أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

حصار درعا: سيمفونية العصافير يقطعها عواء الدّبابات

من درعا - جيتي

(لا).... تلك الشامخة ُ على السطر منذ فجر اللغة، المتأهبة في الحلق الطامحة للانعتاق لا يليق بها إلا الغضب..تلك ال (لا) غير جدير بقولها إلا سيدة الجنوب، والجنوب عصمة الجهات، وقِبلة القلوب، طرّزت سهولها بخَراج الشمس، وبربيع مُشتهى يَعِدُ بأغنية خضراء من نسل السّحب..

آذار شهرك الباهي ياسيدة البهاء، شهر ُعزّك حين غضبت لأطفالك: أطفالُك الذين آثروا أن يتدربوا على درس الإملاء على جدران المدرسة.

كان الدرس كلمة واحدة، حرفان .. سهلان بحيث يقدر أيّ مُبتدئٍ على كتابتهما، وصعبان لدرجة أنّ الخوف رانَ على القلوب والحناجر أربعة عقود يثنيهم عن كتابتها أو قولها أو حتى الهمس بها.

رسمت الأيدي الغضة الدرس بخط طفوليّ ربما لم يكن جميلاً بما ينبغي لنيل العلامة الكاملة إلا أنّ بعض حروف الأبجدية تملك زمام الجمال كيفما كُتبت، وتملك أيضاً القدرة على إثارة هلع الطغاة، كانت شامخة ً كجبل، واضحة كشمس تُجدّد كلّ صباح قَسَم َ الشّروق.

اعتقل العسس الأطفال، وبقيت (لا) تنتقل على جدران المدينة.

ذهب الآباء إلى الجلاد، قالوا له بصوت واحدٍ: أَعِدْ لنا أبناءنا كفاف عمرنا من زهور الأمل، رفض الجلاد، أبى، واستكبر، داسَ على الزهور التي ما نبتت أشواكها بعدُ.

يومها اندلق في شوارع درعا غضبٌ عارم ٌ بعمق الخوف المستكين في النفوس، بمدى القهر الكامن المتراكم على مدى سنين. الحناجرُ تهتف لا ..لا لقهر الماضي، لا للذل، لا لهدر الكرامات والحقوق، لا للحاكم الإله، درعا اليوم ليست درعا الأمس..

قالتها درعا بلسان كل السوريين وبآلام كل السوريين وأوجاعهم، على امتداد سجن ٍ كبير يدعى "وطن"، ساروا عُزّل إلا من قهرهم وكرامتهم وورود يلوّحون بها.

عُزّلَ .. والمدنيّ ُ الأعزل مشروع ٌ سهل لقتيل..والجندي ّ قاتل..كانت الرشاشات تعربدُ صليات متتابعة في الصدور العارية، وكانت الورود تتساقط على الأرض فيما الأرواح تَصّاعَدُ إلى السماء هازئة ً بـ"نيوتن" والجاذبية الأرضية.

أما (لا) فظلت شامخةً تصدح بها الحناجر الغاضبة والأيدي المضرّجة تدقّ باب َ الحرية الحمراء.

انكفأت الجموع إلى بيت الله "العمريّ" تداوي جرحاها، تَبِعهم الجنود إلى الداخل، بعد حقدٍ وصلياتِ رصاص..أرواح ٌ تُحوّمُ في فضاء المسجد، ودمٌ يسيل.. و(لا) مازالت تسير تحثّ الغضبَ، تجاوزت الجنوب إلى شمال الجرح. كانت دمشق وحمص وباقي أخوات الجرح في استقبالها عند مشارف الشوق المعتق، لم يكن ثمةَ دعوة لأحد، فالمريض لا يُدعى للشفاء، يأتي إليه بمحض ألمه.

جُنَّ جنون الطاغية، فقرّر أن يفعل ما فعله أبوه الطاغية الأكبر ذات مدينة تسمى حماه، وذات نهر ٍسالَ دماً حينها يسمى العاصي.

صدرت الأوامر في ليل غدرٍ، ومع دقائق الفجر الأولى من صبيحة 25 نيسان عام 2011 قطع عواء المجنزرات سيمفونية العصافير، كانت أرتال الدبابات وناقلات الجند تفض عذرية الهدوء على مشارف درعا، وسنابلُ الحقول الشاسعة تنحصد قبل أوانها تحت الجنازير، صرخ فتى يراجع درس التاريخ استعداداً لامتحانٍ مدرسي :جدي ..جدي انظر هاهي دبابات جيشنا العربي السوري ذاهبة ٌ لمحاربة الصهاينة وإعادة أمجاد اليرموك ! أجابه الجدّ المحدّق بالدبابات: يبدو أن يرموكهم معنا يا ولدي.

ولعلع الرصاص في كل أرجاء درعا التي استفاقت وقد أُطبق عليها الحصار من كل الجهات، وبدأ الهجوم.

اقتحم الجنود البيوت َبحثاً عن (لا)، فتشوا، نبشوا، بحثوا في كل مكان عن (لا)، اعتقلوا كل شيء يمتّ لها بصلةٍ، اعتقلوا حتى كرّاسة السُّلَّم الموسيقي لمعلم الموسيقا، اقترفوا كل شيء ليسكتوها: قطعوا الماء، وكانت خزانات الماء على أسطح البيوت هدفاً، فلعل ّ(لا) مختبئة داخلها، قطعوا الكهرباء ووسائل الاتصال والطرقات، ردّوا الداخل إلى المدينة والخارج منها، قطعوا كل أسباب الحياة، وأضحت درعا مدينة محاصرة ً محرّمة. قتلوا ، نكّلوا ،خربوا، حطّموا، نهبوا، اعتقلوا، وبعد عشرة أيام وجرائم، تراجعت الدبابات ... قال ناطق باسم الطاغية: إنّ الجيش العربي السوري أنهى مهمته بملاحقة عناصر إرهابية في درعا، وإعادة الأمن والاستقرار والسلام إلى المدينة، ثم صدحت أغاني الانتصارات.

قال معلم المدرسة: ما أقسى الصيادين، يُطلقون النارَ على العصافير، فقط لأنها تزقزق.

قال روائي: انسحبت الدبابات ولم ينسحب الجنود، مازال للرواية فصولٌ قادمة. قال مسرحيّ: غير متكافئٍ هذا الحوار..حوارُ الورد مع البندقية، لا بدّ من حوار آخر.

قال شاعر: جنوبَ درعا، تكون الحربُ يا قزماً لا في الشّمال ، فهذي الشّامُ لا النّقبُ تغورُ أنتَ ويبقى الشّعبُ منغرزا كالطّودِ، ترقى ذُراهُ الشّمسُ والشُّهُبُ، في وسط المدينة أُمٌّ انغرزت حنطةُ حقولِ الوطن في ملامحها تصرخُ بشاهق ِ صوتها: الله، سوريا، حرية وبس والجموع من حولها صاخبة...

سليمان النحيلي - زمان الوصل
(45)    هل أعجبتك المقالة (36)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي