أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

لا ترجموها وحجوا بسلام.. حلم طفولة عبدو عشية العيد

الطفل الذي واجه العيد والعجلات - زمان الوصل

وحده الآن، من يأخذ وضعية (الانبطاح) فوق أديم هذه الأرض الممتدة من الخراب إلى الخراب، أرض لا يستوي فيها الغني مع الفقير ولا الأبيض مع والأسود ولا العربي مع الأعجمي، فأرض "عبدو" التي احتوته لاجئا بين جبال "عرسال" وجرودها لا تشبه بقوانينها وأعرافها وقداستها تلك البقعة من الأرض التي يجتمع فيها أبناء جلدته على جبل "عرفة" ليرفعوا إلى خالقهم شعائر وقفة العيد، لا أحد إلاه الآن، وهو ذلك "الكومجي" البائس، يقدر على رسم العيد كما ترسمه مخيلته الآن.

فما يدور في رأس "عبد الناصر الغاوي" (ابن الإثني عشر عذابا) تلك الرأس الصغيرة التي تعفرت بالتراب، وهو يستلقي تحت سيارة عابرة للغربة كي "يرقع" لها عجلاتها "المبنشرة" أشبه "بفانتازيا" عبثية ساخرة مؤلمة، يجول برأس عبدو أن يلعب مع نفسه لعبة العيد وأن يؤدي جميع ما في هذا اليوم من شعائر وطقوس.

وما المانع، يقول عبدو، فطالما أنه لم يمتلك المال الكافي لشراء ثياب العيد ولم تمنحه زحمة العجلات "المبنشرة" التي تراكمت أمامه فرصة زيارة السوق والمحلات كغيره من أطفال هذا الكون، فمن حقه أن يلعب دور الأضحية التي تذبح في العيد، أن يكون "خروفاً" أو نعجة تساق إلى مذبحها مرغمة صاغرة، أو أن يلعب دور الشرير الذي يتكاثر على رجمه العابرون من كل حدب وصوب.

بين عجلتين أفرغتا من الهواء يبدأ الطفل "عبدو" سعيه وطوافه حاملا بين يديه النضرتين (عدة) فك العجلات، طواف وسعي يؤديهما عبدو بثياب لا تشبه كثيرا ثياب من يقفوا على جبل "عرفة" من حيث شدة بياضها وإشراقها الناصع، ثياب قد خطفت إشراقتها ونظافتها الشحوم والزيوت والغبار تاركة لها بقايا من لون يشبه بإطلالته ظلامية الأسود وحزنه.

"طواف وسعي" لا يبتغي الطفل البائس من ثوابهما جنات عرضها السموات والأرض ولا أنهارا من لبن وخمر. 

ولا ثيابا من سندس وإستبرق، فما يرجوه وهو المعيل لأسرته الفقيرة كفاف يوم يبعد من كفله الله بهم ذل المسألة وقهر الحاجة.

بين عجلتين جهزتا للترقيع، بعد لحظات، يبدأ الطفل "عبدو" هروبه من سكين ذابحيه، يكسر باب حظيرته ويهرب مذعورا خائفا، يعطي "لقرنيه" أمر الاستنفار والجاهزية (لنطح) كل من سيقترب من قوائمه ليمدده أرضا ليذبحه ويقدمه كأضحية للعيد.

الصوف فوق جسد، "الخروف عبدو" يتحول لسهام وحراب حادة جهزها لتبقر بطون كل من سيقتربون من رأسه الصغيرة لينحروها، ويبنوا على دمائها سعادة وأفراح بقية يومهم.

بين عجلتين ممتلئتين بالهواء، يقف "الشرير عبدو" متحفزا لصد كل ما سيرجم به من حصى، يتذكر "الشرير عبدو" قبل رجمه أنه لم يشترِ ثيابا جديدة للعيد الثاني على التوالي.

ولم يتمكن كذلك إلى الآن من جمع المال الكافي لشراء دفاتره وأقلامه ومستلزماته المدرسية استعدادا لعامه الدراسي الذي سيبدأ بعد أيام، ويتذكر "الشرير عبدو" أنه لم يشترِ لعبة منذ سنوات ولم يدخل مدينة ملاهي طيلة حياته. 

لم يركب أرجوحة، ولم يشترِ غزل البنات من عربات الباعة المتجولين الذي يذرعون باب خيمته جيئة وذهابا.
الرجم يزداد على جسد الطفل عبدو، كادت الحصى تغطي جسده النحيل، يدور محرك السيارة، تتحرك العجلتان بسرعة وقوة، يبعد الطفل جسده الغض بخوف ورهبة، يصيح بكل ما أوتي من طفولة وقهر:

لا ترجموني .... 
لا ترجموني ....
وحجوا بسلام.. .

لبنان -زمان الوصل
(19)    هل أعجبتك المقالة (17)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي