أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

حوارُ "الأبوجيّة" والنّظام.. تجميلُ القبيح وتنازلاتٌ بالمجّانْ*

إلهام أحمد - جيتي

تحاولُ إلهام أحمد رئيسة الهيئة التنفيذية لـ"مجلس سوريا الديمقراطي" (مسد) إيهام المتلقي بأنها أحرزت انتصاراً عظيماً، وهي تسوّق لموافقة النظام على الحوار مع إدارتها المزعومة.

غير أن ما لم تقله إلهام أحمد في حديثها للشرق الأوسط في التاسع من الشهر الجاري، هو أن روسيا نجحت -كما كان متوقعاً- في فصل المسار الكرديّ عن مسار شرقيّ الفرات و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).

ذلك المسار الذي طالما تمسك به حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، واستخدمه كمظلةٍ منحته دعماً دولياً، ومكنّته من دخول التحالف الدولي ضدّ تنظيم "الدولة الإسلامية".

هذا ما يمكنُ قراءته بين سطور حديثها عن موافقة دمشق على التفاوض مع الإدارة الذاتية، التي لا تضمّ حكماً أهالي دير الزور والرقّة المنضوين في قوات  "قسد" ومجلسها الديمقراطي "مسد" ، حيث يمثلهم مجلسا دير الزور والرقة المدنيّين المستقلّين.

ويمكن استنتاج ذلك مرةً أخرى من حديثها عن أن موضوع "قسد" -الذي تتحدث بوصفها رئيسة مجلسها السياسي- هو عسكريٌّ بحت، يتولى مناقشته القادة العسكريين، وهو بلا شك إن تمت مناقشته منفصلاً عن المسار السياسي، فلن يؤدي في أحسن الأحوال سوى إلى إدماج هذه القوات في جيش النظام، الذي سوف يستخدمها في طريقه الذي رسمه لقمع الثورة.

دأب "حزب الاتحاد الديمقراطي" (PYD) خلال السنوات الماضية على التحدث باسم كلّ مكونات شرقيّ الفرات، وادّعى تمثيلهم بعد أن قتل ونفى وهجّر كلّ معارضيه، في محاولةٍ لإبعاد الصّبغة القومية عن نهجه السياسي، الأمر الذي مكّنه من الاشتراك في التحالف الدولي ضد داعش، وتلقّي مساعداتٍ مالية وعسكرية ضخمة، لم يكن ليحصل عليها لولا هذا الغطاء السوري، الذي وفره له العرب والتركمان والمسيحيون، بانضوائهم في تحالف قوات سورية الديمقراطية.

غير أن تمسك الحزب بهذا التحالف حتى النهاية، قد يُفسد عليه فرصته بالفوز بحصةٍ من الكعكة، في ظلّ عدم جدولة الوجود الأمريكي في سوريا، واستعادة النظام غالبية المناطق المحررة بدعمٍ روسي وإيراني، الأمر الذي دفعه للتخلي عن شركائه في سبيل نيل حصته القومية، والظهور بمظهر المنتصر بين الأكراد، الذين طالما اتّهموه بالتخلي عن الصّفة القومية، وإيهامهم بأن دوره لم يقتصر على مؤازرة النظام في وجه الثورة، بل طال أيضاً حقوقهم القومية التي عجزت باقي الأحزاب الكردية عن نيلها لعقودٍ طويلة.

لم يكن مستبعداً تخلّي الحزب عن شركائه عند أول منعطف، فالحزب سليل العمال الكردستاني PKK، صاحب التاريخ الزّاخر بالانتهازية ونقض العهود والتملّص منها والتخلي ليس عن شركائه فحسب، بل حتى عن أبناء جلدته إن وجد في ذلك مصلحةً له مهما تكن آنيةً وصغيرة.

غير أن المستغرب هو التخلي عنهم بالمجّان، وحتى بدون أي وعد حقيقي بالتفاوض، ولا تبيانٍ واضح للإطار الذي سوف يجري فيه هذا التفاوض، فيما إذا كان ثنائياً يقتصر على الحزب والنظام فقط، أم أنه سوف يكون جزءاً من حلّ شاملٍ تخرجه روسيا وفق رؤيتها لحلّ الأزمة السورية، وهو ما يدل بشكلٍ قاطع على أن النظام لايتحاور معهم، بل يحصل بالاتفاق معهم على تنازلاتٍ عبر موظف في الخارجية الروسية لم تعرف رتبته، فقد يكون مجرد موظفٍ عادي ليس له أيّة صفةٍ دبلوماسية.

وهذا ما يؤكده تصريح السفير الروسي في دمشق ألكسندر يفيموف بعد يومين من لقائها، حين اعتبر الوجود الأمريكي عائقاً للحوار بين النظام والأكراد، والذي لا يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية، إلا إذا تمت استعادة السيادة السورية على الشمال الشرقي السوري وشرق الفرات، والانسحاب الكامل للولايات المتحدة التي تدعم تطلعات الميليشيات الكردية إلى إقامة شبه دولة في سوريا.

لم يقتصر تخلّي الحزب عن شركائه في قوات سورية الديمقراطية فقط، بل تخلى أيضاً عن مطالبه في الإدارة الذاتية والفدرالية، لصالح احتمال تشكيل لجنةٍ لدراسة قانون الإدارة المحليّة، الذي سبق للحزب أن رفضه.

تنازلاتُ الحزب هذه تأتي بالتّزامن مع التقدم العسكري الذي يحرزه النظام في إدلب وريف حلب الغربي، كمكافأة تضاف إلى جهوده في قمع الثورة، التي عانى منها الأكراد حسب –إلهام أحمد– ، وكأن الأكرادَ السّوريين كانوا يعيشون رغد العيش وعرس الديمقراطية قبل انطلاقتها.

ضبابيةُ المسار الذي جرى أو سوف يجري فيها الحوار "التفاوض" المزعوم وعدمُ وضوحه ، انعكست في ترتيب عبارات المسؤولة الكردية، فهي تفضلُإطارَ جنيف الذي يمقته النظام، وترفض سوتشي وآستانة اللّذين يفضلهما، ولكنها ترضى أخيراً بمنتجهما المتمثل في اللجنة الدستورية الفاشلة، عبر منصة القاهرة التي يريدون العودة إليها.

توحي هذه الضبابية بأنه لا مفاوضات ولا حوار، وأن ما يجري هو مجرد تقديم تنازلاتٍ متفقٍ عليها، في مسرحيةٍ هزلية تمت تسميتها بالمفاوضات، يجري فيها الترتيب لإعادة شرقي الفرات لقبضة النظام، بعد انتهاء مهمة الحزب، مقابل مِنح خلّبيّة أو مكرمات جوفاء سوف يتفضّل بها النظام على الأكراد، تحت وصاية الحزب الحليف وسلطته.

العودة إلى منصة القاهرة التي كان حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) أحد مؤسسيها، قبل أن ينسحب منهما إثر تشكيل قوات سوريا الديمقراطية ليست دقيقة ولا صحيحة، فالذين سوف يعودون إليها ليسوا من حزب الاتحاد الديمقراطي، بل هم ممثلون عن العرب في دير الزور والرقة الذين لم يكونوا يوماً من منصة القاهرة ولا غيرها من المنصّات.

حيث يحاول الحزب التملّص من تحالفه مع العرب عبر زجّهم في منصّة القاهرة قبل التخلّي عنهم، في محاولةٍ لتجنب أية تبعاتٍ مستقبلية تترتب على تخلّيه عنهم، الذي يبدو أنه بات مبرماً.

تحاول المسؤولة "الأبوجية" إقناع جماهيرها بأنها حققت انتصاراً، يتمثل بالجلوس على طاولة واحدة مع النظام، متناسيةً أن لقاءات حزبها مع مسؤولي النظام لم تنقطع يوماً، وأن تنسيقهما العسكري عالي المستوى لم يعد محلّ نقاش، فضلاً عن تواجده بين ظهرانيهم في محافظة الحسكة.

وتحاول إيهامهم بأن لديها ورقة ضغطٍ تتمثل في حقول النفط الواقعة تحت سيطرة قواتها، متجاهلةً تصريح زميلها "مظلوم كوباني" للشرق الأوسط قبل شهرين فقط، حين قال بأن "الحكومة السورية" تحصل على حصتها من النفط أيضاً.

ولا تنهي المسؤولة "الأبوجيّة" حديثها دون مغازلة النظام عبر تجديد التأكيد على مشاركته العداء للثورة، وكأن بيانات حزبها المتتالية غير كافية للتعبير عن ذلك، في تصميمٍ واضح وواعٍ على الطريق الذي اختطّه الحزب لنفسه في معاداة الثورة السورية منذ اللحظة الأولى لانطلاقها.

يبقى أخيراً السؤالُ الأهم: هل الولايات المتحدة على علم بهذه التنازلات؟ وهل هي جزءٌ من الخطة المتفق عليها مع روسيا؟ أم أن الحزب يتصرف من تلقاء نفسه؟

وأخيراً ما الذي سيكون عليه موقف باقي المكونات المنخرطة في "قسد"، وكيف سيتعامل معها النظام؟ خاصةً أن هذه المكونات شكّلت منذ البداية الكتلة البشرية الكبرى من مقاتلي "قسد"، ويعود إليهم الفضل في القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، والتصدي لخلاياه النائمة حتى الآن.

"الأبوجية": توصيف يطلقه على أنفسهم كوادر ومؤيدو حزب العمال الكردستاني (PKK) وفرعه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD).

*المقدم عبدالله النجّار - لــ"زمان الوصل"
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي