أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الثورة التي حطمت أسوار الخوف وهدمت دولة الأسد الأمنية

من مظاهرات إدلب - جيتي

ما زلت أذكر تماما ما قاله ابن خالتي عندما روى لنا حكايتهم مع صورة حافظ الأسد في تسعينيات القرن الماضي، بعد أن علقها مسؤولو الفرقة الحزبية على نافذة غرفته المطلة على الطريق العام في إحدى القرى التابعة للزبداني أثناء الاحتفال بأعياد تشرين، فالعادة جرت أن تتزين القرى بصور القائد المفدى وتجوب المسيرات كل الشوارع والساحات هاتفة بحياة "رب" سوريا.


بهذا الكلام بدأ ابن البقاع اللبناني "سامي أحمد" حديثه لـ"زمان الوصل" ومضى يقص حكاية أبناء خالته السوريين الذين غلبهم الخوف من حافظ الأسد وأجهزته الأمنية وطغى على حبهم لرؤية ضوء الشمس المحجوب بفعل الصورة التي حلت عليهم كاللعنة، فلا هم قادرون على إزالتها أو على أقل تقدير إزاحتها قليلا لينفذ الضوء إلى الغرفة المظلمة.


ويروي "سامي" أن حجم الخوف الذي عشش في قلوب أقاربه وخوفهم من صورة حافظ الأسد جعلهم يفكرون بحراستها خوفا من أن يقترب منها أحد "المخربين" لأن لعنة الدولة الأمنية التي بناها صاحب الصورة ستحل عليهم وعلى أقاربهم وعلى الجيران وجيران الجيران.


هذه الحالة بقيت ملازمة أبناء خالة "سامي" حتى فعلت الأيام بتعاقب فصولها صيفا وشتاء فعلتها بمعالم الصورة، ما اضطر مسؤولو الحزب لإزالتها بمراسم بروتكولية، وبهذا زال الثقل الجاثم على صدور العائلة بأكملها.


ويوضح "سامي" أن هذا كان حال سوريا من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، فالدولة الأمنية القمعية هي عنوان البلاد، ولم يكن يجرؤ أحد على التفكير بالتأفف أو التذمر لا الخروج بثورة تطالب برحيل النظام، "كان هذا أشبه بالحلم.. رؤية السوريين في الساحات مطالبين بالحرية".


صدمة "سامي" وذهوله حدثت أيضا مع الصحافي الأردني المتخصص بالشأن السوري "أمجد العبسي" الذي روى لـ"زمان الوصل" شعوره وزملائه في التعاطي مع الساعات الأولى للثورة، وقال: "ونحن على ديسك التحرير والأنظار كلها مشدودة إلى مصر وثورة يناير وساحة التحرير في صنعاء.. كان الجميع يتساءل عن سوريا، هل يفعلها السوريون، كيف ومتى وأين وكيف سيكون رد فعل بشار الأسد ونظامه، خصوصا وأنه بادر في شباط فبراير بعد سقوط مبارك إلى التأكيد عبر صحيفة أميركية إلى استحالة تكرار المشهد بسورية بسبب ما أسماه هو حينها (بالعقيدة) أي أن نظامه شكل عقيدة لدى وجدان السوري بأنه الخيار الأوحد".


وأضاف العبسي: "مع انطلاقة الثورة كنا نتابع حوران وقراها والمسجد العمري ودرعا البلد وساحة الحريقة والمزة والأمويين بدمشق.. رأينا حمص وساحة الساعة، كنا مذهولين من ذلك النهوض السوري، كل سنوات التشويه والقتل للإنسان السوري طيلة حكم الأسد يسقط خلال أسابيع، رأينا ذلك السوري في تجلياته الشامية العميقة والعريقة والعربية الأصيلة".


وأردف "كانت القرى والأرياف تهرول نحو الثورة.. وكانت فاتورة الدم آخر ما تفكر فيه، اذكر تلك التساؤلات حول التحاق حلب ودمشق بالثورة ثم رأينا "عبد القادر صالح" (حاج مارع) رحمه الله يقود "لواء التوحيد" ويحرر نصف حلب في منتصف 2012".


وأكد "العبسي" أن السوريين حققوا المعجزات في ثورتهم: "نعم في 2011 و2012 وحتى منتصف 2013 كان السوريون وحدهم وفيها حققوا المعجزات.


لكن الانحدار جاء حين بدأ التدخل العربي والغربي في الثورة بذريعة نصرة الشعب السوري منتصف 2013، منذ ذلك الحين سلب قرار الثورة ولاحظ أن الثوار السوريين لم يحققوا سوى بضعة انتصارات هامشية، وكان تحرير إدلب وجسر الشغور في ربيع 2015 هو الانتصار الحقيقي الكبير".


واعتبر "العبسي" أن "لجوء الثورة للسلاح كان خيار المضطر، ولم يكن خيارا حرا"، مضيفا أن أجمل وأرقى فكرة على الإطلاق في الثورة بعد ظاهرة الساحات هي ظاهرة الجيش السوري الحر.. هي فكرة نبيلة وتاريخية لولا أن تواطأ الجميع عليها.. وهي بالمناسبة فكرة كانت ترعب بشار الأسد وجيشه كثيرا.. ولذا دفع بالإسلاميين المسلحين إلى الواجهة.. وهو لمح إلى ذلك في إحدى مقابلاته".


ورأى "العبسي" أن الثورة "ظلمت على عدة مستويات هي أن يومياتها وأدبياتها لم توثق وتلقى الاهتمام اللازم، وسياسيا لم تتوج بقيادة موحدة أو جبهة موحدة على الأقل، وعسكريا.. القضاء على فكرة الجيش الحر والقبول بالمال الحرام على حساب الدم والشهداء".


وأكد "العبسي" على أن الثورة السورية حققت آلاف المنجزات وأهمها تفكيك كل البنية التحتية لنظام الأسد الوحشي وتدميرها، كا عملت على صياغة الإنسان السوري الذي أصبح حرا "وأن كانت حريته فائضة في المرحلة الحالية".


وقال: "صحيح أن شخص الأسد لم يسقط وبقاءه احتاج لتدخل دول إقليمية كبرى ودولة عظمى مثل روسيا إلا أن ذلك لا يعني أن النظام لم يسقط.. سقط النظام وسيتأكد سقوطه مع فشله الذريع والحتمي في إعادة الإعمار والأمن، "والذي يجب أن لا ننساه هو أن الشعب السوري تعرض لحرب عالمية قادها ما سمي أصدقاءه قبل أعدائه مثل روسيا وإيران".

*الثورة حاجة
قال الباحث في السياسة والصراعات الدكتور "أحمد الحمادي" إن أهم سبب من أسباب تفجر الثورة هو المعاناة من نظام قاتل مجرم تقوم فلسفته السياسية على حكم البلاد بالحديد والنار، إلى أن حول بلد بمساحة سوريا إلى مزرعة، وجعل المواطنين مسلوبي اﻹرادة ﻻ حول وﻻ قوة لهم، يعانون من القبضة الحديدية والبطش والتسلط والاستغلال وانعدام الكرامة والحرية بجميع جوانبها، وضياع طاقاتهم وقواهم ومقدرات بلادهم بدوامة الفساد المستشري من أعلى السلم السلطوي إلى أدنى مرتبة إدارية.


وأضاف: "كل هذا دفع الشعب يهب ثائرا لتحقيق حريته وكرامته ليكون له الدور اﻷساسي في تحديد معالم حاضره ومستقبله، فكانت الثورة السلمية التي انطلقت بالورود و بشعارات الحرية والكرامة و(الشعب والجيش يد واحدة)، (واحد واحد واحد الشعب السوري واحد)".


وتابع: "بالمقابل طرح النظام شعاراته الدفاعية الدالة على فلسفته السياسية وأسلوب حكمه فكان شعار (اﻷسد أو نحرق البلد)، وطبقه بكل حذافيره فيما بعد، وعمد لإطلاق المتطرفين من سجونه ليتسلم غالبيهم كقادة عسكريين بعد أن عسكروا الثورة وهيئوا سبل التسليح، ففرخوا الجماعات والتشكيلات التي كانت في حقيقة اﻷمر على الثورة ﻻ لها فظهرت تنظيمات "الدولة" و"جبهة النصرة" و"المثنى" و"جند اﻷقصى"، التي كانت ظاهريا ضد النظام وحقيقة أمرها هي أداة من أدواته، وكانت أغلب فعاليتها العسكرية تتم في المناطق المحررة وضد الجيش الحر والثوار، بعد أن أصبح الخيار العسكري أمرا محتوما، وبهذه السياسة التي اتبعها النظام تمكن من تطويق الثورة بمن حسب على الثورة زورا و بهتانا، وأدى إلى تشتيت قوى الثورة ما بين ثوري يسعى لدولة مدنية عصرية تحقق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لمواطنيها وما بين اﻹمارات الزائفة ودولة الخلافة الواهية".


واستطرد بالقول: "اﻷهم من ذلك بالنسبة للنظام تمكنه من شرخ عرى وحدة الشعب السوري الذي فرزه بذلك على أسس طائفية وادعى بأنه حامي اﻷقليات بينما ﻻ يهمه من اﻷقليات وﻻ اﻷكثرية سوى استخدامهم كوقود لحربه التي فرضها ﻻستمرار نظامه وسلطته وحكمه، فكانت الكارثة الحقيقية في تفسخ وحدة سوريا والشعب السوري وظهور صراع الهويات التي نماها وعززها وعمقها النظام بعد أن أصبحه هدفه الإستراتيجي المحافظة على البقاء و الاستمرار بحكم سوريا".


وأكد "الحمادي" على أن الشعب السوري كسر حاجز الخوف ولم يعد يخاف من النظام القاتل المجرم الهمجي ولن ينثني عن أهدافه إﻻ بتحقيق وتحقيق النصر والخلاص وجعل الحرية والكرامة والعدالة واقعا معاشا.


وأرجع "الحمادي" أسباب تأخر انتصار الثورة في بروز واجهات سيطرت على القيادة والقرار الثوري ممن دسهم بكل خبث في قيادة الفصائل الثورية وفي المؤسسات الثورية التي واستطاع إعاقة تحقيق النصر "طبعا ﻻ نقصد الثوار الحقيقيين الذين ضحوا بالغالي والنفيس ووضعوا كل ما يملكون من قوى وطاقات في الجهد الثوري".


وقال: "لنا في التشكيلات والفصائل الثورية التي كانت محيطة للعاصمة أكبر مثال و التي ظهرت فيها الضفادع وفرخت ضفادع كانوا يشكلون خط دفاع عن العاصمة فلا هم من قاموا باﻷعمال الثورية منطلقين نحوها وﻻ سمحوا لغيرهم القيام بذلك، بل حاربوهم وصفوهم تحت مسمى حرب الضم والإلغاء والتصفية".


وأضاف: "كانت المناطق خارج سيطرة النظام جغرافيا وعمليا وسلطويا وعسكريا، لكنها كانت تابعة له عمليا من خلال الضفادع الذين يسيرون وفق ما يريده النظام، وهذا ما حدث في حلب عندما أصبح (عمر رحمون) المحسوب سابقا على الثورة والثوار ليصبح المفاوض باسم النظام ضد الثوار و ليتوجه أكثر من 25 قائد فصيل بفصائلهم للانضمام للنظام.. هذا الاختراق حدث في غالبية المؤسسات الثورة حتى أنه وصل إلى الائتلاف وهيئة التفاوض".


كما كان للتدخل الخارجي الإيراني والروسي والميلشيات الطائفية دور كبير في الحفاظ على النظام وتأخر انتصار الثورة، بالإضافة إلى خذﻻن الدول الصديقة لنا ولثورتنا، وسقوط الجنوب أكبر عبرة بعد أن كان يروج سقوطه خطر أحمر من قبل أمريكا.


وشدد على أن "ما جرى من خيانات وانكشاف الضفادع أدى لفرز حقيقي في تنقية صفوف الثورة في المرحلة المقبلة، فالثورة مستمرة حتى تحقيق أهدافها في إقامة الدولة المدنية العصرية دولة الوطن والمواطن والقانون والحرية والكرامة لمواطنيها".


بدوره الصحافي "محمد العويد" قال إن الثورة السورية "تمضي في مسارها وحيدة كما بدأت مضيئة شمعات الظلام ولاعنة من شاهد أنهار الدماء ولم يسعَ لوقف نزيفها، بل أبعد من ذلك سارعت دول إقليمية ودولية للاستثمار في دماء السوريين وحولت طهر مطالبهم في الحرية والكرامة والمساواة لتجارة تزيد في الوجع السوري وترفع شعارات الموت لمستثمرها ففضحت وعرت الكثير".


واعتبر "العويد" أن الثورة في ذكراها الثامنة "تبدو آمالها متراجعة عن البدايات فليس صوت المهجر كصوت المواجهة، والطيران والمدافع وتبدو في السنة الثامنة بحاجة للمراجعة البنيوية بدءا من حقوقها وصولا لحراكها وتبيانا أين أصابت وأين أخطأت لكن هذه المراجعات النقدية على اخقيتها لا تعفي رعاة الديمقراطية وحماتها من أسئلة بنيوية ليس أقلها تحميلهم مسؤولياتهم الأخلاقية والسماح لمواجهة دموية لا تقبلها قوانيين الأسرة الدولية وشوارعها العريضة".


وأضاف: "في الذكرى الثامنة وإن كان المشهد يوحي بسيطرة نظام الأسد على المشهد السوري بفعل حلفائه الإيراني والروسي والصمت الغربي إلا أنه بجوهره أيضا يؤسس لعلاقة شائكة في المنطقة العربية الأحوج لاستلهام ثقافة وحكم القانون تداول السلطة مع الآخر، وقد بدأ انتهازيا منلفتا من كل الضوابط الأخلاقية وهذا يؤسس لعلاقة عدائية بدل التكاملية.. الغرب عموما يتحمل مثل هذا الوزر باعتباره الأقوى والقادر منذ أيام الدماء أن يفرض الحلول السياسية لكن حسابات البسطاء بالقروش لا تتطابق مع تجار السلاح".


وختم بالقول: "ثمة أصوات تتعالى مع دخول الذكرى الثامنة تصرخ (كفى) فالبيوت لأهلها وعليهم العودة من دول الشتات، وثمة أصوات في المنافي تصدح وتكتب وتحاول ما استطاعت وثمة ملفات إقليمية لا تنجز بدون التحول المطلوب في الثورة السورية والتأكيد على أن ثمة نظام وحلفاء ضاق بهم الصبر في الحصار الدولي وعليهم أن يجدوا مخرجا وهو ما ينتظره الجميع أن تحل الذكرى كبادرة تحول تنهي يوميات الموت لشعب صاح لأجل الحياة بانتظار القادمات".

محمد الحمادي - زمان الوصل
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي