أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الصورة المخادعة.. نظام منضمّ للمصلين

ما زال البعث يعالج كل قضايا البلاد وفق النظام المنضمّ العسكري الذي طالما قصم ظهر الشباب السوري من أجل تحرير الأراضي المغتصبة، ومن ثم قصف أعمارهم بالبراميل والطائرات والرصاص، وهذا ما أثارته لديّ صورة السوريين المنتظرين دخول صلاة الجمعة في دمشق وحلب بعد أن سمح النظام لهم بها على أنها نهاية الخروج من جحيم كورونا.

الصور التي انتشرت على أنها مثال لقدرة الدولة على معالجة الأزمات، وعلى انضباط السوريين المطيعين الذين شكرهم الأسد في اجتماعه الأخير مع فريق الصمود والتصدي للوباء، وفي نفس الوقت حذرهم من كارثة كبيرة..هذه الصور لم تكن وحدها التي تم تداولها فقد كانت صور التجمعات الكبرى أمام أبواب فروع السورية للتجارة مثالاً لاستهتار النظام بأرواح السوريين وامتهانه لكراماتهم، وهذه حقيقة ما يجري.

بين الصورتين تكمن حكاية سوريا الأسد منذ نشأتها وحتى خرابها، وما كان يريده النظام من أبواقه هي تلك الصورة التي يتم بثها على أنها الحقيقة، وبينما الواقع في الصورة الأخرى التي تشي بالحقيقة، وكانت فقط تؤلم السوريين وحدهم، وبعض الأشقاء والأغراب يصرخون أو يهمسون بنا لماذا كانت هذه الثورة إذا كنتم تعيشون في نعيم الأسد أي في الصورة الأولى.

قبل أن يدخل المحافظ إلى أية قرية في الريف كانت (تشطف) الشوارع، وتضاء أعمدة الكهرباء، وتوضع على واجهات البيوت والمحال التجارية أعلام الوطن وصورة القائد الأبدي، وهو يوم واحد في السنة وقد لا يكون، وأما بقية الأيام فهي الخراب والمحسوبية وتكميم الأفواه..أي الصورة الثانية.

قبل أن يذهب السيد (الرئيس) لصلاة العيد أو عيد المولد النبوي أو ليلة النصف من شعبان في المسجد الأموي تدخل المخابرات وتنظف كل شيء، وتغلق المحال، ويؤتى بالمؤمنين من الأفرع الأمنية لاستقباله مع جموع المنافقين، و(يشطف) السوق القديم، ويلقي مفتي دمشق عباءة الإيمان على كتفي السيد الرئيس المؤمن في صورة بهية للإيمان والتقوى وتعاضد المؤمنين في الدولة العليا المؤمنة..تلك هي الصورة الأولى.

في الواقع..في صورته الثانية يتم اعتقال كل من يشتبه به في السوق، وفي بقية الأيام يفترش الباعة و"الشقيعة" كل بلاطة في السوق، وتؤخذ الإتاوات من التجار، ولكل تاجر شريك أمني يحميه ويسرقه، وأما صغار العناصر فلهم جولاتهم، حيث لكل منهم إما (500 طربوش) أو قطعة قماش لتزيين التقرير الأمني بعبارات الولاء والثناء والإيمان.

هي دويلة البعث التي ابتلى الله بها السوريين منذ خمسة عقود ولم تخرج من صورتها الأولى حتى بعد كل هذا الخراب، وما زال الموقنون بها يمارسون هذا النظام المنضم حتى في لحظات الشوق للركوع، وأما خارج الكادر ثمة كل البقية الذليلة والجائعة تمارس زحامها على أبواب المؤسسات التي تديرها عصابات الاحتكار واللصوصية.

ثمة صورة ثالثة لبسطاء الحرية فوق الخراب وهم يتناولون إفطارهم بكرامة الرفض، وآخرون يمدون مائدة جماعية في مكان يشبه مقابر الأسد الجماعية، لكنهم أحياء.

عبد الرزاق دياب - زمان الوصل
(34)    هل أعجبتك المقالة (30)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي