أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

من أجل يسار ديموقراطي ..... مازن كم الماز


لا أدري لماذا يصر البعض على استخدام وصف اليسار في وصف خطابهم أو تنظيمهم..لقد تعودنا في الحقيقة على ميوعة طرح اليسار الذي ارتبط بالدور التابع الذي ارتضاه اليسار التقليدي تاريخيا أولا تجاه البرجوازية و من ثم الأنظمة القوميوية و دمجه خطابه السياسي و الفكري في مشروع هذه الأنظمة..اليوم مع صعود ما يسمى باليسار الديمقراطي تتكرر نفس القصة لكن مع قوى مختلفة..اليوم نرى السيد الياس عطا الله ظلا "يساريا ديمقراطيا" للحضور الطاغي الأساسي لسعد الحريري و وليد جنبلاط و سمير جعجع و غيرهم كما كان اليساريون التقليديون مجرد براغي في منظومة الأنظمة القوميوية..ما فعله هذا اليسار الجديد أنه قد زاد و عمق أزمة بناء صيغة واضحة لخطاب اليسار خاصة مع مصادرته لوصف اليسار و أضاف إليها ميوعة لا تقل تعقيدا لوصف الديمقراطي الذي أصبح مثلا من نصيب قوى تعمل على ساحة الفعل السياسي منذ عشرات السنين من منطلقات و مواقع أقل ما يقال فيها أنها لا تمت للديمقراطية بصلة و "تدمقرطت" بين ليلة و ضحاها..و يجري هذا دون أن تضطر هذه القوى لأكثر من تغيير إعلامي ظاهري تماما كما كان اليسار التقليدي يقبل بتوصيف الأنظمة القوميوية بالمقاومة و التثويرية دون الحاجة طبعا لممارسة أي تحديد لا للمقاومة و لا لتثوير المجتمع و لا لأساس "التحالف" مع القوى التي تعبر هذه الأنظمة عنها..حقق اليسار الديمقراطي بعض الشرعية بسبب المشاركة في انتفاضة الاستقلال ضد النظام الذي أقامته المخابرات السورية و من ثم المواجهة مع محاولات النظام السوري للعودة إلى لبنان..لكن و تقيدا بالعادة القديمة لم يقدم هذا اليسار الديمقراطي أي مشروع واضح أو حتى خطاب متكامل خارج هذه المواجهة بل و كعادة اليسار الذي ادعى هذا اليسار "الجديد" تجاوزه قام برسم صورة للواقع على طريقة المصابين بعمى الألوان عالما يتألف من اللونين الأبيض و الأسود فقط كان فيها النظام السوري هو صاحب اللون الأسود و كل ما عداه لونه اليسار الجديد باللون الأبيض..هذا هو باختصار خطاب هذا اليسار الديمقراطي و رؤيته للواقع..هكذا يحشر رأس المال السياسي و الإقطاع السياسي و أمريكا و حتى الأنظمة العربية غير القوميوية في خانة اللون الأبيض..اجتماعيا لا يمكن التفريق بين سليمان فرنجية و وليد جنبلاط أو أمين الجميل رغم الخلاف السياسي و كذلك بين سمير جعجع و نبيه بري مثلا..هكذا يجري صياغة الوعي من جديد وفق ذات المقاربة الانتقائية إزاء الواقع دون أي أفق اجتماعي أو فكري أبعد من مركزية تحالفاتها السياسية , أنت ديمقراطي مثلا بقدر تأييدك لأمريكا أو بقدر شتمك للأصوليين مثلا و خلصت..إن الواقع لم يتغير فلا أمريكا تغيرت و لا الأنظمة الموالية لها و لا إسرائيل و لا القيادات التي تمثل الإقطاع السياسي أو رأس المال السياسي و إن أصبحت تستخدم عبارات الديمقراطية اليوم أكثر من السابق..ما تغير هو وعينا بالواقع جراء سقوط أسطورة الاتحاد السوفييتي سابقا و من ثم أسطورة التغيير على أيدي الأنظمة القوميوية الاستبدادية , هذا هو المسؤول عن تغيير وعينا بالواقع..و استنادا لهذا التشكيل للواقع يمارس اليسار "الديمقراطي" تكفيره الخاص , إنه يدير ظهره باستعلاء لناقديه بل و يعتبرهم مجرد عملاء للأنظمة التي يعتبر معركته الأساسية في مواجهتها..إننا لا نختار أعداءنا , إن حقيقة أن الأنظمة هي طغم فاسدة استبدادية لا يمنح البراءة لأعداء هذه الأنظمة السياسيين الذين يتنافسون معها على استلاب مجتمعاتنا و أسخف تغيير ممكن هو تغيير المستغل بآخر , المستبد بآخر..لا يتنبه اليسار "الديمقراطي" إلى أن شيئا لا يتغير حقيقة رغم كل هذا الكلام عن الديمقراطية فحواسه تجاه الواقع معطلة , لأن التغيير المطلوب من جديد لا يتجاوز الشكل..هناك فرصة حقيقية لتحويل سقوط الأقنعة هذا إلى أكثر من مجرد تغيير في الموقف السياسي البحت بالاكتفاء بالقفز إلى الضفة الأخرى من الخندق , يمكن بالفعل أن نبدأ بتحديد مصادر تهميش المجتمع و الشارع في منظومتنا السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و العمل على تفكيكها باتجاه بناء عالم يكون فيه الإنسان أكثر من مجرد موضوع للاستلاب و التهميش..من جديد علينا أن نحاول تبرير تمايزنا كيسار جذري عن الاتجاهات السائدة في ساحة اليسار , "الديمقراطي" هذه المرة


(17)    هل أعجبتك المقالة (17)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي