أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الحياة في "مخيمات" باردو قسنطينة ... عيش علجية

طالبوا بإيفاد لجنة وزارية للتحقيق في عملية توزيع السكنات
سكان باردو يناشدون رئيس الجمهورية و ينددون: اين هي حقوق المواطنة..؟
تلك هي الحقيقة التي كشفها سكان حي شارع رحماني عاشور المعروف باسم "باردو" و خلفيات تهديم الحي و إعادة إعماره ببنايات حديثة متطورة مؤكدين أن مشروع باردو هو مشروع تحضيري لإعادة إسكان يهود قسنطينة أو عملائهم و إحياء تجارتهم وعملاتهم النقدية ، سيما و عملية توزيع السكنات حسبهم تمت بطريق غير قانونية عن طريق المحاباة و الرشوة في الوقت الذي حرم فيه الذين يستحقون فعلا هذه السكنات، و قد طالب سكان باردو بإيفاد لجنة وزارية للتحقيق في عملية توزيع هذه السكانت..
بطاقة فنية لحي باردو
يعتبر شارع رحماني عاشور من أقدم أحياء مدينة قسنطينة أنشئ قبل اندلاع ثورة التحرير الكبرى نوفمبر54، و اتسعت رقعته مع أخذ الجزائر استقلالها، و يحكى أن اسم باردو أطلق عليه عند مرور أحد الأشخاص من ألأقدام السوداء فاصطدم بأحد سكان هذا الحي فاعتذر منه بلغته الأجنبية و منذ ذلك الوقت أصبح يطلق على شارع رحماني عاشور سام "باردو"، نشأ هذا الحي على غرار بعض الأحياء الشعبية الأخرى ( شارع رومانيا، بن تليس ، جنان التشينة و أحياء شعبية أخرى..)، بطريقة فوضوية بعيدة عن المعايير و المقاييس المعمول بها دوليا، بعض الملاك يملكون الملكية و آخرون بنوا سكناتهم بطريقة غير شرعية و استأجروا غرفهم لسكان آخرين..
ورغم أنه مبني على عمق كبير جدا، بحيث يسهل هدمه في حالة الكوارث الطبيعية، لكنه عرف إقبالا كبيرا من المواطنين من مختلف المناطق حتى من خارج الولاية، كونه يحتل موقعا استراتيجي هاما، فهو قريب جدا من وسط المدينة، و يعتبر القلب النابض لمدينة قسنطينة حيث يسهل على ساكنه بالتنقل إلى مختلف الهياكل الإدارية ( الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ، المكتب الرئيسي للبريد و المواصلات، المجلس الشعبي البلدي، دار المالية ، الأسواق و غيرها من الهياكل الإداري التي يتردد عليها المواطن يوميا و بشكل مستمر كالمستشفيات، و المدارس بالنسبة للتلاميذ..)..
ومن يريد معرفة موقع حي باردو بالنسبة للأجنبي فهو يستدل من خلال بعض مواقعه المعروفة مثل ( عين عسكر، جامع الشنتلي..) إذ تعتبر هذه المواقع الخريطة السياحية و المرشد السياحي للحي، وعرف على حي باردو أنه مقسم إلى مناطق أو مجموعات معروف منها سكان عين عسكر و هم يتوسطون بين الثكنة العسكرية و الوادي، السكان الذين يجاورون دار المروكية، و أسفلهم السكان المجاورين لكوشة سي العيد، و من الأعلى سكان التيرة المجاورين لمدرسة السنوبر، يجاورهم كذلك سكان عين حلابة، وفي الجهة المقابلة عرش النكاكعة و بوجلال و إخوانه، ثم نصعد إلى سكان كوشة لخضر و قهوة زعباط ثم عين بوطنبل، ثم نتجه نحو ديار عارامة ، و المحاذية لدار السارجان المعروفة بمحلاتها، لنعود إلى عين عسكر نقطة البداية، و هي العين المعروفة و المشهورة أكثر في هذا الحي القديم، حتى بالنسبة لسيارات الأجرة، فمن أراد الذهاب إلى باردو فعليه الاكتفاء بالقول : خذني إلى عين عسكر..
وقد عرف حي باردو نوعا من التهميش و الإقصاء لسكانه من قبل الجهات المحلية ، بحيث لم تطرأ أي تغيرات من ناحية تأهيله أو تهيئته أو تعبيد طرقاته ،و ساعد هذا التهميش في انتشار بعض الظواهر كالسرقة و الاعتداءات و غيرها، إلى غاية بداية التسعينيات ، بمجيء حزب "الفيس" حيث عرف نوعا من التحسن في الجانب المعاملاتي و اكتسى الحي سمعة طيبة خاصة بعد بناء مسجد الإمام مالك بمنطقة عين عسكر..
في الوقت الذي تؤكد فيه الأرقام الإدارية أن سكان باردو يصل عددهم الى 1400 عائلة غير أنه من الصعب جدا إحصاء سكان حي رحماني عاشور أو باردو، فقد عُرفَ سكان بادرو خاصة الملاكين منهم باستئجار غرفهم إلى عائلات أخرى، أو كما يسمونهم بـ: "الكرّاية" ، بحيث قد نجد لكل ملاك 06 أو 10 مستأجرين و آخرون يصل عدد مستأجريهم الى 12 و 15 مستاجر، معظمهم ولدوا و كبروا فيه ، و تزوجوا و أنجبوا و هم اليوم لهم أحفاد متزوجين كذلك ، وبالتالي فالمحتمل أن يصل عدد السكان إلى 10 آلاف ساكن أو أكثر، و أن حي باردو يعتبر "مدينة في قلب مدينة..
ما ساعد في إقبال السكان على هذا الحي هو أن قيمة الإيجار آنذاك أي ما بين فترة الستينيات و السبعينيات كانت تتراوح ما بين 30 دينار إلى 100 دينار للشهر، و كانت قيمة الكهرباء تدفع جماعيا حسب عدد المصابيح التي يستعملها المستأجر، كما أن هذه السكنات تحتوي على غرف تصل أحيانا إلى 25 غرفة و أكثر، لكنها لا تتجاوز مساحتها المترين و علوها المتر و النصف وقد سماها أهلها بالأقفاص مطلقين عليها كذلك مصطلحات عديدة مثل " الدخاخش" و غيرها من الأسماء و المصطلحات، كونها لا تصلح للسكن سيما و هي خالية من التهوية و جل نوافذها لا تطل على الشارع، ناهيك عن تواجد الجرذان و مختلف أنواع الحشرات ( البق و القـْـرَلــّو) مما سبب للسكان الكثير من الأمراض المعدية والتنفسية خاصة الأطفال منهم..


50 سنة و باردو منسي..؟
قرابة الـ 50 سنة و باردو منسي و لم تفكر السلطات المحلية في إعادة تأهيله أو رفع الغبن عن أهله ، رغم عدد الولاة الذين تعاقبوا على تسيير شؤون ولاية قسنطينة و الأميار و المسؤولين الذين هم يجلسون اليوم على كراسي البرلمان و الوزارة ، و هو السؤال الذي طرحه السكان دون أن يجدوا له جوابا، ماستنتجه سكان باردو هو أن إعادة تحديث حي باردو تزامن مع الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي و نظيره الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الى ولاية قسنطينة في ديسمبر من سنة 2005 ، خاصة و قد ركز الرئيس الفرنسي ساركوزي على زيارة ما يسمونه بـ: " فيلاج اليهود" الواقع بين حي "لارموط" و حي "شاركو" بسيدي مبروك و هم من يهود قسنطينة، علما أن حي سيدي مبروك العلوي قد تم غزوه مؤخرا من قبل سكان عين فكرون، لكن الحقيقة حسب ما أوردها المواطنون الذين يعلمون الخفايا و الخبايا، أكدوا لنا أن اليهود زرعوا عملاءهم في الحي العلوي من سيدي مبروك في فيلات تقدر بالملايير، لينشطوا تجارتهم و ينموها حتى تكون لهم "قاعدة" متينة تمهد لهم الطريق وتمنكهم من العودة الى ديارهم ، و هو نفس المشروع الذي يراد إنشاؤه في حي رحماني عاشور ، خاصة و مخطط مشروع السكنات الجديدة بباردو جاءن في نسق هندسي معماري حديث على شاكلة الهندسات المعمارية الأوروبية و بالتالي من غير الممكن أن تنمح هذه السكنات لعامة الشعب البسيط المغلوب على أمره، و أن مستفيديها معروفين و مدونة اسماؤهم في القائمة مسبقا..


"معوقون" و "ملاكون" لم تورد أسماؤهم
في قائمة المستفيدين..؟
تبدو أن رسالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة التي ألح فيها بمناسبة اليوم الوطني للاشخاص المعوقين بذل كل الجهود لتمكينفئة المعوقين من التمتع بكل حقوقهم كأشخاص و كمواطنين في المجتمع، مثل الحق في العمل و التوظيف و توفير لهم بيئة صحية اي سكن لائق بهم قد ذهبت أدراج الرياح، و كان تجسيدها مجرد حبرا على ورق، حيث ما تزال عائلات معوقة لا تعرف من هذه الحقوق إلا اسمها، و هو ما حدث مع بعض العائلات التي تسكن بحي باردوا ، فقد وجدت هذه العائلات نفسها بين عشية و ضحاها في الشارع ذنبها الوحيد أنها معوقة و فقيرة لا تملك مال تشتري به مسكنا او تقدم به رشوة في زمن أضحت تقدر فيه قيمة المرء بالرشاوي ، و قد فقد هؤلاء معنى الرعاية السكنية و اصبحوا يشعرون أنهم عالة على المجتمع..
قصة السيدة عكاشة علجية البالغة من العمر 63 سنة يعجز اللسيان عن وصفها، فعند زيارتنا خيمتها وجدناها "تحبو" على أربع كالطفل الصغير، في بادء الأمر لم نلاحظ إعاقتها حتى أرتنا رجلها و علمنا أنها معوقة حركيا، حيث تفتقد السيدة عكاشة إلى نصف رجلها اليمنى سالناها كيف تقوم بالواجبات المنزلية بهذه الإعاقة ، و قبل أن تجيبنا سبقتها دموعها و أجهشت بالبكاء و لم تتمالك نفسها، و بصعوبة أجابتنا: "كما رايتني فانا قعداء و قد اعتدت على العمل جالسة أزحف كاثعبان و عند المشي احبو كالأطفال.." ، لكن ما تاسفت له السيدة عكاشة ،أنها لم تكن تتوقع يوما ان تجد نفسها مرمية في الشارع و هي في هذه السن و الحال، سيما و هي أرملة و لها اولاد كبار إحداهن مطلقة و لها أطفال كذلك، لم ننهي حديثنا مع السيدة عكاشة حتى لمحنا طيف امرأة قادم بمجرد سماعها تواجد الصحافة، انتقلنا الى خيمة السيد قدور هشام 38 سنة و هو الآخر معوق حركيا، فهو يفتقد الى رجليه الإثنين حسب شهادة زوجته الحامل، لم نتمكن من أخذ له صورة حية عن حالته الصحية كونه ما يزال طريح المستشفى ، إلا أننا تمكنا من أخذ نسخة من بطاقة المعوق (نسخة مرفقة) ، و حالات أخرى محزنة ويصعب مشاهدتها مثل حالة السيدة غانم نصيرة 50 سن من عمرها و هي كذلك معوقة بنسبة 100 بالمائة ( انظر النسخة ) حالة نصيرة لا تصدق ، تروي نصيرة قصتها مع الدائرة و كيف اقترحت عليها هذه الأخيرة الى تحويلها الى دار العجزة و كأنها مشردة و لا أهل لها..
لم تكن هذه العائلات من المخادغات ، بل كانت في غاية الصراحة و الصدق ، حيث صرحت لنا أنه لم تكن من الملاك يوما ، فقد كانت مستأجرات لكنهم اقصوا من قائمة المستفيدين على السكن ، ذنبهم الوحيد أنهم معوقون و فقراء..
و هناك حالات اخرى لم نتمكن من زيارتها لضيق الوقت ، و اكتفينا بإطلاف نظرة على المُلاك، و إذ بنا نقف على واقع مرير، جلهم لهم عقود الملكية اي أنهم ملاك حقيقيين ( صورة مرفقة) ، وقد كان لنا لقاء مع عائلة لوقاف صالح و إخوته الثلاثة، و هم من بين الملاك الذين فقدوا منازلهم و أخرجوا عنوة من ديارهم ظلما وزورا، دون أن يستفيدوا من السكنات الجديدة أو تعويضهم عن الخسارة التي لحقت بهم بعدما هدمت منازلهم، عند وصولنا الى هذه الخيمة وجدنا عمي صالح يبتهج لقدومنا لنشاطره الماساة، و قد غلبته وطنيته إذ بنا نجد العلم الجزائري معلق على راس الخيمة ( انظر الصورة رقم 07) و من خلال حديثنا معه علمنا أن ولديه الإثنين من بين الموقوفين في عملية الإحتجاجات التي شنها السكان المنتتفضين وهما اليوم رهن الحبس المؤقت، أدخلنا الى خيمته و اطلعنا على الوضعية التي آل اليها اثاث منزله و أولاده و إخوته..
يعرض علينا عمي صالح اثاث ابنه الذي عزم على الزواج بعد العيد و يتمثل في غرفة نوم من الطراز الرفيع و الحالة التي عليها هذه الغرفة اليوم بعدما طالتها مياه الأمطار و العواصف، يضيف عمي صالح أن الجهة المسؤولة لم يشفع فيها الشهر المبارك و لا حتى ظروف الأم المصابة بمرض مزمن، ولولا الحماية المدنية التي سارعت بنقلها الى المستشفى لكن مصيرها اليوم المقبرة، حتى الكنة ( حامل) لم تمنع من اعتدائهم ، و لكن الأقدار قال عمي صالح أقوى منا جميعا.. و يصمت و هو يحلق بنظره الى العلم الجزائري، و هي قراءات كثيرة توحي أن هؤلاء ما زالوا لم يعرفوا معنى "الإستقلال.. !؟ " الذي بلغ سن الكهولة ، و أنهم ما زالوا متمسكين بوطنيتهم و بلدهم مهما فعل الأعداء..، ثم يواصل حديثه معنا قائلا: من الصعب ان تجد شقاء و تعب السنين يضيع بين عشية و ضحاها..


بيوت أعمدتها الأشجار و جدرانها زرابي "بوشليق"

عندما علمنا في المرة الأولى أن السكان المطرودين من ديارهم يسكنون في خيم ، ظننا أن السلطات المحلية رافت بهم و دعمتهم بخيم جاهزة حتى وقفنا على الوضع المحزن ، لم تكن تلك الخيم من النوع الجاهز ، لكن الواقع يعكس ذلك فالزائر لهذه الخيم يقف على حجم الكارثة التي وصلت اليها حقوق الإنسان و المواطنة في الجزائر، ما يؤسف له هو أن الطبيعة كانت أحن من البشر في إيواء هذه العائلات المشردة ، فقد اتخذت العائلات من الأشجار أعمدة ( عرصات ) لبناء بيوتها أو خيمتها ، مستعملة في ذلك الملابس و الزرابي القديمة أو كما تسمى بزرابي " بوشليق" ، بعدما ربطتها في فروع الأشجار، أما الأبواب فهي من مصنوعة من اللحاف les draps و ملاءات النساء ، و تحولت بعض الحشائش الى أفرشة يجلسون و ينامون عليها،  ، سالناهم عن كيفية طهي فطور رمضان فأخبرونا أنهم يعتمدون على الأكل الجاهز و صدقات المحسنين..، و هناك حالات اخرى وقفنا عليها مع عائلات أخرى ، و لم تجد هذه الأخيرة ما تقوله سوى إثبات عقدو ملكية منازلها ..
تلك هي الحياة في مخيمات باردو و هي أبشع من مخيمات اللاجئين في فلسطين أو الصحراء الغربية.. ذل و غربة و مهانة في جزائر العدالة الإجتماعية، و في جزائر الألفية الثالثة..


نقوش في جدران ( باردو ما نودوش)


زيارتنا قادتنا الى تفقد الحي باكمله ، إذ يخيل اليك و كأنك تقف على الأطلال ، كل شيئ تهدم ، لم تبق بناية ماعدا "الأطلال" من يعرف حي باردو يبكي عليه الدم بدل الدموع، اين هي عين العسكر ، أين هي كوشة لخضر و اين هي الثكنة العسكرية التي تحولت الى ثانوية ، الكل تهدم لم تبق الا الجدران، كتب عليها اصحابها عبارات الرفض و التنديد ( بَارْدُو مَا نُّودُوشْ ) .. لم يبق إلا مسجد الإمام مالك ، بقي هذا الأخير يندب اهله الذين ألفوه و كانوا يعمروه، وهو اليوم ينتظر دوره ليوقع شهادة وفاته..، قد تكون الصور أصدق تعبير من الكلمات فقد عجز لساننا في التعبير عن هذه الماساة التي لحقت بسكان باردو و من لم يشقع فيه قلبه و ضميره و من لم يبك مع سكان باردو فقلبه من حجر..

(1)    هل أعجبتك المقالة (1)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي