أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

لغة الحذاء ... أمل عريضة .

 

عندما تمرُّ حادثة تمسّ السياسة يشعرُ كلُّ كاتب وصحفيّ وإعلاميّ بأنه معنيّ أكثر من غيره بتغطيتها وإبداء رأيه فيها، وليس ذلك كونه أكثر ارتباطاً بقضايا الدول والشعوب من بقية الناس، فربما تلزمه بذلك المؤسسة التي يعمل فيها، وربما يخشى إن فاتته المواكبة أن تغورَ مياهُ الكلمات داخله وتموتَ بذورُ التدفق ويُلجَمَ نهره الإبداعيّ.

لأيام بعد حادثة الحذاء شعرتُ أنّ أيّ قول أو تعليق لن يضيفَ أكثر مما يضيفُ شرحٌ ركيكٌ لقصيدة مراوغة تخبّئ من الكنايات بقدر ماتصرّحُ.
جلستُ مرّة أدرسُ في مكتبة كليتي بميشغن. جاء طالبٌ وجلس مقابلي ومدّ رجليه فوق الطاولة المنخفضة (التربيزة) التي أضعُ عليها أشيائي.


كنت قد ناقشتُ أمثالَ هذه التصرفات مع أستاذتي وشرحت لي أنّ الأمريكي يعتبرُ المكانَ الذي يجلسُ فيه مكانه، وهو ينشدُ راحته فقط ولايقصدُ أبداً أن يكونَ غيرَ مهذب.

 مع ذلك لمّا رأيتُ الحذاءَ الرياضيّ الكبير موجهاً إليّ راحتِ الدماءُ تغلي في عروقي.
كان من السخف أن أطلبَ منه إنزالَ قدميه، فحريته الشخصية مقدسة، إضافة إلى أنه ليس لديه فكرة عن مفهوم الدونية والتحقير المرتبط بالقدمين عندنا.
فكّرتُ لحظاتٍ بمغادرةِ الطاولة، ثمّ قلتُ لنفسي: لقد كنتُ هنا قبله.

ربما كان من السخف أيضاً أن أمدّ قدميّ أمام وجهه، فهو لم ينتبه لتصرفي هذا، لكنّ دمائي العربية هدأت واستطعتُ مواصلة الدراسة وقد استمتعتُ بالجلسة المريحة.
 لمّا حدّثتُ أستاذتي بهذا ضحكت وقالت: لقد فعلتها إذا!.. هذا حسنٌ
لايعرفُ الأمريكيون لغة الحذاء التي نعرفها، وهذا ماجعل الرئيسُ الأمريكيّ يتعاملُ مع الموضوع بروحٍ مرحة معلّقاً حول قياس الحذاء.


 ولكنّ قذفَ شيء ما على الآخرين وإن كان وشاحاً أو قبعة لابدّ أن يحملَ رسالة ما، وكونُ الفعل غيرُ مسبوقٍ- فحتى الآن لم يتعرّض رئيس أمريكيّ للضرب بالحذاء- فقد قام المراسلون الصحفيون في العالم بفك الشيفرة ودراسة أبعادها في الثقافة العربية وقدّموا النتيجة الصاخبة: إنّ قذف الحذاء على الرئيس الأمريكي يُقصَدُ منه الإهانة والتحقير.

 إذاً رغمَ الاختلاف الثقافيّ حول مفهوم الحذاء والقدمين بين الشرق والغرب أوصل المنتظرُ الزيدي رسالة العراق الجريح دون أن يمكّن أعداءه من اتهامه بالإرهاب، وهذا لعمري شيء ليس بيسير.

 فحتى أطفالُ الحجارة اتهموا بالإرهاب لأنّ الحجرَ الذي استخدموه في مقاومة الاحتلال- رغم ضعفه أمام الدبابات- له إرثٌ تاريخيّ في المعارك وقد أطلقته المداميكُ لدكِّ حصون الأعداء.
 ينظرُ الغربُ بحذرٍ إلى نقافة العصافير، أمّا الحذاءُ فسجلّه وصفحته عندهم نظيفة.

 بَل إنّ بعضهم لم يفهم دلالة الحدث رغم اطّلاعه على التفسيرات المرافقة له في الأخبار فقال:" أيّ مقاومة هذه.. أن يرميَ بحذائه كالطفل؟!".


 إنّ نجاة المنتظر- إن حدثت- فهي ليست نتيجة الديمقراطية التي مازال بوش يدّعيها، وإنّما بفضل التاريخ الناصع للحذاء عندهم، فتاريخهم لم يشهد اغتيالا بالقباقيب كما حدث لشجرة الدر عندنا.

ربما لم يخططِ المنتظرُ لهذا المشهد المسرحيّ المؤدّى ببراعة، وكلّ ماأراده هو التعبير العفوي عن غضبه ورفضه للوجود الأمريكي في بلده.
 لكن يبدو أنّ للحذاء لغته الخاصة فقد ساهم في تقديم رسالة سياسية بأسلوب جديد. لم يبلغ أحدٌ حتى الآن مابلغه المهاتما غاندي في المقاومة السلمية والتي كانت وراء تحرير بلاده من الاحتلال البريطاني، لكنّ نجاح غاندي لايعني أنّ طريقته الإنسانية الرائعة هي الوحيدة الناجحة والمقبولة في المقاومة والدفاع عن الوجود.

 في زمن تلتبسُ فيه معاني الجهاد وتتعثرُ كلمةُ الحقّ في إشكاليات الأيديولوجيات المتناقضة قد يغدو الحذاءُ أصدقُ إنباءً من الحربِ والكتب.
يتندّرُ الكثيرون من الحدث فيقترح بعضهم بيعَ الحذاء بالمزاد العلني، ويطلق عليه آخرون اسم الحذاء الذهبيّ، ولعلّه ستنشأ جوائز عربية باسمه موازية لجوائز نوبل وأوسكار وغيرها، وأظنّ أخرين سيقترحون وضعه في المتحف.


كذلك تتسابق شركات ألعاب الفيديو والانترنت للاستفادة من أهميته وشعبيته لترويج منتجاتها.

 ويبدو أنّ اهتمام الشعب الامريكي به لايقل عن الاهتمام العربي فمازالت المقالات ورسوم الكاريكاتير تتدفق بسخاء.
أمّا أعداد تعليقات القراء فهي مثيرة حقاً إذا ماتذكّرنا أنّ الأمريكيين قلّما يهتمون بمايحدث خارج ولاياتهم، فكم كان يحبطني أنّ معظم من ألتقيهم لم يسمعوا باسم بلدي سورية.
 صار رمي الحذاء حدثاً شعبياً بكل معنى الكلمة، وهذا مادفعني لمتابعة تعليقات القراء في بعض المواقع العربية والأمريكية. كانت الآراء من الطرفين متباينة وتندرج تحت عدد من المستويات بين الدعم والرفض.

قال بعضُ العرب: "إنّ المنتظرَ أزرى بعمله الصحفي حين أقحمه في الصراعات السياسية وكان أجدرُ به أن يبقى حيادياً" وقالت فئة أخرى:" إنّ هذا الصحفي لايمثلنا كعرب، فمن أخلاق العرب أن يُكرموا ضيوفهم ويحسنوا وفادتهم".

 في الحقيقة لاأعرفُ قانوناً أو شعباً أو عقيدة عبر التاريخ تقول إن إكرام المحتل من الأخلاق الكريمة الفاضلة، ولعلّ هذا بسبب تواضع ثقافتي. أمّا الحديث عن مفهوم الصحافة النزيهة ففيه وجهات نظر وتفسيرات مختلفة.
 يعرف جميعُ من يكتبُ أنّ الحيادية والموضوعية هي شرط العمل الصحفي عند كتابة التقارير الإخبارية، وذلك لأنّ الحقيقة مقدّسة.
 لكنّ هذا لايعني أبدا ألا يكون للصحفي موقف.
 ووجودُ مقالة الرأي وغيرها يؤكّدُ أنّ عمل الصحفي ليس محصوراً بنقل الوقائع والأحداث. كذلك إنّ  الاختلاف بين اتجاهات الكتّاب - سواء رافقته الحرية أم لا- يجعل من الموضوعية أمراً نسبياً.

 يبقى السؤال: هل يحق للصحفي أن يستخدم أسلحة للمقاومة غير قلمه أثناء عمله؟
 لا أظنّ أنّ المنتظرَ الذي شهد تمزّق بلده يهتّم للجواب.
يقلقُ البعضُ من أنّ حادثة استخدام الصحفيّ لحذائه بدل قلمه تشيرُ إلى انتهاء عصر الحوار وابتداء عصر الجِزَم. تمرّ في ذاكرتي حواراتٌ لانهاية لها.
 تزمجرُ فيها النخبُ المثقفة بالشتائم والاتهامات. أحقاً ستتحوّلُ برامج القنوات الإخبارية إلى منتدياتٍ لرمي الأحذية ينفث فيها الفرقاءُ حقدهم ويريحونا من سماع عنفهم الكلامي؟!.

أمّا المعلّقون الأمريكيون فقد رأى بعضهم أنّ ماحدث هو استصغار لأمريكا وتهديد لسيادتها.
 بينما رأى آخرون أنّ بوش لم يحسن تمثيلهم، وبالتالي الإهانة موجهة له وحده.
ولعلّ أطرفَ ماقرأتُ قولُ أحدهم:" ألم يتمنى الكثيرون من الأمريكيين في أعماقهم لو أنّهم قاموا بمثل هذا الفعل؟".
 إلى جانب الفئة القليلة من العرب التي أنكرت الحدث هناك فئة أخرى صغيرة أيّدت الحدث بتحفّظ .
 لقد ساءتها المبالغة في الاحتفاء به وعبّرت عن خشيتها من أن يصبحَ الحذاءُ رمزاً من رموز الأمة العربية.

إنّ نظرة عامة في نشأة الرموز ودلالاتها تظهرُ أنّ أشياء أخرى توازي الحذاء في دونيته اتخذت رموزاً عند الشعوب ولم تنتقص منهم.
فالمصريون القدماء كانوا يقدّسون الجُعَل (خنفساء الروث) وجعلوها رمزاً للخلق والخصوبة، و تعتبرُ بعضُ الشعوب أنّ نبتة البرسيم -وهي عشبٌ يطعم للحيوانات عندنا- ترمز للحظ السعيد، بينما يرى الإيرلنديون أن البرسيم ذا الثلاث وريقات يرمز للثالوث المقدس: الأب و الابن و الروح القدس.

 كذلك يرمز أبو الهول المصري والثور المجنح برأس إنسان عند الآشوريين إلى القوة المطلقة النابعة من اتحاد الإنسان بالحيوان، ولايخجل الأمريكيون اليوم من التزين بصور الفيل والحمار رمزي الحزبين الجمهوريّ والديمقراطيّ. الأفعى السامة كانت رمزاً للعلاج عند الإغريق وصارت شعاراً لمهنتي الطب والصيدلة حديثاً.

 نعلُ الحصان أيضاً اتُّخِذَ عند البعض رمزاً للحظ فنقشوه على مجوهراتهم وأنفسِ مايملكون.
الصليبُ... هذا الشكل البسيط جداً عُرِفَ بقدسيته عند الاسكندنافيين منذ العصر البرونزيّ، ثمّ تطورت دلالاته وصار رمزاً للمسيح.
 يقدّسُ المسلمون جميعاً الكعبة ويحجون إليها.


 قد يبدو غريباً للآخرين أن يرى المسلمون في هذا البيت الحجري ذي التصميم البسيط بيتاً لله الذي لايسعه شيء، وقد يستغربون أكثر إيثارهم للحجر الأسود وليس له أيّ خواص تميزه عن غيره من الحجارة.

ماأودّ التذكير به أنّ الأشياءَ لاقيمة لها أساساً، والقيمة تأتي من الوظائف المادية التي تؤدّيها أو من الدلالات والمعاني التي تحملها وتبلّغها.


 وحذاء الصحفي الذي تجاوز وظيفته المادية المكرّس لها- حماية القدمين- ليوصلَ رسالة شعبٍ مقهورٍ ومقاوم قد نجح في اكتساب رمزيّة عالية غيرَ مبالٍ بمخاوف بعض المذعورين من استخدام رموز غير راقية أو المرعوبين من أن يظهروا غير حضاريين وبعيدين عن ثقافة الحرية والإنسانيات.

 

(4)    هل أعجبتك المقالة (4)

ابو زهدي .. بالوجه الاخر

2008-12-20

إذاً رغمَ الاختلاف الثقافيّ حول مفهوم الحذاء والقدمين بين الشرق والغرب أوصل المنتظرُ الزيدي رسالة العراق الجريح دون أن يمكّن أعداءه من اتهامه بالإرهاب، وهذا لعمري شيء ليس بيسير. فحتى أطفالُ الحجارة اتهموا بالإرهاب لأنّ الحجرَ الذي استخدموه في مقاومة الاحتلال- رغم ضعفه أمام الدبابات- له إرثٌ تاريخيّ في المعارك وقد أطلقته المداميكُ لدكِّ حصون الأعداء. ينظرُ الغربُ بحذرٍ إلى نقافة العصافير، أمّا الحذاءُ فسجلّه وصفحته عندهم نظيفة. .


محب لسوريه العظيمه

2008-12-22

ولك يا اختي كل ماكتبت لا ينفي التصرف الغير حضاري .و هذه المبررات التي يسوقها الاعلام العربي كلها بلا معنى.وهي محاوله لتبيض الفعل الشائن ل المسمى صحفي.. ولا احد يقارن بين انتفاضتنا البطله وحجارتها بذلك النعل وصاحبه.وانت بما انك صحافيه بتمنى ما تحضري شئ مؤتمر صحفي وانت لابسي كعب عالي .


نايا

2008-12-21

مو المهم بشو ضرب الزيدي بوش ، أو اذا وكان مخطط للموضوع و لا لأ أو شو النتائج لعملو ... برأيي المهم انو قدر يعبر عن موقفو و رأييو و مشاعرو و يفش خلقو و من دون خوف بتصرف عفوي متل هاد ، و للأسف هاد الشي محدا منا قدران يعملو و قلوبنا مليانة قهر و ما فينا نعمل شي ..لهيك المفروض منا انو نقول : نيالو منتظر اجيتو الفرصة ليريح قلبو و يهدي فوران دمو....برافو منتظر !!...و شكرا أمل على هالمقالة الرائعة ....


صديقك

2008-12-21

المهم هو : انك : استطعتي : بكلماتك : " تحريك حيادياتي وجررتني لصف الأحذية " .


رهيم

2008-12-21

تذكرت انا وعم اقرا المادة بمقرر كان عنا بالكلية اسموا انتاج اللغة في النصوص الاعلامية على ما اذكر المهم كان في تحليل بقول انو كل كلمة الها معنيين معنى لفظي ومعنى دلالي يختلف المعنى الدلالي ضمن البشرية حسب الجماعة الانسانية وتاريخها وموروثها وينسحب هذا الكلام على الحذاء ومدلولاته لدى الجماعات الانسانية المختلفة اعتقد ان كاتبة المادة وفقت في تحليلها للحادثة والمقال رائع لانه يستحضر رموز ومعتقدات مختلف الامم ... لكن هذه الحادثة قاربت بين العرب والامريكيين في فهمهم المتبادل للحذاء الذي رشق به المجرم بوش ... شكرا امل.


منعم دبي

2008-12-20

كنت اتمنى لو ان ام منتظر الزيدي قد شربت اي دواء عندما كانت حاملة به وهو جنين وعند الولادة يكون له اربعة رجلين.


فؤاد

2008-12-23

عندما جلس الأمريكي أمامك و وضع قدميه على الطاولة استمتعتي بالجلسة و هدأت دماؤك العربية و لكن عندما جعلتي الكعبة و الحجر الأسود مع الحذاء و البرسيم و الجعل و حذوة الحصان في قالب واحد هنا فار دمنا العربي المسلم و بالنتيجة و لم نستمتع بالمقالة على الرغم من جمالها. .


أحمد اليوسف

2009-01-01

على غير عادتي وهي الحرص على استقلالية الرأي وحرية التعبير حتى مع من لا يفهم قيمة الرأي الأمر الذي يثير حفيظتة أجد نفسي موافقا ومشيدا وشاكرا لهذا النص الذي اتسم بالموضوعية كما اتصف ببساطة العبارة واسبغ على ذاته وعلى روح القارئ من خلفه روح المرح وبنفس الوقت كان يغوص بأنفاسه الهادئة ليستخرج لنا جوهر الفكرة أشكرك .


التعليقات (8)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي