أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الطريقان الدوليان في إدلب: لعنة أم وهم؟

هل من حلول في أيدي السوريين؟ - جيتي

تمكن الروس على مدار السنتين الماضيتين، من تعميم نظرية أصبحت كالمُسلمة، في أذهان السوريين أنفسهم، وهي أن روسيا تراهن بشدة على الطرق الدولية المارة عبر الأراضي السورية، بوصفها جرعة إحياء كبيرة للاقتصاد السوري المنهار.

لذلك يمكن أن تعثر، على مدار السنتين الماضيتين، على عشرات الدراسات ومقالات الرأي والتحليلات، التي كتبها سوريون، بعضهم نشطاء، وبعضهم الآخر، متخصصون اقتصاديون أو سياسيون، يجمعون فيها، على أهمية الطرق الدولية في سوريا، في معادلات الاستراتيجية الروسية.

وكانت بداية تمرير هذه القناعة وتعميمها في أذهان السوريين، مع إصرار المفاوضين الروس في جولة أستانة 6 نهاية العام 2017 على فتح الطريقين الدوليين المارين في إدلب، وتأمين حركة الترانزيت، عبرهما.

وهو ما نجم عنه اتفاق "سوتشي" الشهير، الذي نص على فتح هذين الطريقين في نهاية العام 2018، كحد أقصى، بوصفه هدفاً، وافقت تركيا على تولي إنجازه، عبر ممارسة نفوذها على الفصائل المعارضة الناشطة في المنطقة. تضخيم أهمية هذين الطريقين الدوليين، دفع فصائل معارضة، أبرزها، "هيئة تحرير الشام"، إلى التورط في الصراع على الأجزاء المارة منهما، داخل بلدات ومدن إدلب وريفي حلب الجنوبي والغربي، وريف حماة الشمالي.

الأمر الذي خلق موجات متتالية من الصراع العسكري، انتهت جميعها لصالح روسيا وحلفائها في سوريا، عبر قضم أجزاء من المناطق المحررة، واحدة تلو الأخرى.

واليوم، تصل استراتيجية روسيا في قضم "المحرر"، إلى مراحل متقدمة، تُنذر باحتمال زاول "المحرر"، برمته. وما يزال النقاش دائراً في أوساط السوريين، بأن الغاية الروسية الرئيسية من كل ذلك، هي السيطرة على الطريقين الدوليين، (دمشق – حلب)، و(حلب – اللاذقية)، المارين عبر "المحرر".

وطوال السنتين الماضيتين، اتبعت روسيا استراتيجية عسكرية في قضم "المحرر"، تؤكد هذا الوهم في أذهان السوريين، بأن غايتها تتركز في الطريقين الدوليين فقط.

حتى بات الجدل يدور حول، لماذا لا تُسلم هاتان الطريقان للروس، تجنباً للمزيد من سفك الدماء والتهجير لسكان البلدات المطلة عليهما؟!

ومع إقرار "قانون قيصر" وتوقيعه من الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في نهاية العام الفائت، وما تلاه من موجة عنف روسية – أسدية، هي الأشد على إدلب، والأرياف المجاورة، ازدادت القناعة بأن الروس يريدون استباق الخناق الاقتصادي الذي سيشتد على النظام السوري، حين دخول القانون حيز التطبيق، لذلك يريدون المسارعة بالسيطرة على الطريقين الدوليين المارين من "المحرر"، بوصفهما سيخففان من الحصار الاقتصادي، ويتيحان المجال لاستعادة تجارة الترانزيت الدولية، التي كانت تمرّ عبر الأراضي السورية، قبل العام 2011، والتي كانت تدر عائدات على خزينة النظام، تذهب تقديرات إلى أنها تصل لـ 3 مليار دولار سنوياً.

وبناء على هذه النظرية، بات الطريقان الدوليان في إدلب، أشبه باللعنة، كحال النفط الذي استجلب الطامعين والغزاة في بعض البلدان، في التاريخ القريب. لكن، في مقابل ما سبق، إن وضعنا هذه النظرية، تحت مجهر التدقيق، بالأرقام، يمكن أن نجد أن هناك مبالغة كبيرة في تضخيم أهمية الطريقين الدوليين، كانت روسيا بالذات، تستهدف تمريرها إلى أذهان المهتمين بالشأن السوري، كي تبرر العنف العسكري المفرط، الذي تستخدمه في المنطقة، وما يخلفه من موجات نزوح، يبدو أنها هي بالذات، الهدف الحقيقي للروس، وليس الطريقان الدوليان.

فإن افترضنا جدلاً، صحة الرقم الذي تحدث عن عائدات حركة الترانزيت على الطرق الدولية المارة بسوريا، قبل 2011، والتي تقدر بـ 3 مليار دولار سنوياً، فإن هذا الرقم يبقى متواضعاً أمام حجم الأضرار التي ألمت بالطرق الدولية في سوريا، خلال الحرب طوال السنوات التسع الماضية، وفق أرقام صادرة عن النظام نفسه.

ففي تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2018، نقلت وكالة "سبوتنيك" الروسية عن علي حمود، وزير النقل بحكومة النظام، تصريحاً ملفتاً، قال فيه إن الحجم التقديري للأضرار بقطاع النقل السوري في المناطق المحررة يصل إلى 4.5 مليار دولار، دون جرد منطقة إدلب والمناطق بالقرب من تركيا.

بمعنى آخر، فإنه وبشكل تقديري، قد يتطلب إعادة تأهيل الطرق الدولية في سوريا، 6 مليارات دولار، بناء على تصريحات مسؤول النقل بحكومة النظام. وهنا يُطرح التساؤل التالي: من سيدفع هكذا تكلفة ضخمة؟! بطبيعة الحال، فإن الجواب جاهز لدى محللين مؤيدين لأهمية الطريقين الدوليين، فالنظام يعتزم طرح الطرق الدولية للاستثمار من جانب شركات أجنبية، يمكن لها أن تعيد تأهيل الطرق الدولية في سوريا، مقابل الحصول على أجور عبور. ويذهب مراقبون إلى أن روسيا تريد هذا المكسب لها، بالذات. بدايةً، يجب أن ننوه إلى أن الرقم الذي طرحه وزير النقل بحكومة النظام (4.5 مليار دولار)، بذاته، مبالغ فيه. ويشير إلى أن النظام والروس يريدان تضخيم أهمية الطرق الدولية، وقيمة استثمارها، في سوريا. ففي عام 2012، طرحت مصر، مشروعاً ضخماً لبناء 5 طرق برية سريعة، بطول 50 ألف كيلومتر، بتكلفة تقديرية حوالي 1.5 مليار دولار. فيما أن طول الطرق البرية في سوريا، بأكملها، لا يتجاوز 60 ألف كيلومتر.

ما سبق، يعني أن إنشاء طرق برية سريعة، دولية، بديلة عن كامل الطرق الدولية المارة بسوريا، اليوم، لا تصل تكلفته إلى 2 مليار دولار.

فلماذا كل هذا التضخيم بالأرقام؟، ولماذا كل هذه المبالغات في تقدير الأهمية والتكاليف؟ ببساطة، الجواب أن الغاية الروسية هي تصدير الأزمة السورية، التي تورطت فيها، إلى تركيا وأوروبا، بهدف الضغط عليهما، للقبول بحل سياسي، وفق رؤيتها في سوريا، وصولاً إلى القبول بتمويل إعادة الإعمار في البلاد.

وهو الهدف الذي ما تزال الدول الأوروبية الرئيسية، وتركيا، تتمنع عنه، بسبب عدم الوصول إلى حل سياسي يرضيها.

فالغرب، متمثلاً في الأمريكيين والأوروبيين، الذين أتاحوا هامشاً مريحاً للتدخل العسكري الروسي في سوريا، كانوا يراهنون على تسوية مع موسكو، تعيد تأهيل النظام، بصورة تسمح لهم بالمشاركة في السلطة، عبر قوى معارضة مدعومة من جانبهم.

لكن، روسيا أرادت سوريا، برمتها، لها فكان رد الفعل الغربي، بإيجاز، "خذي سوريا المدمرة برمتها لكِ، لكننا لن ندعم إعادة إعمارها، بل سنخنقها بالعقوبات، كي تكون عبئاً عليكِ، لا مكسباً لكِ".

ويمثل قانون "قيصر"، مرحلة متقدمة في تنفيذ الغرب لسياسته تلك، في التضييق على النفوذ الروسي في سوريا، والإضرار به، وإفشال أي نهوض باقتصاد البلاد، التي باتت خاضعة للسيطرة الروسية، المرفقة بنفوذ إيراني. ومع اقتراب دخول "قيصر"، حيز التنفيذ، يبدو أن لدى روسيا خيارات ضئيلة، لإنقاذ استثمارها العسكري الضخم في سوريا، والذي فشلت حتى الآن في تحويله إلى مكسب سياسي – اقتصادي، مستدام.

إحدى تلك الخيارات، التلويح بموجة نزوح هائلة من سوريا، شبيهة بتلك التي حدثت في العام 2015، والتي تسببت بأزمات سياسية ومجتمعية نوعية في الاتحاد الأوروبي، كانت إحدى أبرز تداعياتها، انفصال بريطانيا عن الاتحاد. وهكذا، فإن روسيا تريد الرهان بـ 4 ملايين سوريّ مزدحمين في إدلب وجوارها، ليكونوا فزاعة لتركيا أولاً، التي سرعان ما ستنقل أزمتها لأوروبا ثانياً، عبر التلويح بفتح الحدود مجدداً، مما يعني أن الأوروبيين سيكونون أمام تحدٍ خطير للغاية، إما يخضعون للابتزاز الروسي، ويقبلون بالمشاركة في المشهد السوري، وفق شروط موسكو، وفي مقدمتها، تمويل إعادة الإعمار، بعد رفع العقوبات، أو تحمل موجة نزوح هائلة، قد تكون أشد خطورة من تلك التي شهدتها أوروبا، في العام 2015، وما أعقبها من صعود لليمين المتطرف، وتراجع لشعبية القوى الليبرالية واليسارية، في القارة بأكملها.

سيناريو خضوع أوروبا للابتزاز الروسي، يمثل بدوره تحولاً دراماتيكياً، لن تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية، تحمله، لأنه يعني، خسارتها للمزيد من أسهمها التي تبقيها في صدارة القوى الكبرى في العالم، عبر خسارة حليفٍ رئيس ٍلها، لصالح روسيا.

لكن منع هذا السيناريو، سيضطر الأمريكيين، في المقابل، للتخلي عن استراتيجيتهم القاضية بتقليص تدخلهم حول العالم، والاعتماد على حلفائهم الإقليميين والدوليين في حماية مصالحهم.

ويبقى السؤال: كيف ستتصرف واشنطن إن ذهب المسعى الروسي لخلق موجة نزوح ضخمة من سوريا، إلى مداه؟ الإجابة على هذا السؤال، ستحسم المسار الذي ستتخذه التطورات في هذه المنطقة. لكن إحدى أرجح الاحتمالات، أن تعيد واشنطن إحياء جانبٍ من دعمها العسكري للفصائل المعارضة في "المحرر"، عبر الأقنية التركية، من جديد، وهو احتمال أعيد الحديث عن ارتفاع أرصدته، في الأسابيع القليلة السابقة.

أما بالنسبة للطريقين الدوليين المارين في "المحرر" بإدلب وجوارها، فلا يبدو أنهما لعنة، بقدر ما هما وهم، حاولت روسيا تعميمه في أذهان السوريين والأتراك، كي يتحركوا بالصورة التي تأملها، ويصبح همهم الرئيس، من سيسيطر على الطرق الدولية؟، فيما تراهن روسيا على أبعد من ذلك.. أن تدفع سكان تلك المنطقة إلى الحدود التركية، بصورة كارثية، تجعل أنقرة أمام خيارات عصيبة، أبرزها، التلويح بفتح الحدود للنازحين نحو أوروبا، إن لم يتحرك الغرب لدعمها في مواجهة الهجمة الروسية.

ولتدعيم القراءة الأخيرة، فقط، دعنا نتصور الخارطة بعد سيطرة روسيا على الطريقين الدوليين المارين في إدلب.. ماذا سيتبقى؟.. ستتبقى جزر منعزلة ومحاصرة (جبل الزاوية مثلاً)، وتجمعات حاشدة قرب الحدود التركية تحتاج لإغاثة بتكاليف مادية هائلة، تضغط باتجاه فتح الحدود أمامها.

أي أن "المحرر" سيصبح بحكم المنتهي، وعلى الأرجح، أن روسيا ستدير وجهها شطر "درع الفرات"، و"غصن الزيتون"، أيضاً، بذرائع مختلفة، أبرزها، الأجزاء التي تمر من الطريق الدولي، في أرياف حلب الشمالي والشرقي، هناك.

فيما ستكون الغاية الحقيقية، تعميق أزمة تركيا، التي ستجد نفسها أمام موجة نزوح، ربما لم تشهدها سوريا سابقاً، حتى في أحلك سنوات الصراع الدائر منذ العام 2011.

روسيا تقول للأتراك وللغرب، عبر قتلنا وتهجيرنا، "اخضعوا لشروطي في سوريا، أو سأنقل أزمتي إليكم".

أما اللاعب الرئيس الذي قد يغير هذا المسار، المتفاقم، فهو واشنطن، التي تعلم موسكو جيداً، أنها غارقة في موسم انتخابي، يجعل أي تورط أمني أو عسكري خارجي، تهديداً خطيراً، لفرص الفوز في الانتخابات المرتقبة في خريف العام الحالي.

لكن هل من حلول في أيدي السوريين أنفسهم، لإنقاذ أهالي "المحرر" من المقتلة الدائرة بحقهم؟.. الجواب المؤلم، أن أية حلول جذرية، تتوقف على مواقف الأطراف الخارجية، ولا يبقى في أيدي السوريين، إلا أن يكثّف من يمثلهم، ويملك قنوات تواصل مع أنقرة وواشنطن والعواصم الأوروبية، جهوده، لإقناع هذه الأطراف، بالتحرك معاً، لوقف الهجمة الروسية الحالية. تحرك تركي – أوروبي – أمريكي مشترك، هو السبيل الوحيد، لوقف روسيا عند حدها، ولو إلى حين.

إياد الجعفري – زمان الوصل
(1)    هل أعجبتك المقالة (1)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي