أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

فنان سوري يصنع البهجة في مخيم "الزعتري" بمجسماته الخشبية

النابلسي

وسط أكوام من القطع الفنية المبعثرة داخل خيمته بمخيم "الزعتري" يمضي الفنان السوري الشاب "تمام النابلسي" ساعات منشغلاً بتصميم مجسمات خشبية زاهية الألوان تُدخل البهجة إلى قلوب أطفال المخيم معتمدا في تنفيذها على إظهار أدق التفاصيل والبساطة الجمالية التي لا تخطئها عين المشاهد.

وينحدر "النابلسي" من بلدة "نامر" بريف درعا لعائلة فنية فوالده "الخديوي النابلسي" مصمم وفنان في مجال تجسيد مفردات التراث السوري من الزراعة وصناعة الخبز والمهن التراثية المختلفة بمواد تدوير مختلفة، وشقيقته "تسنيم" رسامة لديها العديد من اللوحات الزيتية أيضاً ودرس تمام في كلية الآداب قسم الأدب الفرنسي بجامعة دمشق قبل أن يضطر إلى تركها مع بداية الحرب لينتقل إلى لبنان ومنها إلى الأردن، حيث يعيش الآن في مخيم "الزعتري".

وأشار الفنان الشاب في حديث لـ"زمان الوصل" إلى أن بداية شغفه بالفن كانت في مرحلة الدراسة الابتدائية من خلال الرسم وعمل بعدها مع والده في تصميم مجسمات وقطع فنية تجسد جوانب من التراث السوري والحوراني على وجه الخصوص من مواد مستهلكة أعيد تدويرها.

في الأردن التقى الفنان الشاب بلجنة مشروع "فن من الزعتري" الذي يجمع شمل الفنانين السوريين المقيمين في المخيم لتقديم شيء للتراث السوري المهدد بالضياع، وخصوصاً أن الحرب التي كانت في أوجها دُمّرت الكثير من المواقع والأوابد الأثرية في تدمر وحوران وحلب وبصرى الشام وغيرها.

وكانت الفكرة -كما يقول- محاولة إحياء هذه الأوابد المدمرة ولفت نظر العالم إلى إنقاذ ما لم يدمّر منها، وضم المشروع -حسب النابلسي- مجسمات لمدينة تدمر وسرير بنت الملك في بصرى الشام ومجسد للمسجد الأموي تم اقتناؤه وعرضه فيما بعد في المتحف البريطاني، ويجسد هذا العمل المصنوع بكامله من الخشب الجامع العريق بكامل تفاصيله بما فيه من أعمدة ومحاريب والمنبر وقبة بيت المال والأروقة والموضأ.

وأضاف محدثنا أنه اختار الخشب مادة لتنفيذه لكونها مادة صلبة غير قابلة للكسر أو التأثر بعوامل الزمن.


وحول بداية تجربته بتصميم ألعاب خشبية للأطفال، روى محدثنا أنه كان يعمل مع منظمة الإغاثة والتنمية الدولية "IRD"، ورأى مديرها وهو أمريكي الجنسية أعماله فاقترح عليه أن يصمم ألعاباً خشبية فأعجب بالفكرة وتحمّس لها لأنها فكرة جديدة بالنسبة له وبدأ بالفعل في تصميم شاحنة صغيرة قابلة للفك التركيب وكانت بطول حوالي 2.

وأردف تمام أن المنظمة المذكورة دعمته في البداية بكل مستلزمات العمل من أدوات ومواد وبعد انتهاء عقده معها استرجعت عدة العمل، وشكل هذا الأمر-حسب قوله- نوعاً من التحدي بضرورة إكمال مشروعه الفني، فلجأ إلى تصنيع بعض أدوات العمل التي لم يكن قادراً على شرائها كالمثقب الثابت أو آلة الحف واستعار بعضها الآخر من أصدقائه.

وأشار الفنان العشريني إلى أن دوافع اهتمامه بتصميم ألعاب الأطفال بمختلف أشكالها وخاماتها ارتبطت بذاكرة الماضي إذ كان محروماً من اقتنائها في الطفولة نظراً لابتعاد بلدته "نامر" عن مركز محافظة درعا، فكان يلجأ إلى تصنيع ألعابه الخاصة، وعندما كبر شعر بالحاجة إلى تعويض حنين الماضي، فبدأ بتصميم ألعاب من مواد أولية، وبحسب إمكانيته المتوفرة ليلهو بها أطفاله كي لا يشعروا بذات الشعور، ومن هذه الألعاب مجسمات للحيوانات المحببة للأطفال كالفيل والغزال والقطط والسلحفاة والفقمة والجمل إضافة إلى مجسمات لمروحيات وطائرات شراعية ودبابات وشاحنات نقل وغيرها.

وأشار "النابلسي" إلى أن هناك نوعين من الألعاب التي يصممها منها ما هو معقد ومنها المبسط ومن الشكل المعقد الآليات من شاحنات أو التركسات (آليات رفع الأنقاض) التي يتم تصميمها كما هي في الواقع وبنفس تفاصيلها، ولكن بشكل مصغر.


وتختلف مراحل العمل الفني من عمل إلى آخر -كما يقول- فإذا أراد تصميم مجسمات معقدة مثل الآليات والسيارات مثلاً يقوم أولاً بتحديد المقاسات الطبيعية وتنفيذ نموذج منها بقياسات مصغرة، ويقوم برسمها على الخشب وقص قطعها وتطبيقها ليصل إلى مراحل التنعيم والحف، ومن ثم دهنها بمادة (اللكر) لحفظها وحمايتها من الغبار وعوامل الطبيعة، مع حرصه على أن تكون أطراف ألعابه غير حادة أو مؤذية للأطفال فيقوم بتنعيم حوافها، وصولاً إلى تلوينها بألوان (الأكرليك) لجعلها زاهية ومحببة للطفل.

وكشف النابلسي أن عمله يقتصر حالياً على مجسمات مبسطة تمثل حيوانات متنوعة، مستخدماً في تصميمها العديد من الأدوات التي اعتاد النجارون على استخدامها كالخزّاقة ومنشار الأركيت والمثقب وصاروخ الجلخ والمبارد وورق الحف.

ولم ينفِ الفنان الشاب وجود صعوبات وعقبات عديدة تعترض هوايته الفنية هذه، ومنها الافتقار إلى الأدوات اللازمة في التصميم وغلاء المواد الأولية كألوان الأكريليك وعدم توفرها أحياناً، وعدم توفر مكان كمحترف خاص به، وهذا ما يحد من حماسه لإنجاز المزيد من القطع الفنية أحياناً -حسب قوله- علاوة على ضعف الإقبال على الإقتناء في ظل انتشار الألعاب زهيدة الثمن المستوردة من الصين وعدم توفر فرصة لتسويق أعماله.

فارس الرفاعي - زمان الوصل
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي