أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

بن قنة لـ «الوطن»: الجزيرة بلا منافس وليذهب ميثاق الشرف المهني إلى الجحيم

البحث في مجال العمل الإعلامي عن مثلٍ أعلى عمليةٌ شاقة فكيف إذا ضاقت دائرة البحث لتكون محصورة بالإعلام السياسي، وكان من نبحث عنه امرأة من الشرق؟ ولكننا بقليل من الموضوعية والمنهجية وبنظرة تمحيصية دقيقة حيال المشهد الإعلامي العربي نجد أن ما نبحث عنه له عناوين قليلة، ولكن ما لا شك فيه أنه من أهم تلك العناوين خديجة بن قنة. قد لا يستطيع الناظر أن يحدد بدقة جهة الإشراق. وقد تختلط عليه مصادر الألق لتلتقي كلها عند الاجتهاد والمهنية العالية. خديجة بن قنة الإعلامية في قناة الجزيرة، يصعب فصل نجاحها عن نجاح القناة وبالعكس. فالجزيرة تسلحت منذ انطلاقتها عام 1996 بالدقة والموضوعية. مؤكدة يوماً بعد يوم عزمها على الالتزام بشعارها «الرأي والرأي الآخر» فأحدثت انقلاباً على قوالب الإعلام العربي الجامدة والمتعفنة. ورسمت خريطة طريق جديدة لمفاهيم الإعلام وآفاقه ومساراته. وكانت كل إصابة لهدف تدفع إلى تسجيل المزيد من النقاط وحتى فتح المجال والنزول إلى ميادين أخرى، فظهرت بعد القناة الإخبارية كل من الجزيرة الرياضية والجزيرة مباشر ثم الجزيرة الإنكليزية والوثائقية وغيرها.

وطبعاً لا يليق بقناة رائدة سباقة من هذا النوع إلا قامة إعلامية بحجم خديجة بن قنة التي تستحق بالمقابل أن تضيف على صدر نجاحاتها وسام العمل في الجزيرة.
فكما أرست الجزيرة قواعد الإعلام العربي الحديث فإن خديجة أضافت ألوانها على الصورة النمطية للمرأة العربية بشكل عام والإعلامية بشكل خاص، وأعادت تحديد مراكز الثقل لنموذج الإعلامي الناجح.
قد يكون صوتها الجليل النادر هو أحد مفاتيحها إلى قلب الكاميرا ولكنه ليس وحده سر قبولها وجاذبيتها على الشاشة.
بلغتها العربية الناصعة، وإطلالتها السلطوية الجادة، تسرق خديجة انتباه مشاهدها وتصحبه في رحلةٍ إخباريةٍ شيقة، حاملة معها كل مستلزمات هذه الرحلة الحساسة والخطرة من زوادة معلوماتية وثقافية وافية، إلى إمساك محكم ومهني بكل أدوات العمل الإعلامي المتطور والناجح أضف إلى ذلك كله حضورها الأسر المصاحب لكل مراحل الرحلة.
من قناة الجزيرة في قطر تحييكم خديجة هذه المرة بصحبة صحيفة «الوطن».

مراسلات الجزيرة فاعلات ولا حياد
في القضية الفلسطينية
انطلاقة الجزيرة كانت عام 1996 وأنت التحقت بها في 27/6/1997 أي منذ البدايات. ما الفرق بين الجزيرة 1997 والجزيرة اليوم؟
عندما انضممت إليها كانت قناة الجزيرة الإخبارية العربية هي الأم الوحيدة لأسرة صغيرة، كان عددنا لا يتجاوز 300 موظف. لكن الجزيرة استطاعت بهذا العدد الصغير والمبنى المتواضع والإمكانات البسيطة وأيضاً بأستديو مجهري، أن تصنع اسماً في الإعلام العربي وأن تحقق في مدى زمني قصير إعجازاً مهنياً في الساحة التلفزيونية العربية، فأنجبت تلك الأم الكثير من القنوات: الرياضية بكل فروعها، الوثائقية، الإنكليزية، مركز الجزيرة للتدريب والتطوير ومركز الجزيرة للدراسات الإستراتيجية التي تعتبر كلها أفراد لعائلة أمها الجزيرة الإخبارية العربية.
وطبعاً لم يكن ذلك ليتحقق لولا توافر إرادة سياسية لدى قيادة دولة قطر دعمت الجزيرة من خلال رغبة هذه القيادة في إنشاء قناة حرة وموضوعية ومحايدة.
وتوافرت إلى جانب الإرادة السياسية إمكانات مالية وكفاءات بشرية من كل أنحاء العالم وباجتماع هذه العوامل جميعاً صنعت الجزيرة التي نراها اليوم.

تثبت الجزيرة كل مرة أنها في الصدارة ولكنها بعد تغطيتها الفريدة للحرب على غزة تفوقت على نفسها. مع من تتنافسون اليوم؟
أتمنى ألا يقرأ فيما أقول شيء من الغرور، لكن باستطاعتي القول إن الجزيرة أثبتت في الحرب على غزة أنها بلا منافس دون أن يعني ذلك غياب قنوات أخرى. وأستطيع أيضاً أن أتحدث عن كفاءة الجزيرة حتى قبل تغطيتها للحرب على غزة، لأنها غطت الحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان، الانتفاضة الفلسطينية الثانية، الحرب على أفغانستان وعلى العراق والكثير والكثير من الحروب والنزاعات المسلحة غطتها الجزيرة وكانت التغطية ناجحة بكل المقاييس، وذلك بفضل وجود رؤية وإستراتيجية إعلامية واضحة وبفضل وجود فرق من المراسلين في كل أنحاء العالم وخصوصاً في النقاط الساخنة مثل فلسطين حيث أثبتوا فعاليتهم ونضجهم المهني. وباعتباري من مناصري حق المرأة أريد أن أشيد بعمل المراسلات في ميدان الحروب، فجزء كبير من الطاقم الذي غطى الحرب الإسرائيلية على لبنان كان من النساء وأذكر منهن على سبيل المثال: بشرى عبد الصمد، سلام خضر، كاتيا ناصر وغيرهن. وأيضاً في الحرب الإسرائيلية على غزة كان هناك هبة عكيلة، جيفارا البديري وشيرين أبو عاقلة. لذا أتمنى أن تنال الإعلاميات وخصوصاً المراسلات الحربيات حقهن المهني.

نعيش في عالم تمسنا قضاياه من مختلف الجوانب، وباتت حروبه وصراعاته أعنف من كل تصور. إلى أي مدى يمكن للإعلامي أن يلتزم الحياد والمهنية أمام فداحة الأحداث وعدم معقوليتها؟
في قضية مثل القضية الفلسطينية أعتقد أنه من الصعب على الإعلامي أن يلتزم الحياد المطلق لأنه حتى الإعلام الغربي أثبت عدم حياديته وعدم موضوعيته، بل أثبت انحيازه لإسرائيل، وأنا هنا أتحدث عن قنوات كانت مشهورة بحيادها مثل الـ بي بي سي التي رفضت بث نداء لمساعدة السكان في غزة بحجة أنه يمس حياديتها، ولكنه في الحقيقة أمر إنساني. وأنا كنت أتابع خلال الحرب العديد من القنوات الفرنسية ومنها فرنسا 24، وكنت أتساءل دوماً أين الحياد؟ فالقناة كانت منحازة جداً لإسرائيل، أي إن الغرب الذي تعلمنا منه المهنية لم يعد مهنياً بل أصبحت قضاياه المركزية هي قضايا إسرائيل. لذا أعتقد أنه علينا نحن أيضاً أن ننحاز لقضايانا والجزيرة أثبتت خلال الحرب على غزة تبنيها للقضية الفلسطينية قضية محورية ومركزية ومصيرية للشعب العربي.
ولا أستطيع أن أقبل من أحد مطالبته لي أن أساوي بين القذائف التي ترمى على جنوب إسرائيل وبين أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية، أو أن أتأثر لمقتل الإسرائيلي لأني تأثرت مع الشهيد الفلسطيني.
ورغم أن ميثاق الشرف المهني هو الذي يحكم عمل الجزيرة ويحدد دليل السلوك المهني إلا أنني أمام مأساة إنسانية وأمام أرواح تتعرض للقتل وأمام شعب يباد، أقول «لتذهب مواثيق الشرف إلى الجحيم» في تلك اللحظة التي أسمع فيها أنين طفل يلفظ أنفاسه الأخيرة على الهواء، لا مكان في عقلي لقراءة أو تذكّر بنود نص قانوني أو إداري يمنعني أن أتأثر مع هذا الطفل، فالمواثيق جافة لا تعرف المشاعر ونحن بشر.

أؤمن بالحرية ولا ألوم الحكومات والفضائيات فقط
الإعلاميون في الغرب هم قادة رأي وصناع رأي عام يشبهون في ذلك الحكام والسياسيين. هل تعتقدين أن الإعلاميين في العالم العربي يلعبون دورهم الصحيح بالكامل في هذا المجال؟
نعم والدليل الأكبر هو ما حدث في الحرب على غزة، فالجزيرة كانت عنصراً فاعلاً في صناعة الرأي العام في العالم كله وليس في العالم العربي فقط. وسأعطيك أمثلة على ذلك، فالشارع العربي قام منذ اليوم الأول للحرب على غزة ولكن الرأي العام الغربي لم يتحرك إلا في الأسبوع الثاني من الحرب وبدأت التظاهرات تعم شوارع العواصم الغربية وذلك بفضل الصور البشعة التي كانت تبثها شاشة الجزيرة ووكالة رامتان وقنوات أخرى، وأنا لدي صديق صحفي بلجيكي مشهور اسمه ميشيل كولون كتب في مقالاته كيف أن الجزيرة أيقظت الضمير الأوروبي وصنعت له رأياً عاماً. والأهم من ذلك أن الجزيرة ساهمت مع جهات سياسية وإعلامية أخرى في توفير مادة مهمة جداً لتوثيق جرائم إسرائيل في غزة، تساعد المنظمات الحقوقية والجهات التي تقوم برفع دعاوى قضائية على إسرائيل باستعمال هذه الصور والشهادات أدلة موثقة في محاكمة إسرائيل.

كيف ترين مستقبل الإعلام العربي في ظل الكثير من التيارات الصاعدة المتناقضة وتخبط السياسات العربية في تنظيم وتقنين هذا الإعلام؟
أنا من المتفائلين في هذا الموضوع لأني أؤمن بالحرية، والحرية الإعلامية متوافرة اليوم لكن بشكل نسبي ومتفاوت من بلد إلى آخر، لا شك في أن هذه الحرية بحاجة إلى ضوابط وقوانين ما زالت غير متوافرة بشكل كبير، وهنا تأتي مسؤولية المدن الإعلامية التي تمنح التراخيص لكل من هب ودب لإطلاق قناة فضائية، مما سبب فوضى فضائية كبيرة، حتى إن بعض القنوات أصبحت أشبه بالكازينو أو الكاباريه المفتوح على الهواء وعملية النصب على المشاهدين من خلال الرسائل القصيرة التي تدر الملايين على أصحابها، أين مسؤولية المدن الإعلامية في دبي والقاهرة وغيرها ومسؤولية الوزارات؟ وهنا لا أتحدث فقط عن الفضائيات الهابطة بالمفهوم الأخلاقي الجنسي بل أيضاً الفضائيات التي تحرض على الطائفية والفرقة وعلى القتل.

هل تعتقدين أن هناك طرقاً أكثر فاعلية في مسألة الرقابة على هذه الفضائيات؟
للأسف عملية الرقابة صعبة ومعقدة جداً، لأنه حتى لو افترضنا طرد قناة ما من القمر الصناعي العربي فهي تستطيع أن تشتري ترخيصاً من قمر أوروبي. وهذا يقودنا إلى تحديد المسؤولية الأكبر وهي مسؤوليتنا نحن المشاهدين، فنحن اليوم شركاء فيما نستقبل وأحرار فيما نشاهد ولا نستطيع أن نحمّل المسؤولين والحكومات والفضائيات فقط مسؤولية ما يجري وخاصة إذا ما علمنا أن الخطر لا ينحصر بالفضائيات التي إذا ما منعناها عن أولادنا بإمكانهم أن يلجؤوا إلى عشرات البدائل في صور الفيديو والإنترنت وغيرها، فاليوتيوب وحده يخزن في بطنه ملايين صور الفيديو يومياً، فهل نستطيع مراقبة كل ذلك؟ فالوسيلة الوحيدة أمام هذا التحدي الأخلاقي هي أن نربي أنفسنا وأولادنا وأن نخلق لديهم حصانة تكون أهم وأقوى من أي وسائل منع أو قوانين بدل من أن نعاتب ونلوم.

أطلقت مؤسسة الفكر العربي أول تقرير عربي سنوي عن التنمية الثقافية (تشرين الثاني 2008) وجاء فيه: إن نسبة الالتحاق بالتعليم الجامعي 21.8% وأنه يصدر كتاب واحد لكل 12 ألف عربي مقابل كتاب على الأقل لكل 500 إنكليزي ولكل 900 ألماني أي إن معدل القراءة في العالم العربي لا تتجاوز 4% من معدل القراءة في انكلترا. وأفاد التقرير أيضاً أن عدد المواقع العربية المسجلة على الإنترنت لا يشكل سوى ما نسبته 0.026% من عدد المواقع العالمية.
أرقام ونسب كلها تستدعي الأسف والخوف على مستقبل تعليمنا وثقافتنا. كيف تقرئين مؤشرات هذه الأرقام؟ وكيف تفسرينها؟
أعتقد أن هذه الأرقام مخيفة حقاً وخصوصاً فيما يتعلق بنسبة القراءة في العالم العربي ولكن نحن هنا نناقش الجزء الظاهر من المشكلة، على حين تكمن المشكلة الأساسية في حقيقة كون 70% من المجتمع العربي مجتمعاً أمياً.
فالأمية تأكل وتنخر في هذه الأمة العربية بشكل كبير جداً لذلك لا يمكن حل مشكلة القراءة بزيادة إنتاج الكتب لأنه في النهاية من الذي سيقرأ؟ علينا أن نواجه المشكلة من الأساس وهي كيف نمحو هذه الأمية؟ وإذا تحدثت عن بلدي الجزائر أقول للأسف إن نصف المجتمع الجزائري يعاني من الأمية وأكثر من يعاني منها النساء والسبب ليس فقط الاستعمار الذي بقي قرابة قرن ونصف القرن بل أيضاً سياسات الحكم المتعاقبة التي لا تضع العلم في سلم أولوياتها.

أناصر حوار الأديان وأطمح إلى مشاركة المرأة في صناعة القرار الإعلامي
سبق أن شاركت في العديد من المؤتمرات عن الحوار بين الإسلام والغرب ونشهد اليوم دعوات ومبادرات كثيرة كلها تحت العنوان نفسه: «حوار الأديان». برأيك، هل تساهم هذه المؤتمرات في ردم الهوة بين الشعوب والثقافات أم إنها مجرد حركات تسويقية وترويجية لبعض الجهات أو لبعض المفاهيم؟
نحن أمة حوار «وجادلهم بالتي هي أحسن». هذه قاعدة أساسية في التعامل مع الآخر وأنا أؤمن بالحوار وأشارك في كثير من منتديات الحوار التي تنظم هنا في العالم العربي أو في الخارج آخرها، كان في قبرص منذ فترة قصيرة وكان من تنظيم جمعية سانت أيجيديو الإيطالية وهي منظمة عريقة في تنظيم وإدارة حوار الثقافات والأديان وتجمع نخبة كبيرة من المثقفين ورجال الدين والسياسيين من مختلف الديانات والثقافات في نقاشات فكرية وثقافية وسياسية مفيدة جداً وتوفر جواً من الثقة أصبح شبه مفقود بعد الحادي عشر من أيلول.
الحوار برأيي مهم لأننا بحاجة إلى معرفة بعضنا بعضاً حتى داخل الملّة والدين الواحد، مسيحيو الغرب على سبيل المثال لا يعرفون عن مسيحيي الشرق الشيء الكثير ونجد غالباً مسيحيي الشرق مغيّبين وضائعين بين رؤية الغرب لهم على أنهم جزء من هذا العالم العربي «المتطرف والمتشدد» برأيهم وبين رؤية العالم العربي لهم على أنهم امتداد لهذا العالم الغربي المادي والشهواني برأيهم.
هذه الحوارات توفر أيضاً جواً لنقاشات سياسية عميقة ولكنها للأسف لا تتعدى إطار النقاش، لأنها لا تملك أدوات سياسية للحل لأن أدوات الحل هي غالباً بيد الحكومات.

أقول بثقة إنك اليوم ممن يقفون في الصف الأول للإعلاميين والإعلاميات العرب إن لم تكوني الأولى تماماً. هل ما زال لديك حلم أو طموح ما؟
الطموح هو المحفز على العطاء إذا اعتبرت نفسي أنني قد حققت كل طموحاتي فعليّ أن ألملم أوراقي وأجلس في بيتي، ما زلت أطمح إلى تقديم برنامج قوي يكون له صدى عند الناس، فرغم أنني قدمت عدداً من البرامج في مراحل مختلفة مثل «للنساء فقط» ثم «الشريعة والحياة» ثم «ما وراء الخبر» إلا أنني أعتبر نفسي أنني ما زلت في رحلة البحث عن فكرة برنامج قوي يشد المشاهد. أعترف رغم ذلك أن تكويني وعجينتي المهنية وشخصيتي وصوتي كل ذلك يؤهلني للأخبار أكثر من البرامج.
طموحي الآخر وهو ليس طموحاً شخصياً أن أرى المرأة شريكة في الصناعة التلفزيونية وليست مادة للاستهلاك التلفزيوني، عدد النساء المنخرطات في هذه الصناعة قليل جداً هناك احتكار ذكوري قوي لعالم التلفزيون، والمرأة فيه مسخرة لخدمة أو لإمتاع المشاهد أو لإرضاء المسؤول أما على مستوى صناعة القرار ورسم الإستراتيجيات فالمهمة هنا خاصة بالرجل.
طموحي الأخير وهذه فكرة تنازعني منذ فترة وهي فكرة تخصيص جزء من وقتي للعمل مع بعض المنظمات الخيرية، وقد بدأت بالفعل مع مجموعة من الناس الخيّرين العمل على تأسيس جمعية خيرية تعنى برعاية اليتامى في الجزائر.

زينة حموي
(42)    هل أعجبتك المقالة (46)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي