجنحة الشام، ليست بالتأكيد الشحنة الأولى، وربما لن تكون الأخيرة، في ظل صمت "الصحة العالمية" وعدم تعقيبها، لا هي ولا المنظمة الأم (الأمم المتحدة)، على الفضيحة الجديدة (أقله حتى ساعة تحرير هذا التقرير).

أما الشيء الأكثر إثارة في القضية برمتها، والذي يزيد مساحة الشكوك بسلوك ونزاهة "الصحة العالمية"، فهو أن الممثلة الحالية للمنظمة، هي نفسها ممثلة المنظمة لدى نظام الأسد طوال 7 سنوات، امتدت بين 2012 و2019، ونعني بها "إليزابيث هوف"، التي حاذرت طوال سنوات خدمتها في حضن النظام أن تصدر ولو إشارة إدانة واحدة ضده، سواء في موضوع قصف المشافي، أو فيما يخص حصار النظام ومليشياته لمناطق مختلفة من سوريا، وترك أفرادها نهبا للأمراض والموت البطيء بسبب النقص الحاد في المستلزمات الطبية، لا بل إن "هوف" لم تكن تعترض حتى على سلوك النظام الممنهج في التضييق على وصول المساعدات القليلة، وتأخيرها وعرقلتها واستفزاز طواقهما.
كل ذلك وسواه كثير، لم يدفع "هوف" ولو لمرة للخروج عن "حيادها" القاتل، الذي ترفعه كغيرها من منسوبي المنظمات الأممية، بدعوى أن الأمم المتحدة وأذرعها وطواقهما لا يتدخلون بالسياسة ولا بالشؤون الداخلية للبلدان، وتارة بذريعة أنها تريد الحفاظ على روابط التنسيق مع النظام، واستثمار تلك الروابط للتخفيف عن المدنيين، رغم أن شيئا من هذا لم يحصل تقريبا، بل إن النظام كان وما زال يتصرف وفق ما يريد دون أن يقيم لأي منظمة أممية أي وزن تقريبا، ومن هنا كانت المنظمات الأممية في غالب الأحيان شهود زور وغطاء لممارسات الأسد، وسبيلا لتمويله ومواصلة الاعتراف به كحاكم "شرعي" لسوريا.

وإذا استرجعنا سيرة موظفين أممين وموظفات أمميات علموا ونسقوا مع نظام الأسد، فإن النرويجية "إليزابيث هوف" لا يمكن أن تختلف كثيرا عن البحرينية "خولة مطر"، والتي سبق أن كانت مادة لكثير من التقارير، المشككة بحياديتها ونزاهتها والمضيئة على علاقتها بنظام الأسد، والتي كان من بينها تقرير انفردت به "زمان الوصل" يتحدث عن انخراط "مطر" وموظفين أمميين آخرين، في انحرافات وتجاوزات تقدر بمليارات الدولارات، في إطار برنامج أممي لإعادة إعمار سوريا، فضلا عن تورطهم في مداهنة النظام، وإنذارهم لأي شخص في البرنامج من مغبة الحديث عن جرائم الأسد أو انتقاده.. انظر للمزيد

ولعلها ليست مصادفة بحتة تلك التي قادت الستينية "هوف" بعد خدمة 7 سنوات في ظل الأسد، لتكون ممثلة في بلد آخر تنهشه الحروب (ليبيا)، وتقدم مساعدات تحت ظل نظام متنازع علي شرعيته يقوده الجنرال "خليفة حفتر".

*تدجين
وطوال عقود خبر نظام الأسد، أكثر من غيره، طرق تضليل واحتواء، بل وحتى تدجين الموظفين الأمميين، ليكونوا شهود زور معه، وخدما –بعلم أو بغفلة- له ولأجندته، وإلا فما الذي يفسر أن يقع اختيار فرع منظمة الصحة في ليبيا الذي ترأسه "هوف".. أن يقع اختياره على "أجنحة الشام" دون غيرها من شركات الطيران، المنتشرة حول العالم، والتي تعاني كثيرا من العطالة وقلة الطيران، نتيجة تداعيات جائحة "كورونا".
فهل بحثت "هوف" وطاقمها مثلا عن شركة طيران لتنقل لها الشحنات الطبية إلى بنغازي، فوجدت جميع الشركات مشغولة وشاغرة، إلا أجنحة الشام (هي في الحقيقة أجنحة النظام)، أم هل غاب عن "هوف" ومنظمتها مثلا أن "أجنحة النظام" معاقبة منذ سنوات بسبب ما ثبت عليها من انتهاكات وتورط مباشر في الحرب بسوريا، أم هل غفلت "هوف" عن كل التقارير السابقة واللاحقة بخصوص نقل المرتزقة من وإلى البلد التي كانت تخدم فيه سابقا (سوريا)، وكذلك البلد الذي تخدم فيه حاليا (ليبيا)؟!

إن الإجابات عن هذه الأسئلة التي يعرفها أبسط متابع لأخبار سوريا أو ليبيا (فضلا عن أن يعرفها موظف أممي مرموق مثل "هوف").. إن إجابات هذه الأسئلة تحمل في طياتها مؤشرا على تواطؤ جديد، سيفسر لاحقا (إن تم تفسيره) بنفس اللغة الملتوية والمتلونة والزئبقية التي بررت بها فضائح أممية أخرى، من عيار أثقل أو أخف، وستُبقي الأمم المتحدة ومنظماتها أنفسهم خارج نطاق المساءلة والمحاسبة، ضمن درع سميك من "الحصانة" بوصفهم الرقباء على تطبيق القانون والساهرين على الأمن والسلم الدوليين، بينما سنبقى كسوريين حريصين على وضع كل من تورط في دمنا وأمننا ضمن دائرة الاتهام، حتى وإن عرفنا مسبقا أن من بيده القلم لا يدون نفسه في سجل الأشقياء.

زمان الوصل
(63)    هل أعجبتك المقالة (56)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي