أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

شيراك يدخل التاريخ... من المحكــــــــمة

سجّل القضاء الفرنسي، أمس، سابقة تاريخية عندما أمر، ممثلاً بقاضية التحقيق كزافيير سيميوني، باستدعاء الرئيس السابق جاك شيراك إلى المحكمة في تهم لا تتعلق بولايتيه الرئيسيتين (من 1995 إلى 2007)، بل لـ«فساد» ارتكبه عندما كان رئيساً لبلدية باريس.
وكانت القاضية قد بنت اتهاماتها على أن «بلدية باريس تحت إدارة شيراك، منحت عقود عمل وهمية» لأشخاص تربطهم مصالح سياسية مع حزب الرئيس في حينها، «التجمع من أجل الجهورية».
وجاء حكم سيميوني ليناقض مرافعة المدعي العام جان كلود مارين الذي خلص إلى عدم وجود أدلة، مطالباً بـ«طيّ القضية». ومن المرجح أن يستأنف مارين القرار، علماً بأنه يُنتظر أن تبتّ محكمة الاستئناف في الأمر في مدة تتراوح بين ستة أشهر وعام.
وأثارت إحالة شيراك إلى المحاكمة ردود فعل متباينة في الطبقة السياسية الفرنسية. فالأصدقاء والخصوم على حد سواء ممزقون بين حرج ذكر مساوئ الماضي، وتأكيد مبدأ أنه «لا أحد فوق القانون». أما أركان الحزب الحاكم (حزب شيراك الذي تحول إلى حزب نيكولا ساركوزي)، فقد تلونت تصريحاتهم بطلب «الرأفة لرجل لم يعد يستطيع أن يدافع عن نفسه». وسعى رئيس الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة جان ماري لوبن، كعادته إلى تمييز موقفه، عندما أشار إلى أن «الشيراكية ما هي إلا قمة جبل الجليد المخبأة»، في انتقاد روتيني لليسار واليمين على حد سواء، للاستفادة من «نزق المواطن الفرنسي» بعد مسلسل ملفات قضائية غطّت واجهة الأعمال في الأيام الأخيرة. قضايا لم توفر أحداً، من «كليرستريم» إلى محاكمة شيراك مروراً بالحكم على شارل باسكوا اليميني وكريستوف ميتران اليساري. وقد أسف أكثر من اشتراكي من أن «القضاء يصل متأخراً»، بينما اتهم زعيم الحزب المعادي للرأسمالية، أوليفيه بزانسونو، شيراك بأنه «سوبر كذاب»، معرباً عن أمانيه بأن تعني محاكمته «نهاية الحصانة الرئاسية».
وكان الرئيس السابق قد أقرّ خلال التحقيقات معه، بحسب ما سرّبته صحف قبل أسبوع، بأنه «سمح»، عندما كان عمدة باريس، بالتعاقد مع مكلفين لأن ذلك كان «شرعياً وضرورياً». وفيما أخذ على عاتقه «كامل مسؤولية» القرار، دافع عن نفسه بالقول «لم يحصل أي اختلاس لأموال عامة» بما أن «تلك الوظائف كانت ضرورية لحسن سير إدارة شؤون مدينة باريس».
ولم يُحاكَم أي رئيس فرنسي قبل شيراك في قضايا فساد. وظل الرجل يتجنب المثول أمام أيّ محاكمة، رغم أن عدداً من حلفائه ورفاقه السابقين أدينوا في اتهامات بالفساد، وأبرزهم ألان جوبيه الذي كان يهيّئه لخلافته. ولفت أكثر من مراقب إلى أنّ سنوات «الشيراكية» كانت مليئة بالملفات الوسخة، موضحين أن إفلات شيراك من شباك القضاء هو «معجزة تسبّب غصّة للجميع».
ومن المعروف أن عدداً من قضاة التحقيق حاولوا فتح تحقيقات معه عندما كان في الإليزيه، إلا أن محكمة التمييز أصدرت حكماً منع عنه الملاحقات «ما دام في سدة الرئاسة». ومن هنا، ما إن ترك الإليزيه في حزيران ٢٠٠٧ لينتقل إلى المنزل، الذي وضعته في تصرفه عائلة الحريري اللبنانية، حتى وجهت إليه أولى التهم في ٢١ تشرين الثاني من العام نفسه.
ومن أشهر الملفات التي حملتها سنوات الشيراكية، والتي وجهت بها التهم «مباشرة» للرئيس الذي أمضى أربعة عقود في العمل السياسي:
١ ـــــ ملف المساكن الشعبية التي حقق فيها القاضي إيريك هالفن، وحاول استنطاق شيراك قبل أن يُصدّ على باب الإليزيه. وانتهت المحكمة في تموز ٢٠٠٦ من دون أن تطال أي سياسي بارز.
٢ ـــــ ملف «إعادة ترميم مدارس المنطقة الباريسية»، وكانت مجمل الأحزاب الكبرى في قفص الاتهام، من حزب شيراك والحزب الديموقراطي المتحالف مع اليمين إلى الحزبين الاشتراكي والشيوعي.
٣ ـــــ ملف «مصاريف السفر» حيث عثر قاضي التحقيق رينو فان ريمبك الشهير في قضية «كليرستريم»، على إيصالات تشير إلى أن شيراك دفع نقداً مصاريف سفر تعادل مليونين ونصف مليون فرنك. إلا أنه مُنع مجدداً عن متابعة التحقيق بموجب الحصانة الرئاسية.
٤ ـــــ ملف «المأكل والمشرب» الذي خرج إلى العلن بعد تسلّم الاشتراكي برتران دولانويه عمدة بلدية باريس، فوجد فواتير بقيمة 2.14 مليون يورو كمصاريف تحت بند «ولائم ودعوات ومشروبات». لكن أسقطت الدعوى أيضاً بحجة «مرور الزمن».
٥ ـــــ ملف «لوائح شطب الانتخابات البلدية»، وقد حكم على عدد من مساعدي شيراك في القضية، من دون أن يستطيع القاضي التحقيق معه مرة ثانية بسبب الحصانة نفسها.
كذلك استطاع شيراك أن يتجاوز «فضيحة سكنه في منزل الإعارة» من آل الحريري عند خروجه من الإليزيه، من خلال تسليط أضواء الإعلام على نشاطه في قضايا البيئة والعالم الثالث، إضافة إلى المؤسسة الخيرية التي حملت اسمه، ما جعله في الأشهر الأخيرة «الرجل المفضّل لدى الفرنسيين»، وصاحب أكبر شعبية متجاوزاً بأبعاد «الدكتور كوشنير». والغريب في ردود الفعل على الحكم القضائي، أنّ الجميع رأوا أن «هذا الإنذار موجَّه أساساً إلى نيكولا ساركوزي» الذي يرى البعض أنه يحاول تدجين القضاء عبر مجموعة قوانين جديدة، قد تكون استفزّت القضاة. ورغم أنه «غير معنيّ مباشرة» بالقضايا الجاري التحقيق بشأنها حالياً، إلا أنه لا أحد يستطيع أن يضمن ألا تساهم هذه القضايا بفتح «ملفات قديمة ـــــ جديدة»، وخصوصاً أن اسم ساركوزي لم يكن غريباً عن قضية «كليرستريم»، إضافة إلى أن باسكوا الذي شبّهه البعض بـ«شمشون الذي يمكن أن يهدّ المعبد»، يطالب بفتح «مجمل الملفات ورفع السرية عن عمليات بيع الأسلحة».


 


حتّى كلبه خانه

 

القاضية كزافيير سيميوني التي أمرت بمحاكمة شيراك (باتريك كوفاريك ـــ أ ف ب)

القاضية كزافيير سيميوني التي أمرت بمحاكمة شيراك (باتريك كوفاريك ـــ أ ف ب)

يبدو أن دولاب حظّ جاك شيراك بدأ يدور في اتجاه معاكس لوجهة السعادة التي حكمت مسيرته السياسية. فكلبه سومو قد عضّه منذ أسابيع، ما اضطرّه إلى التخلي عنه، بحسب ما ذكرت وكالة «فرانس برس». ويرى البعض أن الرئيس نيكولا ساركوزي حنث بوعده بعدم ملاحقة سلفه في «ميثاق عدم الاعتداء»، الذي بموجبه تراجع شيراك عن الترشح لولاية ثالثة. كما رأى البعض أن شيراك نسي أو «تناسى» الحكم القضائي الذي قطع طريق الرئاسة على ألان جوبيه «وريثه المعلن»، وافترض آخرون أنه استطاع التحامل على نفسه وعدم الاتصال بدومينيك دو فيلبان بعد حكم «كليرستريم»، وهو الذي وضعه على منصّة الانطلاق نحو الرئاسة. وأشار مراقبون إلى أن الحكم على «عراب اليمين» شارل باسكوا، لم يؤثر على الرئيس السابق، على أساس أن باسكوا «قد خانه مع ساركوزي مرتين»، مرة حين دعما إدوار بالادور في انتخابات ١٩٩٥، ومرة حين سهّل لساركوزي الوصول إلى الإليزيه.

الاخبار
(5)    هل أعجبتك المقالة (4)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي