أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

إشكاليات العلمانيين ..رشا ممتاز نموذجا (7) ... محمد عبد الفتاح عليوة

مقالات وآراء | 2009-10-11 00:00:00
ومع إشكالية جديدة من إشكاليات العلمانيين، ولعلها تكون الإشكالية الجوهرية التي تنبني عليها فكرة العلمانية ذاتها، وهى عملية فصل الدين عن الدولة، وإطلاقهم على الدولة الإسلامية أنها دولة دينية "ثيوقراطية" بالمفهوم الغربي، وأنها تحكم بالحق الإلهي المقدس.
وهذه الإشكالية نابعة من خطأين وقع فيهما العلمانيون:
الخطأ الأول: الفهم الخاطىء للتجربة الغربية في فصل الدين عن الدولة.
والثاني: الفهم الخاطىء لجوهر الإسلام وتجربة الحكم الإسلامي.
ولتوضيح الخطأ الأول نقول: هل يمكن اعتبار تمرد الغربيين على سطوة الكنيسة تمردا على الدين ذاته؟ أو هل يمكن اعتبار رجال الكنيسة في أوربا في العصور الوسطي يمثلون بحق الدين المسيحي الصحيح الذي جاء به عيسى عليه السلام من رب العالمين؟ وهل كانت أقوال الإكليروس وتقريراتهم نصوص دينية مقدسة؟ أم لبست ثوب القداسة بلا مسوغ ؟
وللإجابة على تلك الأسئلة لابد من التعرف على تاريخ فكرة فصل الدين عن الدولة والأسباب المسوغة لها تاريخيا..

لقد تعرضت المسيحية الغربية لعملية تحريف كبيرة على يد القديس " بولس" الذي كان يطلق عليه "بولس الرسول" وهو الذي أثار موضوع ألوهية المسيح لأول مرة، مدعيا أنه"ابن الله"
والاسم الأصلي لـه هو "شاؤل " وهو كما يبدو من سيرته شخصية تآمرية ذات عبقرية عقائدية، وقد اشتهر أول حياته باضطهاد المسيحيين، ثم تحول فجأة ليصبح الشخصية المسيحية الأولى والقطب الكنسي الأعظم.

يقول المؤرخ الإنجليزي "ويلز": " وظهر للوقت معلم آخر عظيم يعده كثير من النقاد العصريين المؤسس الحقيقي للمسيحية، وهو شاؤل الطرسوسي، أو بولس، والراجح أنه كان يهودي المولد، وإن كان بعض الكتاب اليهود ينكرون ذلك! ولا مراء في أنه تعلم على أساتذة من اليهود، بيد أنه كان متبحرا في لاهوتيات الإسكندرية الهلينية، وهو متأثر بطرائق التعبير الفلسفي للمدارس الهيلنستية، وبأساليب الرواقيين، كان صاحب نظرية دينية ومعلما يعلم الناس قبل أن يسمع بيسوع الناصري بزمن طويل..."

لقد استطاع بولس أن يدمج العقائد التي كانت منتشرة في حوض البحر المتوسط إبان ظهور عيسى عليه السلام في عقيدة واحدة، نسبها زورا إلى المسيحية (عقيدة التوحيد)
وتلك العقائد هي:
1- اليهودية
2- المترائية: وهي عقيدة وثنية قديمة، قوامها الكاهن والمذبح، ترى أنه لا خلاص للإنسان إلا بافتداء نفسه عن طريق تقديم القرابين للآلهة بواسطة الكهان.
3- الأفلاطونية الحديثة: وهي عقيدة فلسفية تتلخص في أن العالم في تكوينه وتدبيره صدر عن ثلاثة عناصر:المنشئ الأزلي الأول، والعقل الذي تولد منه كما يتولد الابن من أبيه، والروح الذي يتكون منه جميع الأرواح.
4- الوثنية الرومانية: ديانة الإمبراطورية الرسمية، ومن مبادئها:
التثليث: (جوبيتر، مارس، كورنيوس) - عبادة الإمبراطور- تقديس الصور والتماثيل وعبادتها.
5- أفكار فلسفية: من أهمها: الفلسفة الرواقية، التي تعني من الوجهة العملية: الانقطاع عن الدنيا، وتعد إنكار الذات أسمى الغايات النبيلة، مناقضة بذلك الفلسفة الإباحية الأبيقورية التي كانت فاشية في المجتمع الروماني .
وتقوم هذه العقائد في مجموعها على ست دعائم :
1- الإيمان بالتوراة اليهودية .
2- اعتقاد الفداء والخلاص والوساطة بين الله والناس.
3- التثليث.
4- الحلول (تجسد الإله في شكل بشري).
5- تقديس الصور والتماثيل.
6- الهروب من الحياة (الرهبانية).
وهذه بعينها مبادىء المسيحية المحرفة التي اعتنقها الأوربيون منذ أن اعترف الإمبراطور قسطنطين بالمسيحية؛ بعد دعوته لمجمع نيقية المسيحي سنة (325)، الذي أعلنت المسيحية على أثره عقيدة رسمية للإمبراطورية الرومانية.
يقول الكاتب الأمريكي برنتن: "إن المسيحية الظافرة في مجلس نيقية - العقيدة الرسمية- في أعظم إمبراطورية في العالم مخالفة كل المخالفة لمسيحية المسيحيين في الجليل، ولو أن المرء اعتبر العهد الجديد التعبير النهائي عن العقيدة المسيحية لخرج من ذلك قطعا لا بأن مسيحية القرن الرابع تختلف عن المسيحية الأولى فحسب، بل بأن مسيحية القرن الرابع لم تكن مسيحية بتاتا".
كما أن التحريف لم يطل العقيدة فحسب، بل امتد أيضا إلى التشريع، فقد كانت المسيحية الحقة امتدادا لليهودية التي جاء بها موسى عليه السلام والتي كانت عقيدة وشريعة، لكن بولس استطاع أن يحصر المسيحية في اعتقاد لاهوتي غامض، مع بقاء المجتمعات الأوروبية على ماهى عليه من قوانين وثنية، فقد كان الرابط الذي جمع الكنيسة بالإمبراطور هو رابط المصلحة الدنيوية لكلا الطرفين لا غير، وإن كانت مصلحة الإمبراطور أرجح، وتنازله أرخص.
يقول المؤرخ داربر" إن هذا الإمبراطور الذي كان عبدا للدنيا والذي لم تكن عقائده الدينية تساوي شيئا، رأى لمصلحته الشخصية ولمصلحة الحزبين المتنافسين.. النصراني والوثني؛ أن يوحدهما ويؤلف بينهما، حتى أن النصارى الراسخين أيضا لم ينكروا عليه هذه الخطة، ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طعمت ولقحت بالعقائد الوثنية القديمة، وسيخلص الدين النصراني عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها"
هذه هي طبيعة المسيحية التي يؤمن بها الأوربيون، لم تكن دين سماوي يستحق التقديس أو منزها عن النقد والمراجعة، بل كانت خليطا من العقائد الفاسدة، ألبست ثوب دين سماوي على يد بولس اليهودي الأصل.
ونتج عن هذه الانحرافات في العقيدة والشريعة المسيحية أن ظهرت في المسيحية الأوروبية بدع شتى كانت المسوغ الأساسي لظهور الفكر العلماني كرد فعل مضاد لتلك الخرافات، وهذه البدع هي :( رجال الدين الاكليروس، والرهبانية، والأسرار المقدسة، وعبادة الصور والتماثيل، والمعجزات والخرافات، وصكوك الغفران )
وهذا ما سنتناوله في مقالة لاحقة
يتبع

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
"الخربة" يشفع لـ"ملحم بو مالحة" لدى عصابة خطف في السويداء      جزائريون يرفضون "العرس الانتخابي" ويقتحمون مراكز الاقتراع      حريق يودي بحياة 3 نزلاء في سجن سعودي      بعد مظاهرات غاضبة.. فرع "سعسع" يفرج عن 15 معتقلا من أصل 250 في القنيطرة      "إليسا" ترد على الحرس الثوري الإيراني      وفد "أستانا": توصلنا إلى تهدئة في إدلب ونرجوا أن تكون دائمة      تركيا: عودة السوريين إلى بلادهم ستكون وفق 3 معايير رئيسية حددتها الأمم المتحدة      قصف صاروخي يستهدف قاعدة أمريكية في العراق