أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

السياسة التركية - السورية في ظل أردوغان

 رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، في أواخر كانون الأول (ديسمبر) 2004، بزيارة رسمية إلى سورية مما زاد فرص التفاؤل بعلاقات ثنائية مستقبلية. حيث تمت هذه الزيارة بعد زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى تركيا في كانون الثاني (يناير) 2004. لخص الرئيس السوري بشار الأسد زيارته الرسمية إلى تركيا كالتالي: «انتقلنا سوية من جو عدم الثقة إلى جو الثقة». وقد كانت سياسة تركيا تجاه سورية حتى نهاية التسعينيات، تقوم على سياسة العزل مما جعل التوتر يسيطر على هذه العلاقة.

إن الطبيعة المتغيرة للعلاقة، على أية حال، جديرة بالثناء إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الطبيعة الصعبة للعلاقات الدولية في الشرق الأوسط والتغيير الجدير بالملاحظة في سلوك السياسة الخارجية التركية. فقد تمركزت مشكلتا تركيا الرئيسيتان مع سورية، خصوصاً خلال التسعينيات، حول الماء والنشاطات السابقة لحزب العمال الكردستاني.

ضمنت تركيا وفقاً لبروتوكول وقعته عام 1987 تدفق 500 متر مكعب في الثانية من الماء إلى سورية. وارتفع التدفق، بشكل مثير للانتباه، لأكثر من 900 متر مكعب إثر حل أزمة تركيا مع سورية على خلفية زعيم حزب العمال عبدالله أوجلان في تشرين الأول (اكتوبر) 1998 (عندما طلبت تركيا طرد اوجلان من الأراضي السورية). وأشار رئيس الوزراء التركي أردوغان أثناء زيارته في كانون الأول (ديسمبر) 2004، الى أنه يمكن لسورية أن تزيد من استخدامها لمياه دجلة، بحيث يتم حل مشكلة المياه بين البلدين.

المشكلة الأخرى بين سورية وتركيا كانت اتهام تركيا لسورية بتقديم المساعدة والملجأ لحزب العمال، الذي كان في حالة حرب مع الدولة التركية خلال العقدين الماضيين. قبل أزمة تشرين الأول (اكتوبر) 1988، كانت هناك شكوك في الدوائر السياسية التركية بأن سورية أرادت استغلال المشكلة الكردية واستعمالها كورقة ضد أنقرة في النزاع على الماء والقضايا الإقليمية الثانوية الأخرى.

إن تزايد الشعور القومي في تركيا، والحيرة المحلية في سورية، وانسحاب روسيا من السياسة الشرق أوسطية، وملاءمة البيئة الدولية زوّدت تركيا بفرصة لاتخاذ إجراء قاس. فحالما تصاعد التوتر بين سورية وتركيا، بدأت أنقرة بالتحدث علانية عن عملية عسكرية ضد سورية لأسر أوجلان ومعاونيه.

ولوقت طويل، كانت تركيا وسورية محكومتين بعلاقة قائمة على العداوة التاريخية، ومؤسسة على العقائد العدائية، في محاولة من قبل صناع السياسة لـ «تسويغ» بعض المشاكل المحلية الرئيسية. على أية حال، فإن التغييرات الأكثر حداثة في سياسات تركيا الداخلية والتوجه الدولي جلبا نضجاً سياسياً وكذلك مساعدةً لدفع الحديث عن الامن القومي لتركيا إلى الخلف.

في الفترة ذاتها، لم يحدث في سورية تغيير بالمدى نفسه الذي تم في تركيا، لكن سورية أيضا مرت بتحولها الخاص. بدأ خط السياسة التركية الجديد بصنع إحساس مختلف تجاه سورية في عملية صنع السياسة الخارجية وجدول الأعمال الصعب السابق مما أفسح المجال لفرص التعاون. فاعتمدت تركيا، وفق رؤيتها لنفسها، ولو بشكلٍ تدريجي، موقفا أكثر ثقة بالنفس نحو جيرانها وبالوقت نفسه اعتبار ذاتها كجزءٍ مُتبنى أوروبياً.

هذا الموقف الجديد، الذي لن يشكك به بعد الآن بمجرد المخاوف الأمنية، ظهرت بفضله سلسلة مناسبة من التطورات، مثل أسر زعيم حزب العمال والمستوى المتضائل للإرهاب الانفصالي بالإضافة إلى السعي المستمر نحو عضوية الاتحاد الأوروبي.

إن علاقات وثيقة بين تركيا وسورية، في نظر النخب السياسية التركية والسورية، تعتبر ذات مغزى كبير من وجهتي النظر الأمنية والسياسية. وإذا كانت سورية تمر الآن، بخاصة بعد اغتيال الحريري، بفترة من الضغوط الدولية المتصاعدة أجبرتها على الخروج من لبنان وتكييف علاقاتها السياسية والأمنية مع «العراق الجديد»، فإن مسألة الإصلاح السياسي في سورية يجب أن تحظى بالأولوية المطلقة لأنها المدخل بالنسبة إليها لإعادة بناء سياستها الإقليمية وتبني خط أكثر واقعية واعتدالاً في السياسة الدولية. لذلك تبدو الإدارة السورية الآن وكأنها في حاجة إلى إعادة صوغ ذاتها وعلاقتها مع جيرانها بالاستفادة من التجربة الغنية التي أسسها حزب «العدالة والتنمية» بخاصة خلال فترة وجوده في الحكم.

لقد بدأ السياسيون الأتراك بتفضيل فكرة أن خط سياسة سورية بنّاءة في الشرق الأوسطِ سيساعد على التخلص من الشكوك الموجهة نحو سورية، بالإضافة إلى تخفيف التوتر في المنطقة، حيث تعتبر سورية الآن حليفاً وصديقاً محتملاً في الحسابات الإقليمية الجديدة لصناع السياسة الأتراك. على سبيل المثال، فمن منظوره، كوزير للخارجية، أظهر عبدالله غل شكوكه في أن تركيا وسورية لديهما مخاوف مشروعة حول مستقبل العراق ويجب أن تتعاونا بكل الطرق المحتملة، كما بدأتا العمل على تحسين السلام والاستقرار.

كما أظهر الأسد أثناء زيارة أردوغان إلى سورية في كانون الأول (ديسمبر) 2006، فهم القيادة السورية للموقف التركي الجديد بأن «لتركيا وسورية وجهات نظر مشتركة حول القضايا الإقليمية وأن بلاده تقدر جهود تركيا لإعادة السلام في الشرق الأوسط». كما وقعت سورية وتركيا اتفاقية تجارة حرة مع التفاهم على أن الاتفاقية يجب أن تُوسّع على المستوى الإقليمي للإمساك بروح العصر، بما يعني التعاون لتحقيق السلام والاستقرار، اللذين سيكونان نمطاً نموذجياً للاتّباع من البلدان المجاورة الأخرى.

تدخل الولايات المتحدة أيضاً على لوحة العلاقات التركية - السورية. فهناك عائق رئيسي واحد لتحسين هذه العلاقات وهو سياسة واشنطن المتشدّدة ضد سورية. فهناك قول مأثور في الدوائر المؤثرة في الإدارة الأميركية بأن هذين البلدين، سورية وتركيا، هما مشكلة خطيرة للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط الكبير. كما شهدت الفترة الأخيرة علاقات التذبذب بين تركيا والولايات المتحدة بسبب النزاع في العراق. فلقد كان اقتراح البرلمان التركي برفض دخول الجنود الأميركيين الى العراق من خلال الأراضي التركية تطورا مفاجئا لصناع السياسة الأميركيين. وعلى رغم تحسن العلاقات في الوقت المناسب، فإن هناك سوء ظن ضمنياً من كلا الجانبين. فأنقرة ليست راضية عن إعلان الإدارة الأميركية بأنها مع سلامة الأراضي العراقية، ولا تدعم فكرة قيام دولة كردية في شمال العراق. كما أن الإدارة الأميركية ليست سعيدة بالعداء المتصاعد لأميركا في المجتمع التركي وكذلك الحديث المعادي للسياسة الأميركية في الدوائر الإعلامية والأكاديمية.

تتبع حكومة أردوغان سياسة خطى متساوية مع الولايات المتحدة وأوضحت أنها ستتبع سياساتها المستقلة الخاصة. كما أن أنقرة تقاوم الاعتراضات الأميركية على سياستها المتغيرة تجاه سورية. بهذا المعنى وكمثال على التخطيط الطويل الأمد لسياسة تركيا المتغيرة تجاه سورية، لا بد من الإشارة إلى الدور التركي في نقل رسائل التهدئة بين سورية وإسرائيل بخاصة بعد أسر المنظمات الفلسطينية الجندي الإسرائيلي غلعاد شاليت، فقد أرسل اردوغان مستشاره أحمد داوود أوغلو إلى دمشق، حيث نقل إلى الرئيس السوري بشار الأسد رسالة تتضمن المخاوف من تصعيد العنف وانتشار الأزمة إلى المنطقة بأكملها.

إن تدخل تركيا في هذه الأزمة كان فريداً في حال تم تذكر الموقف التركي السابق القائم على سياسة عزل سورية وعدم التدخل في النزاعات الشرق أوسطية عموماً. تظهر لنا مهمة أحمد داوود أوغلو ثقة صانعي السياسة الأتراك بأن العلاقات التركية - السورية هي في الشكل الجيد جداً بحيث تستجيب سورية إيجابياً إلى الطلبات التركية في الأمور الإقليمية.

تبين لصناع السياسة الخارجية الأتراك بأنهم قد يصبحون في مواجهة للاختيار بين مصالحهم الإقليمية وتصميم الولايات المتحدة الإقليمية في هذا العهد الجديد. إن الاختيار التركي هو السلام والأمن في الشرق الأوسط، والطريق إلى السلام يمر من خلال سياسة جوار طيبة. بهذا المعنى، فإن تغيير الموقف التركي تجاه سورية يعد مدعاة للتأمل. فسورية وتركيا الآن لا تحتفظان فقط بعلاقات جيدة على المستوى الثنائي، لكنهما تتعاونان في عدد من القضايا الإقليمية مما يعكس دوراً ثنائياً جديداً في الشرق الأوسط.

 

بولند آراس - رضوان زيادة - الحياة
(13)    هل أعجبتك المقالة (14)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي