أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

إيزابيلا الليندي تعترف بفضل السيدةالتي علمتها رواية القصص .. محمد عبده العباسي

لاشك أننا أمام سيدة تعترف في أوراقهابفضل من علمتها كتابة القصص ، سيدةمسكونة بحب كتابة القصة القصيرة ، تؤكد أن الناس جبلوا منذ أزمنة سحيقة علي حب سماع القصص ، حتي هؤلاء الذين كانوا في العصر الحجري يتحلقون حول النار يستدفئون منها ، إذن كان لابد من اختراع القصص فهي بدورها تؤدي دوراً جليلاً في حيواتهم .
علي أن إيزابيلا الليندي تلك الكاتبة التشيلية تؤكد أيضاً بأنها عاشت في بلادها أياماً قاسية بعد الإنقلاب العسكري الذي أودي بحياة عمها سلفادور اللندي رئيس البلاد ، كما أنها سبق وأن رأت غزو أمريكا لبلادها ، تشعر بأنها ربما تكون مسئولة عن ذلك ، داهمها ذلك الإحساس وبقوة عندما اشتعلت الحرب في الشرق الأوسط ..
تري إيزابيلا الليندي أيضاً أنها تعرضت لسلسلة من الأحداث المأساوية ، فقد نجت وبأعجوبة من إعصار دمر جزءاً كبيراً من المدينة التي كانت تقطن فيها بعد هجرتها من شيلي إلي الولايات المتحدة ، كما لاحقتها أحداث أخري مثل حريق وقع في بيركلي ، ثم تسخر قائلة :
ـ كنت في أحد المصارف ، واقتحمته جماعة من اللصوص أيضاً .
ولعلنا نقف في إعجاب أمام إيزابيلا الليندي وهي تعترف :
ـ كيف أصبحت كاتبة ؟
عملت إيزابيلا في نهاية السبعينيات من القرن الماضي بوظيفة معلمة بإحدي المدارس في فنزويلا ، وبينما هي تخطو أولي خطواتها في هذا المعترك ، حتي رأت مديرة المدرسة أن تحل المعلمة الجديدة محل المعلم الغائب ..
كانت خطواتها مهلي وهي تمضي حذرة ، فإذ بها داخل قاعة الدرس بين مايربو علي الخمسة عشر قزماً ، أحاطوا بها من كل جانب وهم يعيثون فساداً في المكان كأنهم حيوانات لم تروض ، كانوا يجرون هنا وهناك ، مقاعدهم تطير في الهواء ، صراخهم يعلو ونجيبهم يطول ، تعلو الولولة ويزداد البكاء ..
حارت المعلمة الجديدة فيما تفعل وفي محاولة يائسة منها حاولت إسكاتهم بشتي الطرق ، باءت محاولاتها بالفشل أيضاً ، راحت تصرخ في وجوههم ، وأخيراً وجدت نفسها تغمض عينيها وتكاد أن تجهش في البكاء ولكنها راحت تصلي ، ظلت علي هذه الحال فترة ..
فجأة دق باب قاعة الدرس ودخلت سيدة بدينة سوداء بيدهال مكنسة ودلو ، تركت ما في يدها ثم ابتسمت في شبه هدوء وراحت تحكي لهؤلاء الأطفال قصة ، في ثوان كانوا قد عادوا إلي مقاعدهم في صمت وجلسوا وكأن علي رؤوسهم الطير والمرأة تحكي في صوت رتيب .
تمنت المعلمة لو أنها تمتلك نفس القدرة علي الحكي ، ومن هنا قررت أن تصبح راوية قصص .
وراحت تتذكر طفولتها ودور تلك الجدة التي كانت تأخذ بأسماعها وهي تحكي القصص ، لم تكن تعرف أن للقصص أية فائدة ، لقد كانت وهي صغيرة تحكي فيصفها من حولها بـ " الكذابة" ـ ويرون أن كتابة القصص هو نوع من الكذب ، ولكنهم بعد ذلك قالوا عنهاراوية ..
لقد جاءت إيزابيلا الليندي من بلد تكثر فيها الحكايات ـ علي حد قولها ـ في دول العالم الثالث يكثر رواة القصص ويكثر عدد الأميين في الوقت نفسه يقل عدد من من لديهم القدرة علي شراء الكتب ، الرواة يروون الحكايات في الأسواق ، والشعراء يلقون قصائدهم من فوق المنابر ، تلك وسائل لحماية الذاكرة من الإندثار ..
ولعل إيزابيلا الليندي يأخذها العجب وهي تحكي عن كتاب القصة في بلادها وتتساءل عن تلك المكانة التي يحتلونها فالكاتب في أوربا وأمريكا هو الكاتب مهما صادفه من نجاح أما في أمريكا الجنوبية فمن السهل عليه أن يصبح رئيساً للبلاد ، تؤكد :
ـ لو أنك كنت كاتباً جيداً للقصة فصوتك مسموع ، ربما يستشيرونك في كل أمر ـ هذا بالطبع إذا كنت رجلاً ـ أما المرأة فلها مكانة أخري .
وتتحدث عن بلادها بشغف ، وعن الموروث الثقافي الذي لم يمحوه أي غزو، فتؤكد بأن كريستوفر كولومبس عندما اكتشف القارة الأمريكية قام ومن معه بمذابح أودت بحياة الكثير من البشر ، دمرت مدنهم ومحيت قراهم من الوجود وفروا من الفقر ومن طغيان الحكام ، ولكنهم حملوا معهم عاداتهم وتقاليدهم ولغاتهم وثقافاتهم ، بل وأضافوا عليها ذكرياتهم وما تحوي من آلام .
اختلط المهاجرون بالسكان الأصليين فتولدت أجيال تحمل أقدرراً مأساوية ، ولكنها تمتلك أخيلة بلا حدود .
من هنا حملت الأرجنتين وشيلي وفنزويلا وبلاد أخري علي اسم بلاد أمريكا اللأتينية ، كل هذه الدول تشبه بعضها البعض ، فالسائر في أي من شوارعها لا يستطيع أن يحدد بالضبط أين هو من هذه البلاد وفي أي من مدنها هو . فالناس في هذه البلاد احتفظوا بثقافاتهم ونجح الكتاب والشعراء فيها فيما فشل فيه الساسة والحكام .
وكما تقول إيزابيلا :
ـ الكتاب والشعراء استطاعوا نسج الماضي في مخيلتهم بشكل رائع ، يبدو ذلك في كتاباتهم وأشعارهم وبطريقتهم الخاصة .
إيزابيلا الليندي تبيح بسرها بأنها تحب الرواية الطويلة المعقدة ، كما أنها تحب القصة القصيرة ، فالقصة القصيرة عندها يجب أن تتسم بسمات القوة والقدرة علي التعبير كما أنها تري بينهم إختلافاً بالطبع .
في الرواية ـ والكلام لإيزابيلا ـ الكاتب يخلق جواً مشحوناً بالتفاصيل ، فهو ينسج عمله الروائي مثلما تنسج العاملة بساطاً مفعماً بالألوان ، أما القصة القصيرة فهي مثل سهم منطلق لا يحق للكاتب أن يرمي به إلا مرة واحدة .
الكاتب في القصة القصيرة لا يملك الوقت ولا المكان لأن يرتكب أي خطأ كان ، فأي خطأ يظهر في التو واللحظة ، إذا لم تكتب الجملة المناسبة في موضعها في بداية القصة فعليك أن تنسي قصتك بالمرة ، فلا فائدة البتة من وراء مواصلة الكتابة .
وتؤكد إيزابيلا من خلال كتابتها عن حبها لكتابة القصة القصيرة وأن علي الكاتب الحقيقي ألا يفقد القصة أريجها ، هذا الأريج الذي يجعل مخيلة القاري دائماً تعلو في الأجواء .
وتعود إلي القول بأن الكاتب الروائي هو في حاجة ماسة وضرورية للتحلي بالمزيد من الصبر ، وإلي الكثير من الوقت وإلي التركيز الجاد ، كما أنه بحاجةأيضاًُ إلي عين لاقطة لها القدرة الكبيرة علي اكتشاف أدق التفاصيل .
وتقول أنها لم تكتب سوي مجموعة قصصية واحدة ، فالقصة القصيرة عندها تمثل نوعاً صعباً من أنواع الكتابة الأدبية لذا فهي لن تكرر مرة أخري كتابتها، فهذا الفن هو أقرب للشعر من الرواية ، وتتساءل :
ـ ألا يري المرء أننا لا نتذكر سوي القليل من القصص في الوقت الذي يكون قد قرأ فيه من قبل منها العديد ؟
وتؤكد الكاتبة أن لكل كاتب طريقته في الكتابة ، ولكل كاتب أيضاً حيلته .
وترى أنها تفضل الكتابة عن زمان ومكان غير محددين ، وفي كتابة القصة القصيرة تحاول قدر الإمكان تجنب عدم فقدالخيط الرفيع الذي يربط بين الأحداث وبين ربط القصة بإحكام .
وفي رأيها أن الرواية مثل شجرة التين فروعها وارفة وأكلها كثير ، أما القصة القصيرة فهي لابد وأن تكون نحيلة ، مستقيمة ، رشيقة مثل نخلة .
القصة القصيرة حين أبدأ في كتابتها يأخذ المكان فيها أهمية قصوي ، و لابد أن تكون وحدة كاملة ، يجب أن أعرفها قبل الشروع في الكتابة..

مصر - بور سعيد
(9)    هل أعجبتك المقالة (8)

همام كدر

2007-09-03

اشكرك جدا استاذ محمد على هذه القراءة الرائعة لكاتبة تعاملني كأمي إيزابيل ألليندي أذكر انها صنعتني في صورة عتيقة وابنة الحظ .


محمد عبده العباسي

2007-09-04

إلي / همام كدر لك الشكر علي قراءة الموضوع ، والتحية علي التواصل .. أتمني أن تروق لك المواضيع التي أكتب فيها .. وتقبل كل المودة . ـــــ محمد عبده العباسي بوريسعيد / مصر .


التعليقات (2)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي