أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

وداعاً - كيلو- ... الأمانة بقلم الأمين .... ثائر الناشف

عندما يستبد الخوف بقلب امرئ ٍ, لا يملك أدنى وسيلة للتعبير وإيفاء الغير حقه , وقد يبخسه حقه , الذي كفلته السماوات بكتبها المقدسة , قول الحق دون مواربة , ما أقوى كلمة الحق ! حينما تقال لأهل الحق وأصحابه , الفرق شاسع لو قيلت رياءً لأهل الباطل تكبيراً لرؤوسهم المتعفنة .
لأجل الخوف الذي يمزق شرايين قلبي النحيلة ويشل أعصاب رأسي , لم يتحرك قلمي ويخط حرفاً واحداً عرفاناً وتذكاراً لذلك القابع خلف قضبان اليأس الصدئة , التي سينبت منها الأمل كالنبع المتدفق في سريره , ليرتوي منه الظامئ الهيمان .
لقد سودت صفحات الصحف بأروع الكتابات التي تحدثت عن ميشيل كيلو بأوقات محنته القاسية , لحظة الإعلان عن بدء مسرحية تخوينه واعتقاله ومحاكمته , وما تخللها من فواصل مميتة , تارة تنذر بانتهاء المسرحية باعتبار أن بطلها شخص واحد هو "كيلو" , مصيره المحتوم يعرفه الصغير قبل الكبير من الجمهور المشاهد , وتارة أخرى أريد استمرارها , وقد استمرت , إفزاعاً وإرعاباً للجمهور لئلا يصفق ويهتف مناشداً بطلها بالاستمرار , رغم معرفته المسبقة بالنهاية المؤلمة لذاك البطل الوحيد الواقف على الخشبة , لا يصارع سوى خياله ولا يعرف أهو خياله المتولد من حلكة ظلام المسرح وضعف أضواءه , أم هو شبح هبط عليه وسط هذه الظلمة الموحشة ؟.
ذلك لا ينفي وجود مسارح أخرى وأبطال آخرين في كل بقعة من (الأمة السورية) الآثمة بقوميتها الكنعانية , كما يقول انطون سعادة , الحالم بسورية واحدة , نقيض كيلو الحالم بسورية واحدة موحدة لأبنائها المخلصين , النقية الطاهرة من كل الأدران المهلكة , لا تغيب عنها شمس الحرية العالية بعلو الرفيق الأعلى , لا يكدرها مكدر ولا تنالها إلا نفوس الأباة .
طالما دفعتني نفسي الخائفة المتضورة جوعاً وفقراً ويتماً بالكتابة عن كيلو , سرعان ما شرعت مراعف قلمي تنزف حبراً , كلما تذكرت تلك اللحظات وعبراتها الحارة التي جمعتني صدفةً كما أرادها القدر بكيلو , في منتصف شهر فبراير عام 2006 , في اتحاد الصحفيين بدمشق , قبل صدور إعلان بيروت – دمشق والاعتقال بأيام قليلة .
هممت حينها بالدخول إلى مكتب بالاتحاد لتنفيذ معاملة مالية بالنيابة عن أحد زملائي في وكالة الأنباء سانا , التي تركتها بقرار ذاتي غير آسف , علني أصارع بعدها نوائب الأيام وغوائلها وفراغها الموحش , لا أجد نفسي هزمت , لأني لا زلت في بدايات الصراع ولا أظن بأني قادر على بلوغ النهايات , لشيء واحد هو تلك اللقمة المغمسة بالدم التي لن تصمد أمامها أعتى جيوش العالم وأقواها .
باللحظة التي وطأت قدماي قاع المكتب بادرت بإلقاء التحية على الحضور , فوجئت بوجود السيد كيلو يحدث مستمعيه حديثاً شيقاً , لم يتسن لي معرفة مضمونه كوني دخلت المكتب وقت لفظه للكلمات الأخيرة التي أنهى بها حديثه , أنجزت معاملتي وخرجت على الفور , فلم أغادر المبنى حتى سمعت وقع أقدام قريبة يتردد صداها لأذني , التفت شمالاً فوجدت السيد كيلو يهم بالخروج أيضاً , تسمرت في مكاني حتى اقترب مني صافحته وسألته عما إذا كان يعرفني , ابتسم ابتسامة خفيفة وقال .. عرفتك كاتباً في صحيفة ( المحرر العربي) دون أن يتوقعني بهذا السن , كنت قد بدأت حياتي الصحفية مستكتباً بالمحرر الصادرة من لبنان , إلى أن منعها وزير الإعلام السابق مهدي دخل الله من التوزيع في سورية كغيرها من الصحف .
تدرجنا على مهل تاركين المبنى وراءنا , سألت الأستاذ ميشيل سؤالاً بسيطاً يتردد على ألسنة كل الناس حول آخر الأوضاع الإصلاحية التي تختص بعيشهم , فهم قصدي على ما يبدو وأجابني باقتضاب لا يوجد أي جديد , الأوضاع كما هي , ومضى يحدثني عما سأكتب وأين سأكتب مستقبلاً ؟ كأنه ينتظر كتاباتي حتى يقرأها وربما ليستلذ بفحواها ويأتمنني على أداء الأمانة الصحفية , شعرت بأن ثمة من يشد على يدي ويرفع من همتي عالياً , عسى أن يغدو طريقي الوعر مفروشاً بالأفكار المنيرة بدلاً من الأشواك .
أبلغته بأني سأكتب حيث توجد الحرية وُيحترم الرأي , لأن الصحافة رسالة إنسانية سامية لا تعدو أن تكون مجرد رسالة تجارية صرفة وحسب , فالحرية والصحافة صنوان , هما كالأواني المستطرقة , أن غابت الحرية انعدمت الصحافة , والعكس صحيح .
انتهى مشينا القصير قبالة السفارة الفرنسية , ودعت كيلو وداعاً لا لقاء من بعده , وظللت أحدج بالسفارة سارحاً بخيالي إلى مقهى بشارع الشانزلزيه عائداً بالتفكير إلى ستينات القرن الماضي , تذكرت مقالة للزميل نهاد الغادري كتبها في مجلة المستقبل الباريسية بعنوان " من باريس مربط خيلنا إلى باريس مربط رجالنا " يروي فيها الغادري أنه التقى في المقهى عن طريق الصدفة بثلاثة من رجالات سورية جمعهم القهر والغربة وهم : أكرم الحوراني ورشدي الكيخيا وعبد الرحمن العظم .
ربطت بين الصدفتين , صدفتي مع ميشيل كيلو التي انتهت عند بوابة السفارة الفرنسية , وصدفة الغادري مع الرجال الثلاثة , قفزت إلى ذهني مقولة شعبية رددها أجدادنا في حلب والشام تقول (يا ديغول خبر بلدك , باريس مربط خيلنا ) اليوم تغدو باريس مربط رجالنا وعتبة يقف عندها كل سوري , ليُقلّب بين كفيه صفحة من صفحات الأرشيف الفرنسي , ويسأل نفسه ماذا أُخِذَ منا وأعطي لنا مقارنةً بشقيقنا لبنان , سؤال برسم الإجابة . 

صحافي سوري

(28)    هل أعجبتك المقالة (27)

الحمصي

2007-09-10

مقال جيد ثائر ، وبالتوفيق.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي