أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

سلوى النعيمي و برهان العسل .... أميرة أبو الحسن

لن أبدأ بالقول: لو أن كاتباً افتتح روايته بالطريقة نفسها التي افتتحت بها سلوى النعيمي روايتها وقال:

"هناك من يستحضر الأرواح، أنا أستحضر الأجساد، لا أعرف روحي ولا أرواح الآخرين، أعرف جسدي وأجسادهم. هذا يكفيني. أستحضرهم وأعود إلى حكاياتي معهم عابرين في جسد عابر، لم يكونوا لي أكثر من ذلك. الأمور محددة الأفق منذ البداية. إذن؟. أستعملهم؟، أدوات جنسية؟، ولم لا؟."

لن أقول أيضاً: ولو أن هذا الكاتب جاء بكل ما جاءت به من فقرات من كتب التراث الجنسي العربي ولو أنه كتب عن تفاصيل تجاربه الحميمة كما كتبت عن تجاربها، لما كُتب عنه كل هذا الكم من القراءات النقدية أو الانتقادية، ولم يكن كتابه سيوصف بالفجاجة في الأسلوب، أو بالإباحية لمجرد الإباحية، أو بأن روايته ضعيفة استندت على موضوع الجنس لإمدادها بما يلزم لتتصدر الأعلى في قائمة المبيعات.

لن أقول كل ذلك لأنني أعرف تماماً أين سأجد نفسي بعدها؛ في خانة ضيقة لن أستطيع الفكاك منها لأدافع عن نفسي وأقول إنني لا أفصل بين الحب والجنس، بل إن هذا الفصل موجود أصلاً في الوعي أو اللاوعي لدى معظم البشر ويبدو واضحاً في كل تصرف أو موقف أو أسلوب حياة، وإن كانت هذه الأغلبية –واضطراراً لمجاراة العصر ربما- تدّعي عكس ذلك.

ولأني سأجد نفسي أتحدث في أشياء ملّت الآذان من سماعها، الذكورة والأنوثة والجنس الذي كفت يدها الرقابة عنه مؤخراً في الكتب الأدبية الحديثة وحشره في الأدب والإكثار منه تحقيقاً لمبيعات أكثر وعما إذا كان قد أتى ضمن السياق أو خارج السياق في النص الأدبي، كل هذا سأترك الحديث عنه لغيري، وسأتحدث عن كتاب سلوى النعيمي فقط، لن أتحدث عنه كناقدة لأني لست بناقدة متخصصة، سأتحدث عما رأيته وأحسسته كإنسانة قارئة يهمها شأن مجتمعها والعلاقات الأهم فيه، علاقة الرجل بالمرأة أو المرأة بالرجل.. لا فرق.

جعلت الكاتبة سلوى النعيمي من نفسها مرآة وضعتها أمام النسبة الأكبر –أقولها توخياً للعدل- من مجتمعاتنا -ذكوراً وإناثاً- وكتبت روايتها لتقول لهم: أنتم نتاج هذا التراث الموجود في الكتب القديمة، ونتاج مجتمع التقية المنافق الذي يحتل الجنس معظم تفكيره، وهو لا يقر بذلك. الذي يفعل فيه الفرد في السر ما لا يقبله هذا المجتمع في العلن. ويَقبل ويُقبل على الأدب الجنسي الغربي القديم منه والحديث، ويتناسى كتب التراث الجنسي العربي خجلاً منها. لكن الكاتبة تعتبر أن الوقت تغير الآن، ربما لأن الرقابة وسّعت من فتحات غربالها، ليسقط الجنس من الثالوث المحرم ذكره والحديث عنه والدخول في تفاصيله.

"كانت الحرية التي يكتب بها القدماء تمد لي لسانها مع صفوف الكلمات التي لا أجرؤ على استعمالها، لا شفوياً ولا تحريرياً."

"كانت الكلمات الممنوعة تحيي تاريخاً من الكبت الجنسي وتحيي معه مقاومة هذا الكبت، الطريف أنني لم أكن أستعمل هذه المفردات، حتى بيني وبين نفسي. مفردات للقراءة فقط. لا للكلام ولا للكتابة. حتى الآن يصعب علي أن أستعمل في لغتي كلمة من "الكلمات الكبيرة"، أتحاشاها. يمكنني أن أنقلها، وأن أستشهد بها وبراءة الأطفال في عينيّ، مهما كانت ساخنة. أما أن أستعملها للحديث عني وعن تجاربي فتلك حكاية أخرى. هذه النصوص جزء من ثقافتي. هذه النصوص جزء من مخيلتي. هذه النصوص جزء من حياتي الجنسية."

"أليس اعتباري لها سراً جزءاً من تلك التربية المخصية التي ربيت عليها. لماذا يمكنني أن أتباهى بقراءة الأدب البورنوغرافي الغربي والشرقي وأخفي قراءتي للتيفاشي؟. لماذا أعلن عن ولعي بجورج باتاي وهنري ميللر والماركيز دو ساد وكازانوفا والكاما سوترا وأتناسى السيوطي والنفزاوي؟"

الكاتبة كتبت روايتها "برهان العسل" لتقول أنه نتيجة لهذا النفاق وهذا الكبت الذي اخترتم الاختباء خلفه أصبحتم لا ترون في الجنس إلا مجرد متعة حسية صافية توجهها رغبة جسدية فقط، توصلكم إلى متعة لا ارتواء فيها ولا إشباع سوى ما هو مؤقت لا يدوم، سيدفعكم دائماً للبحث عن الجديد والتجديد. بحثكم سيوصلكم إلى المزيد من النساء أو المزيد من الرجال، وإلى المزيد من الوسائل التي ستغريكم خيالاتكم بابتكارها واستعمالها، لكن ذلك كله لن يوصلكم إلى ذلك الارتواء والإشباع والرضى الذين تبحثون عنهم إن لم تعترفوا بذلك الارتباط الوثيق بين الجنس والحب. وأنكم لن تجدوه إن لم تعترفوا به أساساً حتى وإن صادفتموه، لأنه سيمر بكم ولن تلحظوا وجوده. كما حدث معها عندما التقت من أطلقت عليه لقب "المفكر".

"بعد سنوات من رحيل المفكر فهمت أن لكل منا مفكراً أو مفكرة (أو أكثر؟)، بنظرنا في مكان ما من هذا العالم ليجلونا لأنفسنا، لنكتشف قدراتنا، لنذهب أبعد في متاهات ذواتنا.
بعد سنوات من رحيل المفكر فهمت أن لكل منا مفكراً ينتظره في لحظة من لحظات حياته. في درب من دروبها.
قد نضيعه بكلمة، بهزة كتف، برحلة مؤجلة، بتسويغ مرتبك، بخوف تاريخي بليد، بقواعد لعبة نخضع لقوانينها.
هناك من يعيش ويموت من دون أن يلتقي هذا الآخر الأساس، الذي يفتح أبوابه المغلقة على العالم.
هناك من يعيش ويموت خسة بائسة، ينشف ماؤها من دون أن تتحول يوماً الى جمرة تحرق كل ما يقترب منها، كل من يقترب منها.
هناك من يعيش ويموت من دون أن يعرف طريق جسده وأجساد الآخرين."

تقسم الكاتبة حياة بطلة روايتها إلى قسمين، قسم كان قبل "المفكر" تسميه الجاهلية الأولى تصفها بقولها:

"أنا، مع تجاربي العملية وقراءاتي السرية والعلنية، كنت لا أعرف اللذة إلا معرفة شبه واعية. معرفة غامضة، كصورة قليلة الدقة، مهزوزة. جاء المفكر وانتظمت التفاصيل في أمكنتها. وضحت الخطوط والألوان وتركزت الإضاءة. لم أعد أمثل دوري، صرت أنا."

لكن "المفكر" يرحل، لأنها ابنة تراثها وتربيتها ومجتمعها الذي أفهمها أن الجنس هو الأهم، لكنها وعوضاً عن أن تكون أداة اختارت أن تكون سيدة الموقف:

"بعد سنوات من رحيل المفكر كففت عن المقاومة واعترفت.
في البداية كان يسألني: هل ما بيننا حكاية جنس فقط؟، وأتهرب من الرد.
في النهاية لم يعد يسأل.
في النهاية رحل.
في النهاية؟.
بعد سنوات من رحيل المفكر انبثقت في رأسي جملة لشاعر ألماني كان يرددها هو أمامي: خلق اللـه الإنسان كما يخلق البحر القارات، بالانسحاب. هل انسحب هو لأُخلَقَ أنا؟."

أما عن حياة البطلة بعد "المفكر" فتقول الكاتبة وهي تكاد تقترب من نهاية الرواية، تاركة باب التأويل موارباً:

" الآن يخطر لي أن كل ما عشت بعد المفكر لم يكن بعده. في زاوية من رأسي كنت قد خبأته. تعايشت مع غيابه واثقة من لقاء مؤجل."

وتقدم الكاتبة من خلال الرواية الكثير من النماذج التي لا ترى في الجنس الآخر سوى أداة توفر له المتعة الحسية، ولا تحصر هذه النماذج في جنس معين. لكنها وعلى الرغم من تحرر بطلة روايتها من كل القيود المتعارف عليها، فهي تعرف تماماً ما تريد:

"أملك حساً أخلاقياً لا علاقة له بقيم العالم الذي يحيط بي. رفضتها منذ زمن لا أتذكره. هذا الحس الأخلاقي الشخصي هو الذي يزن أفعالي ويمليها علي. أنا التي برمجت معاييري. ما يهمني هو معنى ما أفعل وانعكاسه عليّ وعلى حياتي."

وتعتبر أن من حقها أن تقول لا، وإن كانت هذه الـ "لا" ستضعها عرضة لتفسيرات شتى ذكرت بعضها على لسان شخصية أخرى في الرواية أطلقت عليها اسم "الجوّاب":

"قال الجوّاب إنني لم أعرف رجلاً إلا زوجي.
قال إنني أرفض كل رجل يشتهيني لأن لدي حساً أخلاقياً عالياً يجعلني أخاف من المجتمع ومن حكم الرجل عليّ لو قبلت عرضه.
قال إنها بقايا تربيتي الطهرانية القديمة.
قال إن هذا يشلني ويكبحني ويقيدني.
قال إنني أعد قبولي الجنسي نوعاً من الخضوع.
قال إنني أخاف أن يخفت ألقي في عيني الرجل الذي أقبل به.
قال إنني لا أملك الثقة الكافية بجسدي ولا أجرؤ على تعريته أمام رجل.
قال إنني أرفض نموذج صديقتي التي تقول نعم لأي رجل وأعتبرها مستهترة رخيصة."

وترد البطلة على كل هذه التفسيرات والاتهامات المبطنة بكلمة "ربما" وتفسر:

"كنت أقول: ربما، لأنني لا أريد أن أوضح للآخرين. ماذا أقول لهم؟. إنه ليس لدي أي مرجع أعود إليه إلا نفسي وما أريده أنا؟، لا مفاهيمهم،ولا قيمهم، ولا أخلاقياتهم. لا المجتمع ولا الدين ولا التقاليد؟. لا الخوف من ألسنة الناس، ولا رهبة العقاب، ولا نار جهنم؟."

لم يبق لدي ما أقول سوى أنه ومن بين كل ما قرأت عن "برهان العسل" لكاتبته سلوى النعيمي، أعجبني ما كتبه حسين بن حمزة في صحيفة الأخبار اللبنانية: "ويمكن وصف عمل النعيمي بأنّه رواية وبحث سوسيولوجي وجنسي معاً. والسبب أنّها تقطع غالباً حبل السرد لتتفرغ لانتقاد المجتمع أو الرقابة مثلاً. «برهان العسل» هي هذا المزيج السردي والاجتماعي الذي يخاطب القارئ بلا حياء مزيف أو خجل كاذب." وأعجبني ما كتبه الكاتب المدهش أنسي الحاج: "تعيد سلوى النعيمي ربط الإباحيّة التعبيريّة بأعماق التراث وتُرينا بلا عناء كيف تفوّق علينا الأقدمون، بمن فيهم المقدَّسون والمقدِّسون، لا في تسمية الأشياء بأسمائها فحسب بل في فعل الأفعال والتبحّر فيها والابتكار والتمتّع. ومن أسلحة سلوى النعيمي الضحك. ضحكة الاستهتار اللطيف والغنج الألطف. إذا كانت الدموع دفاع المرأة فالضحك دفاعها وهجومها وانتصارها. إنّه حَمّامها العَلَني. هناك من لا يُرِدْن أكثر من الابتسام. أيضاً مرحى. ليس من وراء الجبل تشرق الشمس بل من وجوههنّ."

لكنني لم أتفق معه في رأيه الذي اختتم به ما كتبه عن الرواية وقال: "«برهان العسل» برهان الجسد بلا تبرير. أُسْقِطت الحاجة التقليدية (الكاذبة غالباً) إلى العذر الروحي، إلى التأشيرة العاطفيّة. جسد فَرِح بنفسه كالشمس، كالنهر الغزير، وأكبر براهينه الروحيّة هذه الأمانة. كتاب يُحرّر ويلذّ ويسبق الرِجال".

كلمة أخيرة.. أحب الكتب إليّ تلك التي لا تُرى من زاوية واحدة.

(6)    هل أعجبتك المقالة (6)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي