أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

أنشئت لأطفال سوريا اللاجئين.. هل أتت "النيران المشبوهة" على مجرد مدرسة يهودية أم على مشروع إسرائيلي أكبر؟

‏٣‏ ساعات النيران أتت على كل المدرسة - زمان الوصل

# ليس من الصعب ولا المستهجن أن تعثر على أطفال أو مراهقين سوريين منخرطين في المدرسة اليهودية، بل ستجد طفلا من مخيم اليرموك الفلسطيني، يتحدث عما عاينه من أهوال، قبل أن تأخذه المدرسة اليهودية في "حضنها".
# استثمرت "تل أبيب" جيدا في الملف السوري، معتمدة على انكسارات اللاجئين وعلى وحشية أسدية صيرتها حملا وديعا
# "عرب إسرائيل" طعم إضافي رمي للسوريين، الذين شتت بهم مشاعرهم وأذهانهم وتشتت، بأفظع من تشتتهم في معظم بلاد المعمورة.

في عالم تتناهشه الحرائق من كل نوع (عسكرية، صحية، اقتصادية...)، ومن كل حدب وصوب، يقول الخبر الذي يبدو عاديا للغاية، إن ألسنة اللهب اندلعت في مبنى مدرسة أسسها يهود في إحدى جزر اليونان من أجل احتضان أطفال اللاجئين السوريين في المقام الأول، دون أن تعرف ملابسات الحريق ولا الجهة التي تقف خلفه، فيما إذا كان مفتعلا.

ووفقا لتقارير صحف إسرائيلية ناطقة بالإنجليزية، اطلعت "زمان الوصل" على أحدها وترجمته، وصفت إدارة المدرسة الحريق بأنه مشبوه، منوهة بأن المدرسة أنشئت بمبادرة من "يهود وعرب إسرائيليين".

وقد دمر الحريق المدرسة (الواقعة في جزيرة ليسبوس اليونانية) بشكل كبير، ولكن إدارتها قالت إنها تتطلع إلى الأمام وستتحرك قدما، رغم مشاعر الصدمة والحزن على ما حصل، مشيرة إلى أن "المدرسة ملك لجميع الذين قرروا أن يشمخوا برؤوسهم عاليا، وأن يتشبثوا بالأمل والعمل، والمدرسة ملك لنا: نحن الطلاب والمدرسون ، والناس القادمون من: من أفغانستان، إيران، سوريا.... الذين يقررون يوما بعد يوم تحطيم جدران الخوف بيننا، يدا بيد ويعملون معا من أجل السلام".

وجاء حريق المدرسة بالتزامن مع تصاعد موجة العداء للاجئين في عموم اليونان، لاسيما الجزر التي عرفت باستقبالهم، ومنها ليسبوس، وارتفعت حدة الأعمال المناهضة للاجئين بعدما قررت أنقرة فتح حدودها على مصراعيها وغض الطرف كاملا عن تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين القابعين على أراضيها.

*الإنسانية فقط
وبالعودة إلى المدرسة، تبين لنا من خلال تصفح موقعها الرسمي ومتابعة ما نشرته أو نشر عنها من تقارير مصورة، أنها مشروع أقيم بالدرجة الأولى لاحتواء أبناء اللاجئين السوريين، الذي تدفقوا بشكل غزير على "ليسبوس"، وحرموا –أي هؤلاء الأبناء- من التعليم لفترات متفاوتة نتيجة ظروف الصراع المرير في سوريا، وأن هناك حوالي 3 آلاف طفل لاجئ قامت المدرسة باستقبالهم منذ إقامتها عام 2017.

المدرسة اليهودية التي تعد جزءا من مشروع أضخم، كما سنعرض لاحقا، لا تخفي إدارتها ولا القائمون عليها هدفهم الرئيس من تأسيسها، ألا وهو تغيير صورة "إسرائيل" في أذهان الشعوب التي تصنف هذا الكيان "عدوا"، مثل: سوريا، إيران، أفغانستان والعراق، وذلك عبر تحقيق التواصل والتعاون المباشر بين لاجئي هذه الدول وسواها مع "الناشطين" الإسرائيليين، الذي تمثلهم حركة Hashomer Hatzair Life Movement (سنرمز لها بـHHLM) العبرية، المؤسس الرئيس لمشروع المدرسة.

ومن هنا، فإن المدرسة حسب تصريح أحد القائمين عليها تحقق "الأفضل لإسرائيل"، وتجسد روح النشيد الوطني للدولة العبربة (ها تكفا)، أي "الأمل" بالعربية.

وتبدو المدرسة في موقعها الرسمي، حريصة على استخدام أكثر التعبيرات المنمقة في سبيل عكس ما تعده جهدا إنسانيا خالصا، لا تشوبه شائبة، ولا يرتجي سوى مساعدة الناس والتعاون معهم، وهدم الجدران بينهم، وبناء جسور الشراكة بينهم، محاولة الإيحاء بأن المدرسة ليست سوى جهد أناس لاجئين بسطاء من مختلف الدول، مثل ياسين من تونس، وأبو سمير ومحمد من سوريا، وجعفر من مصر، وهؤلاء حسب القائمين على المدرسة هم من أنشأوا قواعدها، باعتبارها (أي المدرسة) رمزا لتآخي الأمم.

· أب يلقن: "Israel very good"
تحليل التقارير المرئية عن المدرسة اليهودية، يقودنا إلى تصور محقق ولا لبس فيه، مفاده أن "تل أبيب" استثمرت في الحرب السورية فـ"أحسنت" الاستثمار، وأوجدت لها موطئ قبول في عقول وأذهان أفراد ينتمون لشعوب كانت تكره حتى سماع كلمة "إسرائيل".

وبالنظر إلى العدد الكبير للأطفال بين صفوف اللاجئين (أكثر نصف اللاجئين من الأطفال)، والحالة النفسية الهشة التي يكون عليها أي لاجئ مطارد بشبح القتل والاعتقال والتعذيب وهدر الكرامة، ومثقل بالخيبات والانكسارات، يرى أي قشة تمد إليه وكأنها سفينة إنقاذ فارهة، تماما كما في الحرب السورية بالذات.. بالنظر إلى هذا فإن "تل أبيب" عرفت من أين تؤكل كتف شريحة من ضحايا الحرب السورية، مستفيدة من حقيقة أن فظاعات الأسد ونظامه جعلت أشرس ذئب يبدو حملا وديعا بالمقارنة.

وعليه، فليس من الصعب ولا المستهجن أن تعثر في التقارير الإعلامية على أطفال أو مراهقين سوريين منخرطين في المدرسة اليهودية، بل حتى أن تجد طفلا من مخيم اليرموك الفلسطيني، يتحدث عما عاينه من أهوال، قبل أن تأخذه المدرسة اليهودية في "حضنها".

وستجد في تلك التقارير إشارات أكثر من واضحة على هدف المدرسة الأول، يبوح بها القائمون عليها أو العاملون فيها دون كثير مواربة، وإلى جانبهم مراهق سوري يشكر امرأة إسرائيلية عكفت على رعايته والاطمئنان عليه، موجها لها رسالة إعجاب باللغة العبرية، وغير بعيد عن هذا المراهق، أب سوري يلقن طفله الصغير ليقول أمام الكاميرا بإنجليزية مسطحة "Israel very good"

وستجد أيضا، وكل هذا مما عاينته "زمان الوصل"، شابا سوريا يدعى "عبد" قدم من أحد أحياء دمشق القديمة، وقد انخرط في المدرسة كمعلم للأطفال، يتحدث في مقطع بالإنجليزية وفي مقطع آخر بالعربية قائلا أنه اكتشف وجود أناس جيدين في صفوف الإسرائيليين ثم بدأ لاحقا يحبهم، وأصبح الكثير منهم أصدقاءه.

وإذا ما استعرضنا أسماء وجنسيات طاقم المدرسة اليهودية، فسنجد أنه مكون من 25معلما وإداريا، بينهم 3 من سوريا، هم: منار (عمرها 42 عاما وتدرس الرياضيات)، عبدالله (عمره 20 عاما ويدرس اللغة الإنجليزية)، فاطمة (عمرها 30 عاما وتدرس الإنجليزية)، فيما يشكل الإسرائيليون أغلبية بواقع 16 مدرسا وإداريا، مقابل شخصين لكل من إيران وأفغانستان، والبقية من الكونغو والكاميرون.

وتعني هذه الأرقام أن السوريين يحلون في المرتبة الثانية ضمن طاقم المدرسة من حيث العدد.

*الطعم
حركة HHLM التي أسست المدرسة اليهودية لاحتضان أطفال السوريين (اسمها بالمناسبة مدرسة السلام)، وحسب موقعها الرسمي الذي عدنا إليه، تعرف عن نفسها بأنها "شبكة من رواد الأعمال الشباب"، ينشطون في مجموعات تعمل ضمن "المحيط الاجتماعي الجغرافي لإسرائيل".
وتواصل الشبكة: "هدفنا الرئيس هو تعزيز المساواة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية في إسرائيل. نحن نعمل في أطر مختلفة، في مجالات التعليم والنشاط الاجتماعي، ونصل إلى عشرات الآلاف من الأطفال واليافعين والبالغين".
وتشرك HHLM مجموعة ممن يسمون "عرب إسرائيل" في مشروع مدرستها، وهذا ما يبدو مفيدا من وجهين، الأول تقديم صورة مخالفة للواقع عن "دولة" لا تفرق بين "مواطنيها" سواء كانوا عربا أم يهودا، والثاني يشرحه بكل وضوح أحد المشرفين على المشروع من "عرب إسرائيل"، الذي يقر أن "البداية كانت صعبة بسبب توجس السوريين من أي تعاون مع الإسرائيليين"، ولكن مع مرور الوقت أدرك السوريون أن في إسرائيل طوائف وقوميات مختلفة من يهود وعرب، وهكذا بدأ بناء جسر الثقة بين الإسرائيليين والسوريين، حسب قوله.
ووفقا لهذه الرؤية فإن الاستعانة بـ"عرب إسرائيل" جاءت كرسالة طمأنة وتهدئة خواطر ومخاوف، هذا إن لم نقل إنها جاءت بمثابة طعم إضافي رمي للسوريين وغيرهم من اللاجئين، الذين شتت بهم مشاعرهم وأذهانهم وتشتت، بأفظع من تشتتهم في معظم بلاد المعمورة.
*الوزير الحاخام الضابط
حين نتعمق أكثر في خلفية HHLM، سنجد أن لها مجموعة من الممولين والرعاة والشركاء، منهم حوالي 10 جهات رسمية، ويتقدم هذه الجهات الحكومية، وزارة تطوير الجليل والنقب، الذي يتولاها منذ عدة سنوات السياسي اليهودي المتطرف "إرييه درعي"، أحد مؤسسي حزب "شاس" الاستئصالي ورئيسه الحالي، وصاحب الحقائب الوزارية المتعددة ضمن الحكومات المتعاقبة منذ 1988، والشاغل حاليا لمنصب وزير الداخلية ووزير وزارة تطوير الجليل والنقب.
ومن بين الرعاة والشركاء، وزارة التعليم التي يفترض أن يدل اسمها على مهمتها دون الحاجة لأي شرح، في حين أن تاريخ هذه الوزارة في النهاية يكشف أنها أداة تعبئة إيديولوجية تخدم بكل دقة وتفان هدف إسرائيل النهائي في التحول إلى كيان يهودي "خالص"، محمي بالبسطار العسكري.

ولأي شخص يشكك في هذا الكلام، له فقط أن يلقي نظرة عجلى على اسم وسيرة وزير التعليم الحالي "رافي بيرتس" الذي يشغل رئيس تكتل الأحزاب اليمنية المتطرفة، وينافس في تشدده أي حزب أو تكتل عرفته الدولة العبرية، و"بيرتس" بالمناسبة لا يشارك "درعي" تطرفه فقط، بل يتشاركان أيضا في أصلهما العائد إلى المغرب.

وقد خدم "بيرتس" 6 سنوات متواصلة في منصب رئيس الحاخامات العسكريين ضمن جيش الاحتلال، وما تزال صورته بالبزة العسكرية وبرتبة العميد هي المفضلة لديه، حتى بعد توليه وزارة التعليم، وهي الصورة المعتمدة له في موسوعة "ويكيبيديا" العالمية.

وكمختصر موجز عن تاريخ "بيرتس"، نستذكر واقعة طازجة جدا بمقياس التاريخ، حدثت قبل بضعة أشهر عندما شارك هذا الوزير بنفسه في تكريم واحد من أعتى حاخامات اليهود، الحاخام إسحق جينزبورغ، حيث سلمه "جائزة التوراة والحكمة".

ويتزعم "جينزبورغ" مدرسة دينية تغذي روح الإرهاب في النفوس، وقد ولدت من رحم أفكارها وتحريضها مليشيات "تدفيع الثمن" ومليشيات"شبيبة التلال"، بكل ما لديهما من سيرة إجرامية.

أما أشهر "مآثر" الحاخام "جينزبورغ" فهي تأييده العلني الكامل لقتل غير اليهود (الأغيار)، ومباركته المجزرة التي اقترفها الإرهابي "باروخ غولدشتاين" في الحرم الإبراهيمي عام 1994، حين انقض بسلاحه الرشاش على المصلين (في صلاة فجر يوم من رمضان) فأوقع منهم 180 بين قتيل وجريح.

*الحارس الشاب
رغم أن "مدرسة السلام" في جزيرة ليسبوس هي أهم مشروعاتها، التي تصدرت الصفحة الأولى لموقع HHLM، فإن الضغط على الرابط يحيلنا إلى صفحة "غير موجودة"، وهذا حتما ليس ناجما عن خلل، فالروابط الأخرى تفتح دون مشاكل، كما إننا جربنا فتح رابط المدرسة عدة مرات ولكن دون جدوى، وهذا ما يثير التساؤل عن الوجه الحقيقي للمدرسة، وفيما إذا كانت فعلا معدة لاحتضان الأطفال وتعويضهم عن نقص التعليم وبناء الجسور بين الشعوب، أم إنها موجهة للاستهلاك الخارجي و"مخصصة لتصدير" صورة محسنة للدولة العبرية، بوصفها معقلا من معاقل الإنسانية ورفض الديكتاتورية، في حين أن الخط الغالب على حكومتها وأحيانا المزاج العام لدى شعبها يسير في اتجاه معاكس، يرفض الاعتراف بـ"الأغيار" فضلا عن مساعدتهم، ويحبذ بشدة أن يتسلط المستبدون المجرمون على هؤلاء "الأغيار" فينكلوا بهم أشد التنكيل.

وترتبط HHLM بالمنظمة الأم Hashomer Hatzair التي تعني "الحارس الشاب" وتعد منظمة الشبيبة الأولى لدى اليهود، وقد مضى على تأسيسها نحو 107 أعوام، ومن المستبعد أن تجد عسكريا أو سياسيا يهوديا لم ينخرط فيها أثناء شبابه، أو يعمل لصالحها باعتبارها منظمة معنية بتنشئة الفتيان على حب "أرض إسرائيل".

وتصف المصادر العبرية المعتمدة منظمة Hashomer Hatzair بأنها المنظمة التي سجلت "على مر السنين، فصولا مجيدة في تاريخ الشعب اليهودي والمشروع الصهيوني، من إنشاء الهستدروت، وإنشاء الصندوق القومي اليهودي، وتأسيس عشرات الكيبوتسات (المستوطنات) في جميع أنحاء البلاد (فلسطين)، والهجرة (تشجيع واستيعاب هجرة اليهود).. وإنشاء البلماخ (مليشيات إجرامية) وإنشاء جيش الدفاع الإسرائيلي".

إيثار عبدالحق- زمان الوصل- خاص
(39)    هل أعجبتك المقالة (37)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي