أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"حسناء طحان" فنانة سورية تحوّل قطرات الدموع إلى لوحات خطية في تركيا

حرصت "حسناء" في أعمالها على تدبيج لوحات متوازنة ذات نسيج واحد متكامل

إذا كان من المعتاد أن نسمع عن خطاطين امتازوا بإبداعهم وعطائهم الفني في تاريخنا العربي القديم والمعاصر، فمن غير المعتاد أن نسمع عن خطاطة أنثى لما يحتاجه هذا الفن من صبر وأناة، ولكن الخطاطة السورية "حسناء طحان" كسرت هذه القاعدة وأطلت بقوة على هذا العالم الفني الذي يحتاج إلى الكثير من الصبر والمران والدقة.

واستطاعت أن تؤنث الخط العربي وتضيف إليه كل ما تمتلكه المرأة من سمات الرقة والأنوثة والشفافية والدفء، وأن تعيد أمجاد الخط العربي الذي قام في جزء كبير من إبداعاته على عطاء فنانات عربيات كما يحدثنا التاريخ.

منذ نعومة أظفارها كانت تشعر بميل شديد إلى عالم الخط العربي، ولكن ظروفها كانت غمامة سوداء حالت بينها وبين هذه المملكة السحرية، وما لبثت هذه الغمامة أن انقشعت شيئاً فشيئاً عندما كبرت قليلاً، وتمكنت من إشباع هذه الرغبة الفنية وعندما اقترنت بالخطاط الحلبي المعروف "محي الدين بادنجكي" بدأت تعيش جو الخط معه بحب وشغف دون أن تزاوله.

وروت الخطاطة الحلبية لـ"زمان الوصل" أنها بدأت بخط الرقعة الذي هو أساس الخطوط وأجازها زوجها الفنان فيه بعد أن أجادته وأتقنته، وبعد أن تهجّرت إلى تركيا بسبب ظروف الحرب منذ خمس سنوات بدأ اهتمامها الجدي بهذا الفن، وكانت خطوطها نظيفة وجريئة، لكنها لم تكن دقيقة في قواعدها، وهذا ما جعلها دائمة القلق والاضطراب تبحث دائماً عن آفاق جديدة توصلها إلى الكمال الذي وصل إليه الخطاطان "بدوي الديراني" و"محمد هاشم البغدادي" وغيرهم من الرواد الكبار الذين خطوا بأيديهم أجمل اللوحات الخالدة فنقشوا بذلك أسماءهم على جدار الزمن.

وتمضي الخطاطة "حسناء" لتشير إلى مراحل عملها على اللوحة التي تبدأ -حسب قولها- بعد أن تلمع في خاطرها فكرة اللوحة أو العبارة أو الآية التي ستكتبها، وبعد أن ترتب أفكارها تختار نوع الخط الذي يناسبها والقلم أو القصبة التي ستكتب بهما ولون الورق المناسب الذي تقوم بمعالجته معالجة فنية ليصبح مناسباً للكتابة، وبعد أن يصبح الخط جاهزاً تشرع في تزيينه بالزخرفة المناسبة أو بتزيينه بـ"الأوبرو" وهو فن الرسم على الماء الذي تعلمته على يد زوجها الفنان، محولةً الدموع لقطرات حبر تكتب بها على الورق، حسب تعبيرها.

حرصت "حسناء" في أعمالها على تدبيج لوحات متوازنة ذات نسيج واحد متكامل يرفع المرء إلى سدة التأمل، ويجعله يدخل إلى معاني الكلمات، في إيقاعات حركية سريعة، من خلال بناء محكم يظهر فيه الرسوخ والتمكن، وسحرالتركيبة، وجمال الاتزان، مع مراعاة التسلسل المنطقي للكلمات، ومن هنا يأتي تميز أعمالها، ومن جانب آخر حرصت على كتابة الخطوط التي تمتاز بالليونة وتعطي الإحساس بالقوة بمجرد النظر إليها عن طريق التوازن والتناظر والتعادل في الحركات.


وحول أكثر الخطوط التي تميل إليها أشارت الفنانة الخطاطة "حسناء" إلى أنها تعلمت أكثر أنواع الخطوط ومنها الرقعة والديواني والثلث والنسخي الذي هو خط القرآن الكريم، ولكنها -كما تقول- تميل أكثر إلى خط الديواني الذي تسميه الخط الأنثوي" لتميزه بالرشاقة والليونة، وأمضت وقتاً لا بأس به في تعلم بعض حروفه، وتقليد بعض عبارات الخطاطين المشاهير، مضيفة أن أكثر ما يميز أعمالها الخطية عما يبدعه الخطاطون الرجال هو الألوان الأنثوية في الزخرفة ولون الورق الذي تكتب عليه فتظهر اللوحة بلمسة أنثوية.

لا شك أن صناعة اللوحة الفنية هي ولادة دقيقة وخطيرة قد تكون ناجحة وقد تكون متعسرة، وتحتاج إلى مراحل عديدة ودراية كبيرة في هندسة الحروف، وهذا ما أكده عالم الرياضيات "اقليدس" بقوله: "الخط هندسة روحانية وإن ظهرت بآلة جسمانية وحول هذه الفكرة تروي الخطاطة القادمة من حلب أنها اعتادت في بداية تعلمها رسم الحرف بطريقة هندسية وما إن تمكنت من قلمها قليلاً حتى بدأت تضفي لمستها الروحانية، فيظهر عشقها وشغفها لهذا الفن العريق بلوحة فنية تحكي قصة هجرتها ومعاناتها وفراقها لأهلها وأولادها وأحفادها، حتى أنها أطلقت على كل لوحة أسماً من أسمائهم.

ولفتت محدثتنا إلى أن القدماء "كانوا يعتقدون أن هناك رابطة روحية وصوفية بين النساء وحروف الهجاء، فقد وصف كاتب مجهول إحدى الخطاطات بقوله "كأن خطها أشكال صورتها، وكأن مدادها سواد شعرها وكأن قرطاسها أديم وجهها وكأن قلمها بعض أنملها، وكأن بيانها سحر مقلتيها، وكأن سكينها سيف لحاظها، وكأن مقطعها قلب عاشقها".

ولفتت الخطاطة الحلبية إلى أن هناك قلة من النساء العربيات في العصر الحديث ممن برعن في الخط العربي وإن كانت هناك بعض الخطاطات في مصر والعراق تميزن -كما تقول- بعطائهن وإبداعهن.

وتُعد هي الخطاطة السورية الأولى وما ميزها –كما تقول- أنها ولدت في قلب المحنة وتمكنت من إثبات حضورها بإمكانيات بسيطة جداً.
وأردفت أن تعلمها لفن الخط العربي أزهر بشغف وعشق ومجاهدة ومشقة ومتابعة وإصرار على التميز وكسر جليد الغربة واللجوء في حياتها.
ولا تدخر "حسناء" جهداً في تعليم الخط العربي للفتيات السوريات في تركيا، وبخاصة خط الرقعة إذ بدأت مؤخراً بإقامة دورات تدريبية وأكثرها تطوعية للطلاب بكافة الاعمار والمستويات.

واعتادت –حسب قولها- تعليمهم قواعد الحرف الصحيحة وطريقة إمساك القلم حرصاً منها على تعلم اللغة العربية التي هي تاريخنا وثقافتنا وأصالتنا وحرف القرآن الكريم لكي لا ينساه جيلنا الناشئ الذي أُجبر على تعلم لغة البلدان التي لجأ اليها، مضيفة أن "هذا الفن العظيم يمكن أن يكون مصدر رزق لهم في بلد وثقافة جديدين".

وتستعد "حسناء" مع زوجها حالياً لدورة في مركز "gsmk" تجمع بين فن التذهيب والزخرفة التركية مع فن "الآبرو" التركي ليتحقق الاندماج بين الثقافة العربية والتركية.

زمان الوصل
(51)    هل أعجبتك المقالة (75)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي