أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

هاتوا الرجل السوداني ده .. محمد عبده العباسي

كان الزمان هوالعام 1957م ، كان موكب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يمر شاقاً شارع مصر والسودان ، فجأة صاح الزعيم عبد الناصر فيمن حوله من حرس ، وأشار :
ـ هاتوا الرجل السوداني ده ..
أحاط الحرس من رجال الرئيس بالرجل السوداني ـ نسبة إلي بلده السودان الشقيق ـ وكان يضع فوق رأسه عمامة كبيرة وينتعل خفاً بسيطاً ، وقد تناول طعامه تواً في أحد المطاعم الموجودة بالشارع ، يقول الرجل :
( فرغت من ـ ضرب ـ أي تناول صحن من الفول ـ المعتبرـ أي المعد جيداً بالدقة والشطة والطحينة مع ـ فحلين ـ بصل " بصلتين كبيرتين ـ وبينما كنت أسير في شارع مصر والسودان ، سمعت فجأة أصوات ـ الموتر ـ الموتوسيكلات تخترق الشارع في سرعة والناس تحتشد علي جانبي الطريق بإنتظار مرور موكب رسمي وكان موكب الرئيس جمال عبد الناصر ، وفي اللحظة التي اقتربت فيها توقف الموكب تماماً وأطل الرئيس جمال عبد الناصر من باب سيارته وقال لحرسه الخاص :
ـ هاتوا الرجل السوداني ده ..
ويكمل الأستاذ يوسف الشريف القصة في كتابه الشيق ( السودان وأهل السودان ـ دار الشروق ـ الطبعة الثانية ـ القاهرة 2004 م ) :
وعندما توجهوا إلي عم محمود السوداني كان ـ علي حد قوله ـ قد أصبح مثل الحرامي المتلبس بجريمة سرقة لم يرتكبها ، حاول الفرار أو نفي التهمة عن نفسه ، لكن الحرس قالوا له في رقة وأدب :
ـ متخافش .. الرئيس عاوزك شخصياً ..
وعندما وصل الرجل إلي الرئيس تذكر صديقه الضابط جمال عبد الناصر الذي أصبح رئيساً لمصر .
ويكمل عم محمود السوداني قصته المثيرة ويحكي عن كرم عبد الناصر وحفاوته به عندما صافحه واحتضنه وقبّله أمام الجماهير واصطحبه في سيارته إلي منزله وقدمه لأفراد عائلته بوصفه صديقاً قديماً وعزيزاً ، وعندما عرض عليه العمل معه في منزله اعتذر لكبر سنه ولحاجة أسرته لوجوده بجانبها في السودان وظلت رسائله متصلة بالزعيم الراحل ويدعو له بالبركة والتوفيق أو يتوسط لحل مشكلة مواطن سوداني في مصر أو أن يلحق أحداً للدراسة بالجامعة ..
وترجع قصة عم محمود وعلاقته بالزعيم جمال عبد الناصر ، أن عم محمود كان يعمل خفيراً في استراحة الري المصري إلي أن الضابط جمال عبد الناصر كان يقتطع كل من راتبه كضابط في أول الشهر مبلغ جنيهين يسلمهما للرجل الذي وكل إليه أمر القيام بشراء " جديين " صغيرين ، يطلق أهل السودان علي الجدي الواحد اسم " عتوت " ثم ذبحهما وسلخهما وإعدادهما للشواء ويقوم جمال بدعوة أصاقائه من السودانيين والمصريين لتناول لحمهما الشهي .
ويصف عم محمود الضابط جمال ومدي تدينه وبساطته ووطنيته وإيمانه بالمصير الواحد للشعبين المصري والسوداني ، وكم من المرات خرج معه في رحلات إلي الخلاء لصيد الغزال والأرانب البرية كما اصطحبه عدة مرات لحضور احتفالات العرس الشعبية . وعم محمود هذا ـ كما يقول يوسف الشريف ـ ينتمي إلي قبيلة " المحس" إحدي القبائل التي زحفت من شمالي السودان واكتشفت الخرطوم واتخذت منها مسكناً في منطقة بري فكان الرجل يقول أنه ينتمي إلي محس بري .
ويصف يوسف الشريف الرجل بقوله :
كان العم محمود خلوقاً ، حلو الحديث ، أحد حكماء زمانه ، طويل القامة كأنه " هرقل " له أذنان عريضتان كما أطباق " الدش " تلتقطان دبة النملة عن بعد ، وكان يعشق مصر وعاداتها وأعلامها وشوارعها ونجومها في السينما والطرب والفكاهة رغم أنه لم تتح له فرصة زيارتها إلا هذه المرة التي حدثت فيها هذه القصة .
والقصة كما تؤكد سطورها تبين مدي العلاقة الحميمية التي تربط بين زعيم مثل جمال عبد الناصر ورجل بسيط مثل عم محمود ، قصة تبين أن الزعيم الخالد كان دائماً في خندق الفقراء والبسطاء والمهمشين ، لم يتعجرف مرة معهم أو تعالي عليهم .


مصر
(14)    هل أعجبتك المقالة (15)

لبنى

2007-08-19

الأستاذ العباسي: صدقني أنّ كل سوري يفهم اللهجة المصرية تماما، ولاحاجة بك لشرح بعض المفردات.أنت تجعله نصا مدرسيا بهذه الطريقة، وتفقده عفويته. شكرا لك بكل الاحوال..


محمد عبده العباسي

2007-08-21

الأخت لبني لك الشكر أولاً علي تلك الملاحظة بأن الأخوة في سوريا يفهمون اللهجة المصرية ، لذا أود أن أوضح أنني أشرح معاني بعض المفردات لكل العرب وجميع الناطقين بلغة الضاد الذين قد يجدون في اللهجة العامية المصرية حجر عثرة أمام فهم بعض معاني المفردات . ثانياً : أرجو أن تقبلي وجهة كما أوضحت ، ولكن ليس من الواجب وصف ما كتبت بأنه نص مدرسي ...


التعليقات (2)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي