أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

قانون الإرهاب: ترسيخ للدولة الأمنية ووأدٌ لحقوق الإنسان..*

سليمان النحيلي | 2018-11-21 02:03:51
قانون الإرهاب: ترسيخ للدولة الأمنية ووأدٌ لحقوق الإنسان..*
   تعمّد واضعو قانون الإرهاب السوري أن يأتي مفهوم العمل الإرهابي والجريمة الإرهابية عاماً وواسعاً وغامضا - الصورة من مأساة السوريين
*من كتاب "زمان الوصل"
ربما من المستغرب بعض الشيء استدعاءُ أحد المشاهد المسرحية للبدء بمقالٍ قانونيّ. 

لكنْ المسرح بشكل خاص ما انفكّ يستوحي أعماله من واقع الحياة.

في أحد المشاهد الرائعة والذكية من إحدى مسرحيات الراحل "محمد الماغوط، يدور الحوار التالي بين رئيس المخفر والشرطي الذي جلبَ أحد الأشخاص مقيّداً إلى المخفر.

الشرطي (مشيراً إلى الشخص المقيّد): لقد أحضرته يا سيدي فماذا أصنع به؟

رئيس المخفر: أوقفهُ وخذه إلى السجن.

الشخص المقيّد: أنا بريء يا سيدي، ما عملت شيئاً مخالفا ً للقانون.

رئيس المخفر: اخرس، نحن من نقرّرُ إذا كنتَ بريئاً أم لا؟

الشرطي مخاطباً رئيسه: لكن، بأيّ تهمةٍ أُوقفه يا سيدي؟

رئيس المخفر غاضباً: نفّذْ الأوامر والتعليمات، أوقفهُ الآن وفيما بعد نجد له تهمة.

بهذه البساطة وهذا العمق، حدّد "الماغوط" معنى الدولة البوليسية، حيث تذوب الحدود الفاصلة بين القانون وبين ممارسات الأجهزة الأمنية، وحيث يصبح ما ترغب به هذه الأجهزة، وتأمر به وتفعله هو القانون، ولو خالفَ ذلك القانون.

ولهذا يصبح القانون في الدولة البوليسية أحد أدوات السيطرة والقمع، وليس أحد أدوات صون الحقوق والحريات وتحقيق العدالة.

هكذا تماماً واجهَ النظام السوري الأمني الثورة السورية التي اعتبرها عملاً إرهابياً تهدّد كيانه وسلطته، وليست ثورة شعبٍ ذي مطالب وحقوق، فبادرَ إلى مواجهتها بالقمع والعنف والاعتقال، ثم أوعز للبرلمان الذي يعيّن أغلبيته تعييناً، ويتبع الباقي له بحكم المصلحة الخاصة أو الخوف، بسنِّ قانون ٍ يجرّمُ الثورة ويعتبرها عملاً إرهابياً، ويعتبر من خرج بها إرهابياً.

ولذلك كان من الطبيعيّ أن يأتي هذا القانون مكرساُ لرغبة النظام وموسعاً لصلاحياته الأمنية القمعية وليطيحَ بالحقوق والحريات العامة للإنسان، وليؤمّن السّتار القانوني لكل تصرفاته تلك.

وقد تجلّى ذلك في النواحي والعيوب التالية التي اعترت قانون الإرهاب المذكور: 
أولاً - توسيع مفهوم العمل الإرهابي وغموضه:
لقد تعمّد واضعو قانون الإرهاب السوري أن يأتي مفهوم العمل الإرهابي والجريمة الإرهابية عاماً وواسعاً وغامضا من أجل ترك المجال لإدخال ما يشاؤون من تصرفاتٍ في خانة الأعمال الإرهابية في المستقبل حسب تعليمات وتوجهات النظام، وبالتالي لتبرير الانتهاكات والممارسات القمعية بحق الشعب الثائر بحجة مكافحة الإرهاب وتطبيق القانون، لأنه لو جاء مفهوم الإرهاب محدداً بشكلٍ واضحٍ ودقيقٍ فذلك سيكبح من صلاحيات النظام في تجربم ما شاء من أفعال يراها إرهابية، الأمر الذي يوفره توسيع المفهوم.

وعلى سبيل المثال إن توسيع مفهوم العمل الإرهابي سمح للنظام باعتبار مجموعة من التصرفات الإنسانية أعمالاً إرهابيةً من قبيل الاشتراك في تشييع الشهداء، ورشّ وتوزيع الماء البارد على المتظاهرين، وحفر قبور الشهداء، وإسعاف المصابين العالقين تحت الأنقاض جراء قصف قوات النظام.

وفي واقع الأمر لم يكن للنظام في معرض قمعه للثورة أن يعتقل مئات الآلاف من السوريين لولا هذا التوسع في مفهوم العمل الإرهابي الذي وفّره قانون مكافحة الإرهاب.

ثانياً - حرمان المتهم من ضمانات المحاكمة العادلة:
ومما زاد في الصبغة البوليسية لهذا القانون، أنه أعفى المحكمة التي تنظر بالدعوى من التقيد بالأصول والإجراءات التي تكفل للمتهم ضمانات المحاكمة العادلة.

ثالثاً- اعتماد الاعترافات المنتزعة تحت الضغط والتعذيب كأدلّة كاملة لإدانة المتهم،وهذا مخالف للقانون والدستور ولحقوق الإنسان معا، لأن الأصول القانونية تقول: إنه إذا ادعى المتهم أثناء استجوابه أمام القاضي بأنّ اعترافاته الواردة في ضبط الشرطة انتُزعت منه بالإكراه والتعذيب، فعلى القاضي أن يوصّف ما شاهده من آثار التعذيب بجسد المتهم ويدوّن ذلك في أوراق الدعوى، ويستدعي الطبيب الشرعي لتنظيم تقرير بذلك، وبالتالي لا يكون للاعتراف في هذه الحالة أي أثر قانوني، كما أنّ الاجتهاد القضائي للهيئة العامة لمحكمة النقض استقرّ قبل الثورة بسنوات على (عدم الأخذ باعترافات الأشخاص الواردة في ضبوط فروع المخابرات).

رابعاً - سمح قانون الإرهاب بتحريك الدعوى ضد أيّ شخصٍ ومحاكمته وإصدار حكم ٍ بإدانته دون دعوته أو علم منه لمجرّد ورود اسمه على لسان أحد المتهمين أثناء استجوابه.
وبذلك خالفَ قانون الإرهاب المبدأً الدستوريّ والقانونيّ في كل قوانين العالم وفي تشريعات حقوق الإنسان ، والقائل بأنّ كل متهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم.
لقد تحولت المؤسسة القضائية بذلك إلى ما يشبه مكتباً تابعاً لفروع الأمن، لا سلطة أساسية مستقلة من السلطات الثلاث في أي دولة التشريعية والتنفيذية والقضائية.

خامساً - فرضُ الرقابة المسبقة على حرية التعبير والمراسلات
لقد عاقبَ قانون الإرهاب بالأشغال الشاقة حتى 15سنة كل من أدارَ أو استعملَ موقعاً إلكترونياً بقصد الترويج للأعمال الإرهابية، وبحكم اعتبار النظام أن الثورة عمل إرهابي، وأنه يواجه إرهاباً، فإن ذلك يسمح له بالرقابة المسبقة على الحسابات الإلكترونية والمراسلات والرسائل وكل وسائل الاتصال وعلى الحياة الخاصة للأشخاص قبل توجيه أي تهمة لهم، وذلك من أجل معرفة المواقع الإرهابية من غيرها بنظره.
إنّ ذلك يعتبر قيداً غير مسبوق لحرية التعبير حتى أن مجرد وضع إشارة إعجابٍ (لايك) على منشور ٍ مؤيدٍ للثورة صار جرماً إرهابياً.
لا شك أنّ كل تلك الصلاحيات الواسعة الممنوحة لا تعتبر موادَّ قانونيةً موضوعية بقدر ما هي رغبات تمّ صبّها في نصوص قانونية لتناسب توجّه النظام في قمع الثورة وفي توفير الغطاء القانوني لممارساته غير القانونية في قمع الأشخاص والاعتداء على حرياتهم وحقوقهم العامة والخاصة، وبالتالي ما هي إلا قوانين ترسخ دعائم الدولة البوليسية.
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
ألمانيا.. اعتداءات بالطعن تستهدف النساء      تأجيل 5 مباريات اخرى في الدوري الفرنسي بسبب الاحتجاجات      أردوغان: قاتل خاشقجي بالنسبة إلي معروف فأعلنوا عنه      قرية تركية بأكملها تقلع عن التدخين      قائد "قسد" يتوعد تركيا برد قوي      واشنطن تصحح وتطالب الإمارات والسعودية بـ331 مليون دولار إضافية      الحوثيون: سنطالب بجثة "خاشقجي" ضمن اتفاق الأسرى      اللاذقية.. إيقاف أستاذ جامعي لأنه دعا لاجتثاث العلويين ممن يقدسون حافظ ويوالون بشار