أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"الجنائية الألمانية" وقصة الانخراط العميق في ملف سوريا.. ما وراء أكمة محاكمة "الرأس المقطوعة"

المقر الرئيس لـ"BKA".. هنا تدرس آلاف ملفات جرائم الحرب - زمان الوصل


-ألمانيا.. في سبيل إقرار تعديل بالغ الحساسية، يثبت مدى عزمها وطول نفسها في ملاحقة مجرمي الحرب بسوريا

في بلد يحوي جالية سورية تناهز 800 ألف شخص، بدا تداول خبر الحكم على لاجئ سوري بسبب صورة لرأس مقطوعة في جواله خبرا عاديا إلى حد ما، لكن الوقائع التي بين يدينا تقول إن وراء الأكمة ما وراءها وإن محاكمة الثلاثيني السوري الذي كان يوما ما يقاتل في صفوف الفصائل المسلحة، ليست في النهاية سوى رأس جبل الجليد، وان هناك من "يحفر" ببطء ولكنه يحفر عميقا في سبيل ملاحقة آلاف الملفات المتعلقة بجرائم الحرب، لاسيما في سوريا.

ولكن قبل أن نعرض ما في جعبتنا من معلومات، فلنعد قليلا إلى قصة اللاجئ السوري "قاسم.أ" البالغ من العمر 34 عاما، والذي أدانته المحكمة العليا في كوبلنز الألمانية بالتورط في جريمة حرب، لأن السلطات وجدت في جواله صورة رأس مقطوعة قيل إنها تعود لجندي في جيش الأسد.

وجود هذه الصورة للرأس المقطوع إضافة إلى تهمة سابقة تمس الاتجار بالمخدرات والاعتداء الجسدي، كلفت اللاجئ السوري 3 سنوات ونصف سجنا، بعد أن تم دمج ملفي القضيتين مع بعض.

ورغم أن محاكمة "قاسم" قد تبدو نبأ اعتياديا، أو حتى معزولا، فإن الوقائع التي استقتها "زمان الوصل" من مصادر موثوقة، تظهر أن ملاحقة واتهام هذا الشاب ما هي إلا حلقة في سلسلة طويلة، تمتد في عدة اتجاهات وتنتهي خيوطها في مبنى ضخم في مدينة "فيسبادن" عاصمة ولاية "هيسن".

*ببطء لكن بقوة
ففي "فيسبادن" بولاية "هيسن" يقع المقر الرئيس للمكتب الفيدرالي للشرطة الجنائية، المعروف اختصار بـ"BKA"، حيث تتم متابعة و"بناء" و"طبخ" آلاف الملفات الخاصة بجرائم الحرب في بلدان مختلفة، لاسيما سوريا التي تشهد صراعا دمويا للغاية منذ نحو عقد، والتي "صدّرت" إلى ألمانيا قرابة 800 ألف شخص حصلت الأغلبية منهم على حق الحماية أو اللجوء، باعتبارهم مضطهدين وضحايا للحرب.

اللافت أن التدفق الكبير للاجئين السوريين تحديدا، دفع بـ"BKA" التي أسست عام 1951، إلى إنشاء مكتب خاص لمكافحة جرائم الحرب سنة 2018، نظرا للكم الضخم من الشكاوى والمعلومات والوقائع التي تلقتها بخصوص النزاع في سوريا، وبخصوص تورط أشخاص "لاجئين" فيه.

وتقول المعلومات التي استقيناها من مصادر ذات صلة، إن "BKA" تعكف على متابعة ودراسة نحو 4600 ملف ومعلومة تتعلق بقضايا تمس ارتكاب جرائم حرب خارج ألمانيا، وبالأخص في سوريا، وإن "BKA" التي يعمل فيها ولصالحها نحو 6 آلاف و500 موظف، مستمرة في استقبال سيل متواصل من البيانات في هذا المضمار بالذات، وهو ما ساعد المكتب على "بناء" وتحضير ملفات صلبة لملاحقة متورطين بجرائم حرب في سوريا، بعضها تم تقديمه للقضاء فيما ينتظر البعض الآخر دوره.

وقياسا إلى العدد الكبير من الملفات والمعلومات التي باتت بحوزة "BKA"، يبدو "إنتاج" المكتب متواضعا أو سلحفائيا، لكنه في الحقيقة يشبه تلك المطحنة التي تطحن ببطء لكن بقوة وكفاءة، ولسان حال القائمين عليها يقول "كل شيء بوقته حلو".

كثرة وتشعب الملفات التي بين يدي "BKA" ليست المؤشر الوحيد على ضخامة مهمتها فيما يتعلق بجهود ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب في سوريا، فهناك قرائن على أرض الواقع، منها إصدار الإدعاء الألماني أول مذكرة توقيف دولية بحق الرئيس السابق للمخابرات الجوية، "اللواء جميل حسن"، وعقد أول محاكمة على الأرض الألمانية لضابط وصف ضابط كانا يخدمان في مخابرات النظام.

اللافت أن محاكمة "قاسم" بدعوى صورة الرأس المقطوعة تم في نفس المحكمة التي حاكمت الضابطين المخابراتيين (محكمة كوبلنز العليا)، كما إن الشروع بمحاكم "قاسم" تمت بعد نحو شهر من الشروع بمحاكمة الضابطين، ما يعطي مؤشرا حقيقيا عن طبيعة الطريق الذي تسير عليه "BKA".

*ميزانية ضخمة
ولإلقاء مزيد من الضوء على حساسية المهام التي تضطلع بها "BKA"، فقد عدنا إلى بيانات رسمية لوزارة المالية الألمانية، ترصد الميزانية الإجمالية لوزارة الداخلية الاتحادية والهيئات التابعة لها (نحو 25 هيئة ومكتب)، فتبين لنا أن المكتب الفيدرالي للشرطة الجنائية يستحوذ على ميزانية سنوية تقدر بنحو 800 مليون يورو، تمثل نحو 6 بالمئة من إجمالي ميزانية وزارة الداخلية التي تناهز 15 مليار يورو.

ولمقارنة أهمية "BKA" وجسامة دورها، يكفي أن نعرف أن ميزانيتها تقارب ميزانية المكتب الاتحادي للهجرة واللجوء، الذي لا يخفى على المطلعين حجم مهامه الضخم والمتشعب، لاسيما في ظل ضغط موجات اللجوء والهجرة، التي أحالت ألمانيا إلى واحدة من أعلى دول العالم في استقبال اللاجئين.

وأخيرا، فإن هناك نقطة جديرة بالانتباه والتنويه، وهي تمس بشكل رئيس كل قضية جريمة حرب يمكن أن تفتح يوما ما بخصوص سوريا، وهي نقطة يجري التحضير –بهدوء- لإقرارها في أروقة الداخلية الألمانية، وتتعلق بمضاعفة فترة الحفظ الإلزامي لأي مستندات أو وثائق تتعلق بجرائم الحرب 6 أضعاف.

ففيما تقتصر مدة الاحتفاظ الحالية على 5 سنوات، تدرس وزارة الداخلية جديا رفع مدة الاحتفاظ إلى 30 سنة، وهذا بلا شك أمر قد يكون خارج اطلاع الكثيرين، باستثناء المهتمين، رغم أنه أمر بالغ الحيوية والدلالة، حيث يبدي عزم برلين واستعدادها ونفسها الطويل لملاحقة مجرمي الحرب في سوريا ولو بعد عقود.

وفي النهاية فإن رفع مدة الاحتفاظ بالوثائق والبيانات إلى 30 عاما يمثل أحد أبرز نتائج الانخراط الألماني العميق بملف جرائم الحرب في سوريا، جراء تدفق مئات آلاف السوريين إلى هذا البلد.

إيثار عبد الحق-زمان الوصل-خاص
(0)    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي